تأملات

تأملات

السير باتجاه الشمس

كتبت فيرجينيا وولف في مذاكراتها “لا أعتقدُ في الشيخوخة، بل أعتقدُ في تغيير وجهة نظر المرء باستمرار تجاه الشمس” وكنتُ أظن بدايةً أننا نسير منقادين نحو الشمس لأن الزمن يُلبسنا عدسته الأصفى في كل عام من ميلادنا الأول، وفي كل مرة نُبصر الشمس أشدّ صفاءً مما كنا نفعل، ونعي الوجود بتعقّل تراكم فوق ما تراكم سلفًا. وكنتُ على استعداد أن أسير نحو الشمس بنفسي، أن أرفع السجاد من فوق ما راكمته ومشيت فوقه حتى لا ينتبه أحد إلى ما يُعكّر صفو الإنسان الذي يقتحم أبوابًا جديدة؛ وأعني بيقتحم لأنها المرة الأولى التي أوشك فيها على السقوط وبدلًا من أن أستريح في سقوطي، تشبثتُ بكلتا يديّ على حافة السقوط.. تحملتْ يداي التشبث وحيدة، ولم يجرؤ أحد على أن يمد يده ولو أن يدًا امتدت لما استطعت أن أفلت الحافة لألحق بيد قد تعاني من الهشاشة أكثر مما يفعل وجداني وقتها. بعد عام من التشبث بالقيمة؛ ألا أبطش، ألا أنتزع حقًا، ألا أتناول من طبق السُلطة الشهي كي لا يتسمم غيري. بعد عام من محاولة التصدي للأذى بالتغافل أحيانًا وبتحويله إلى نكتة أحيان أخرى، وتأجيل الفهم ودفن الأذى تحت سجاد الوعي. قررت أن أسير إلى الشمس، أن أفهم من أين تأتي اليد التي تشد ظهري إلى الوراء لتتراجع خطوتي، ومن أي سماء تهطل أسراب الألم والمسؤولية لتسكن كتفي وتزيد وزن خطوتي.

وبدلًا من أن أسير إلى الشمس بخطى ثابتة ومستعدة أو خائفة ومترددة -لا يهم-، أشرقت الشمس عكس اتجاهي، وتقابلنا! التقينا عرَضًا وبدون تخطيط ولم تكن إحدانا جاهزة للقاء الأخرى، تقابلنا في وسط الذهول، حدقتُ في قرصها المشتعل ورغم أنها دثرتني بأشعتها المنتشرة إلا أن زمهرير الحقيقة كان أعتى. مرّت سنون أقصّ فيها على نفسي القصة ذاتها كل ليلة حتى لا أنساها؛ لا أنسى تاريخًا قادني مراتٍ وسحلني مراتٍ وخنقته بيدي مراتٍ حتى أضحى وجداني الغضّ وليمة في مائدة التأنيب، إن حاولتُ أن أفلت من بين أنيابه الحادة علق طرف ثوب كبريائي بين ثناياه وأشدُّه حدّ التمزق ثم أرقعه تحت مظلة الليل دون أن يسمعنا أو يشعر بنا أحد. التقينا بعد أن خسرتُ معاركًا لا غنائم لي فيها وخرجتُ منها بمغارم جرّاء مروءةٍ موهومة! التقينا بعد أن انطفأ صوتي واختنقت نبرتي في خطابات لاسترداد حقوق رأيتُ في قرصها المشع أنها غير منزوعة! التقينا بعد أن مزّقتُ وجداني في مقاومة أمور لا أعرف كُنهها، وبعد أن أضعتُ هويتي وخفتُ كثيرًا أن تتسرب الأسماء من ذاكرتي قبل أن تخترق يدي أفئدتهم وتنتزع سكينتهم ولكنني في المقابل مسحتُ بيدي ما قضّ طُمأنينتهم واحتفظتُ بالأسماء ليومٍ ما! وحين حدقتُ في الشمس تساقطت الأسماء من على كتفي تباعًا، احتفظتُ بالخوف أعوامًا كثيرة ورأيتُه اليوم هامشًا عاش معي طويلا على أنه بطل الرواية! جاءت الشمس مصادفةً ولا أدري هل جاءت متأخرة أو في توقيتٍ سأشكرها عليه لاحقًا، لكنها اخترقت ثوابتي وصهرتها في لظاها وتركت المكان مهجور! ولأنها أحرقت أركان إيماني التي استندتُ عليها أعوام كان البرد أشد وكان الفراغ أبلغ. أقول -في لحظة ساكنة- الأسوأ من العمى، أن تبصر الأشياء بعدما اعتدت عليها في العُتمة. أو أن نبصر أمورًا كنا متخففين بدونها قبل أن نبصر وجودها! وتُدهشنا قدرتنا على حَمل كل هذه السذاجة في عقل واحد! -أو البراءة- جميعها تؤدي إلى ازدراء المرء لذاته! لكن المفارقة جاءت بعد الحديث بأيام؛ أن البصيرة أحيانًا تعرقل الطريق وتهدم الجدران التي نستخدمها في المسير.

حين تكشف الشمس النص المفقود من القصة، تكشف معه مخاوف جديدة، وفوضى جديدة، وتُعرفك على ألم جديد ومختلف؛ ألم رومانطيقي مصحوب بتهكم.. لكن في هذه المرة تُحدق باتجاه الحقيقة ما يجعل الأحداث منطقية، وتعيش أعوامًا تُعيد فيها تصنيف المواقف، والحكم على الأشخاص، ومعالجة الألم، وتقديس السكينة.

مرّ عامين منذ آخر تدوينة، عصفتْ الدُنيا حول خاصرتي ولم أكُن باللياقة التي تسمح لي بالتماهي مع تيّارها.. خلال ذلك، عرفتُ كثيرًا، عرفتُ شكل الأبواب المُرحبة، وعرفتُ الطُمأنينة على كتف ثابث، وعرفتُ شعور أن أحمي نفسي أولًا، وعرفتُ ألا أحاول إنقاذ من يستمتع بالغرق، وعرفتُ أن الأوقات تتأخر أحيانًا.. تتأخر حتى لو قال مطوري الذات “it is never too late” أحيانًا بلى. وعرفتُ أنني وبرغم هشاشتي أُجيد الوقوف أمام الشمس والتحديق فيها بدون أن يشعر أحد أنها تُذيب أركاني وأنني قادرة على إخفاء ارتجافة أقدامي.

وكتبت وولف أيضًا فيما معناه “الحياة ليست سلسلة من المصابيح المرتبة بتناسق” في حين تعتقد أن القصة اكتملت، ستجدّ تفصيلًا صغيرًا يُغيّر المعنى ويعيدك إلى “كان يا ما كان”.

مذكرات فيرجينيا وولف (مصدر الاقتباس)

تأملات

نصيب الأباء

كارتباط شَرطي؛ التقدم في العمر واستيعاب ما كان غير قابل للفهم. حدث قبل قليل وأنا أتناول شريحة توست بجبنة وزعتر وفي كل مرة أتذوق الزعتر أتساءل هل هو فعلا الزعتر الفلسطيني أو عبارة تسويقية فقط ولازال في الحياة زعترا ألذ وكوب شاي تفوح من بخاره رائحة أوراق النعناع وبيدي الأخرى أقلب صفحات “التكتوك” حتى بلغتُ مقطعا يقول صانعه أن والده كان يخبره أنه إن نجح فنفع النجاح من نصيبه وحده، وإن فشل فضرر فشله يقع عليه وحده. وكان على ذاكرتي أن تعود فورًا إلى الماضي لأن إلحاح والدي على نجاحي ما كان عاديا لتتخطاه ذاكرتي دون نقش، كان في وقت صفوه يحدثني عن أهمية العلم والشهادة بلغة حنونة وفي غضبه كانت كل أوامره أن أنصرف للدراسة والمذاكرة، وفي كل الأحوال كان يجد صمتي وامتثالي البارديْن ردًا على حرصه غير المبرر بالنسبة لابنته وقتها، حتى أني كنتُ أقارنه بأباء آخرين يتركون لبناتهم حرية اختيار ما يفعلن وقت فراغهن. لم يخبرني أبي أن نجاحي لنفسي رغم أن هذا ما حدث، كان يُصر ألا أفشل مع أنه يعلم يقينا أن فشلي على نفسي كما هو الحال مع النجاح، لكنه يحمي ما استطاع ابنته من احتمال الفشل وانعدام الخيارات، أذكر لما جاء قبولي الجامعي في التخصص الذي اخترته منذ طفولتي، عمل على إيجاد مقعد دراسي لي في تخصص وجامعة معروفيْن بسمعتهم الجيدة أيامها، وقابل تمسكي المستميت بتخصصي ورفضي للفرصة بتفهم أُدرك الآن كم كظم في نفسه من مخاوف عن المستقبل لخاطر “التربية الإيجابية”. ما أصعبها الأبوة حين تختار أن تزج براحتك في كيانات أخرى يفرحك ما يفرحها ويحزنك ما يحزنها ويهمك ما لا تبالي به حتى، كأنك تشد حبلا يعبرون من خلاله من فوق وادي لا يرى عتمة عمقه سواك وتراهم يتأرجحون من فوقه دون مبالاة بالوقوع، تشهدهم عينيك يخطون بأقدامهم الضعيفة تارة، ويعبرونه بأيديهم الرقيقة تارة، ويضربون عن المشي ثانين ركبهم حول الحبل ورؤسهم تتدلى إلى جوف الوادي تارة.. ويمضي العمر بينما تقف متفرجًا على أكثر مشاهد حياتك رعبًا.

يا لسوء حظ الأباء الجيدين حين يُرزَقون بأولاد لا يبصرون الحُب في ثنايا القلق.

تأملات

دُفناء الذاكرة

إنها منذ مدة تختبر ما وصفه محمود درويش في قصيدته “حفيف”: “أَسبح خارج ذاتي في ضوء بلا شمس بعد غفوة تشبه الصحوة، أو بعد صحوة تشبه الغفوة”

كانت تطمح لكتابة مقالة تشرح فيها كل هذا الزحام غير المنظم في داخلها، أن تُخبر بكل الذين بدأت تعترف بهم كشخصيات اعتبارية تعيش بداخلها، حتى أن رئيستها بالعمل سألتها مرةً عمن تُشير في عبارتها: جئنا! وأجابت: أنا ومشاعري وأفكاري، أتحبين أن أعرفك على مشاعري الحاضرين معي الآن؟ شجن وعاطف وأمل وحائر ونضال أما أفكاري فشخصيات سرية يتعذّر الإفصاح عن هوياتهم. لكنها في نفس الوقت تتجنب كشف حقيقة ما تشعر به، كأنها تحمي شعورها من أي حكم قليل التقدير مما سيفاقم الخط الفاصل افتراضيا بينها وبين الآخرين والذي تجاهد منذ أعوام لأن تجعله خفيا كجرّاح تجميل ماهر يُخفف من أثر قطب جُرح في جسد مريض لكنها مرة أخرى من آلاف المرات التي خشت أن تلحق بها الأحكام إن استخدمت الضمير المنفصل “أنا” قررت أن تستريح في ظل ضمير الغائب “هي” كما يحلو لها دائما وهذا الأمر يثير الضحك لأنها ستكتب في هذه المقالة عن خوفها من أن تدركها الحياة بينما في الواقع لا تفعل شيء عدا أن تستظل بضمير الغائب.

كانت قد قرأت قبل مدة للكاتب الألماني “إيريك ريمارك” عن أن ذاكرة الإنسان تشوه القصص التي حدثت له بالفعل فمثلا تضيف على القصة دورًا بطوليا أو تمنح الشخص دور الضحية، لذا، اختار أن يحكي قصته ليحتفظ الآخر بالنسخة الصحيحة من القصة عن النسخة المُحسنة في ذاكرة الكاتب ووصف عجز الذاكرة البشرية في جملة: “ذكرياتنا ليست تحفة عاجية معروضة في متحف محكم ضد الغبار. بل حيوان يعيش ويلتهم ويهضم.. إنها كالتنين في الأساطير، تلتهم نفسها لأنها الطريق الوحيد الذي تستطيع من خلاله الاستمرار.” وهذا ما دفعها للكتابة، خوفها من أن تصبح بعد كل هذا نسخة غير واقعية من ذاتها الحقيقية أو أن يتساقط كل الذين تركوا بداخلها شعورا ويظل وجدانها يسترجع أطياف الوجع كلما هبّ نسيم أو انتشر عطر أو أرهفت مسمعها إلى صوت ثم تأبى ذاكرتها على تفسير الشعور وفي أسوأ سيناريو أن تحكي قصتها وتضطر لتلطيفها حتى لا يصفها أحد بالمبالغة أو شديدة الحساسية.

هي، تتذكر الموتى بشكل دائم، كأنهم حين غادروا الحياة دُفنوا في ذاكرتها بدلًا من المقابر، تذكرهم في صفو مزاجها وتذكرهم وسط المحافل لكنها لن تخبرك أبدًا بذلك لأنهم في ذاكرتها أحياء أكثر مما كانوا أبدا وتخشى أن تبتذلهم شفقة ولا تستطيع معها منعا. حين تسمع رأيها عن الموت تشعر بأنها أكثر الذين آمنوا بالقضاء والقدر وقد يستفزك أسلوبها حين تتكلم بمنطقية عن أكثر الأمور المبهمة في الكون، لكن قوتها مؤخرًا تتداعى بشكل متقطع كأن مشاعرها تأذن بالانهيار وكأن دفاعاتها النفسية سدّ من حضارة قديمة، فقد تصف لك بأسلوب أدبي شكل الألم الذي تشعر به حتى يتهيأ لك بأنه تجذر فيها ونمت له أفرع في صدور المنصتين لحديثها ثم تختم حديثها ساخرة كأنها تنتزع الألم من جذوره كما ينتزع فلّاح من أرضه الفاسد من النباتات المغروسة.

يتبع…

تأملات

مقالاتي في الجزيرة الثقافية

أنا أحق بالتأريخ. (08 سبتمبر 2018)

http://www.al-jazirah.com/2018/20180908/cu6.htm

في أفضل حال.. وأنت؟ (نوفمبر 2015)

http://www.al-jazirah.com/culture/2015/28112015/nsuas42.htm

اسئلة لا تجد جوابًا (22 يناير 2021)

http://www.suhuf.net.sa/2021/20210122/cm19.htm

سؤال! (05 نوفمبر 2016)

http://www.al-jazirah.com/2016/20161105/cm8.htm

أزمهريري أشدّ أم هو. (26 نوفمبر 2016)

http://www.al-jazirah.com/2016/20161126/cm20.htm

ما لم أقله قبلًا! (16 فبراير 2019)

http://www.al-jazirah.com/2019/20190216/cm23.htm

ذاكرة الحنين (02 مارس 2019)

http://www.al-jazirah.com/2019/20190302/cm11.htm

حياة جديدة هانئة (13 يوليو 2019)

https://www.al-jazirah.com/2019/20190713/cu8.htm

ليلى (16 نوفمبر 2019)

https://www.al-jazirah.com/2019/20191116/cm8.htm

نمو عكسي (19 أكتوبر 2019)

https://www.al-jazirah.com/2019/20191019/cm4.htm

في طريق البحث عن معنى (22 أكتوبر 2021)

https://www.al-jazirah.com/2021/20211022/cm14.htm

منتصف الزمن (12 فبراير 2021)

https://www.al-jazirah.com/2021/20210212/cm25.htm

الخطأ: نية أم دافع (04 سبتمبر 2020)

https://www.al-jazirah.com/2020/20200904/cm25.htm

تأملات

عابر رصيف

هل أنت من الذين يطرأ في أذهانهم تساؤل: لماذا أبدو بالتبسّط الذي يجعل غريبًا يفشي لي سرًا؟ أنا فعلت.. مرارًا.

كان شيخًا من السودان الشقيق، يقف بمسافة عني بينما أنتظر السائق أن يصل إلى نقطة وقوفي، قال: أنا والله شهدت معنى دعاء المظلوم ليس بينه وبين الله حجاب.

نظرتُ إليه وعلى ملامحي تبدو علامة استفهام.. أكمل: تعرفين.. اسمك الكريم بالله عليكِ لأجل المخاطبة فقط.

ثم أكمل: تآمر عليّ مجموعة من باكستانيين مقيمين في عملي السابق، كنتُ أسمعهم بينما يُفرغون أكاذيبهم في آذان الجميع، لم يكن الأذى الذي لحق طردي من عملي نفسيًا فقط، طال استقرار عائلتي وتكاليف دراسة أولادي في جامعة الخرطوم.. كنت أصلي وأدعو عليهم تباعًا، كلنا نؤمن بعدالة المساءلة في الآخرة لكنني كنت أطمع بأن تشهد عيني عقابهم في الدنيا. تصدقين؟ الأول: أصيب بمرض تآكلت معه عظامه ويرقد حاليا في المستشفى.. أما الثاني فأكل الهم عقله، يُخبرني البعض بأنه صار موهومًا.. تعرفين معنى موهوم؟ يعني يتخيل أشياء غير موجودة وأحداث لم تحدث..

مرّت سيارة يقودها راكب أقرع الرأس، قمحي اللون.. برزت عينا محدثي وراح يهرول خلف السيارة ويلوح بيده القابضة على هاتفه المحمول علّ الراكب أن يراه.. ثم عاد إلى حيث المسافة الفاصلة بيننا وهو يلهث.. نظر باتجاه السيارة ثم رفع رأسه وابتسم مذهولا.. قال: هذا مسعود.. كان زميلي، لما يقارب ثلاثين شهرًا لم أسمع عنه ولم أره! ثم ألتقيه اليوم بينما أحكي لكِ قصتي معهم! الحياة هذه…

لم يكمل جملته، ردّ على هاتفه بسرعة وغيرت كلماته وجهتها إلى مسعود: أين شعرك يا مسعود؟ آه مبارك لك العُمرة والعقبى لنا.. كيف حال أكرم؟ لا حول ولا قوة إلا بالله، لماذا لا يعود إلى باكستان كي يموت بين أولاده؟ مال؟ ماذا يريد كهل تجاوز السبعين ومريض بمرض عضال  وأولاده كلهم أصحاب رؤوس أموال وبناته تزوجن بالمال؟

غاب صوته بينما ترجلتُ سيارتي.. فتحتً نافذتها ولوحتً له أن إلى اللقاء.. أجل من الممكن أن يكون إلى لقاءٍ.. ألم يلتقي هو بزميله بعد عامين وستة أشهر؟

مضت بي سيارتي إلى المنزل وأنا أقطع طرقاتها أفكر بهذا الشيخ الذي ما بردت نيران قهره حتى بعد أن شهد العقوبة بنفسه، كان يعتقد بأن العدالة نزلت كاملة، لكنه ما لبث أن أفصح عن حقده وهو متأكد بأن أكرم سيموت قريبًا.. كأن العدالة ستكتمل إذا مات أكرم.

وأي شكل من أشكال العقاب التي نحب أن تنزل على دماغ ظالمينا؟ في الحقيقة، لا أجد الموت عقابًا هو المصير المحقق، هل يعني بأن جميع الذي ماتوا معاقبون؟ بالتأكيد لا، لا طمأنينة تعادل طمأنينة الجسد المُسجّى في سكينة كأنه أخيرًا لمس الأرض التي خرج منها وتكون من ترابها وصار ثابتًا، كلما تفاقم شعوره بالجاذبية داخل تلك الحفرة العميقة المسماة قبر تفاقمت طمأنينة الروح، كأن الأرض بقطريها تحتضنه بدفء تاريخها في المجرة، كأنه أخيرًا يلقى ما أفنى سنينًا عجاف ينتظره ويتأهب لاستقباله، ثم أنه يعود إلى أصله، هذا العود الأبدي الذي نسي ميلان كونديرا أن يخبرنا عنه.

تأملات

القلب يحب مرة

رائحة الحنين لا تنتشر عبثًا، تنفض الذكرى وشاحه وينشر رائحته.. هذا المساء كانت فيه شادية تشدو على إحدى القنوات.. وتُقر بشجن “دا القلب يحب مرة.. ما يحبش مرتين..” شادية رفيقتي في أول عام جامعي.. أقطع الطريق في سيارة مشتركة مع ابنة عمي وثلاث أخريات من تخصصات مختلفة صيّرنا الوقت صديقات جيدات.

أماني تجلس بجانب النافذة وتمسك هاتفها النقال”الكشاف” أمامها في انتظار مكالمة والدتها وتضع أوراق الملزمة على ركبتيها وتهز ظهرها أمام وخلف ثم تغمض جفنيها وترفع رأسها تختبر ذاكرتها الدراسية. أما أحلام تجلس في المقعد الخلفي وتقضي الطريق تتأمل السيارات من خلف زجاج سيارتنا المعتم.. سحر تنحاز للمنتصف.. بيني وبين أماني تغطي وجهها وتغط في نوم عميق فإذا مال رأسها جهة اليسار يسنده كتف أماني وإذا مال جهة اليمين كان له كتفي.. وابنة عمي التي كانت تستغل هذا الطريق في مراجعة الدروس.. تنقذني باسئلتها وأنقذها باسئلتي وندلف إلى القاعة سوية لنواجه نفس الاسئلة ونجيب بنفس الاجابات ونحصل على درجات متطابقة.

فاروق باكستاني الجنسية قائد مركبتنا، بهيئة مُهيبة لكنه بقلب هشّ اكتشفناه حين انهارت أماني باكية لأننا تأخرنا عن الوصول وقد يفوتها امتحان مادة الشِعر مع البروفيسورة نوال.. كنا نهز فؤاد أماني على ركبتيْ الأمل والحِلم كما تهز ملازمها.. وقتها كانت جامعة الأميرة نورة لا تزال كُليات الرياض للبنات وفي موقع جغرافي مزدحم، أذكر حين ضرب فاروق بقبضته على مقود السيارة وصاح: فاروق غبي! وسط دهشتنا جميعًا ضحكت سحر أكثرنا شغبًا وضحكت أماني ولحقناهما.. نضحك بصوت جهور ونُسرّ القلق!

كانت لنا نقطة تجمع تسبق وصول فاروق بدقيقتين أو خمس في أقصى مدة تأخير قد يصلها، إلا في ظهيرة أحد الأيام الحارة التي تعطلت فيها مركبتنا وأمرنا بأن نتوجه إلى سيارة “تاج” وهو سيتكفل بوصف منازلنا له، كانت سيارة تاج تمتلئ بالبنات وزدناهم خمسة.. يعتلينا الحرج وقد حشرنا أجسادنا في ثلاثة مقاعد، كانت البنات لا يتوانين من إظهار استيائهن أما نحن فقضينا المشوار نتحدث بالأعين فقط من باب يا غريب كن أديب! حتى كشفت سحر عن مشاعرها قائلة: الله يعينكم يا بنات زحمة، احنا بس خمس بنات. ما استفزهن للتعبير.

كان لمجمع ركا الكائن بطريق الملك عبد الله نصيب من أيامنا الوردية التي يكون بمقدورنا فيها أن نتشارك وجبة غداء من مطعم شهير، يقف فاروق بالسيارة بعيدًا عن المجمع حتى لا يتطفل أحد على سيارة تعج بالبنات.. يُحضر لنا ما نطلب ويكون له نصيب يشاركنا لذة الأكل.. نتقاسم الأكل حتى نتذوق أشكالًا مختلفة من الوجبات.. ما إن نفرغ من الأكل حتى نبدأ بلعبة الاسماء.. كل واحدة منا تأتي باسم يبدأ بما انتهى الاسم السابق من حرف..

الأيام جعلت أماني المتحفظة تضحك بصوت عالٍ حتى تدمع عينيها، وأحلام الشاردة تشاركنا أفكارًا ظريفة تنسج منها سحر نكتة.. صرن “بنات المشوار” الملجأ المناسب لحلّ الازمات المادية والمعنوية.. وترك الطريق في ذاكرتنا الوجدانية مواقفًا نحتفظ بها لأيام مثل هذه.. اسألهن: هل القلب يحب مرة فقط فعلا؟

وتجيب سحر بثقة تفتقر إلى التجربة: لا. أما أحلام فتُسهب بإجابات طويلة لا تنتهي بحسم واضح بل تتركك دائمًا بين احتمال الموافقة والرفض. كانت شادية ترافقني ساعة الصبح الأولى قبل أن يصل فاروق إلى دارنا فأرسل رسالة إلى ابنة عمي بأن فاروق وصلني فتترقب وصولنا. بالنسبة لامتحان مادة الشِعر.. كان من حُسن حظ أماني أن الازدحام عرقل برفيسورة نوال كذلك.

تأملات

علاقة نسب

إن كان لك قريب مستيقظ في نقيض الحياة أي الموت فعليك أن تؤمن بأن بينك وبين الموت علاقة نسب يفترض بأنها جيدة، أي أن لا تُصاب بالذعر إذا ذُكر أمامك، أو في أبسط تقدير أن لا تستبعد زيارته لك.. إن أردت فاعمل على استقباله خير استقبال إذ سيكون من غير الجيد أن تذهب إلى هناك بكتاب فارغ من المحاسن! توصلتُ إلى هذه القناعة حين غادر عدد ليس بالهين على قلبي إلى الموت.. الأمر الذي جعلني أحاول أن أوطد علاقتي به بعد أن صار بيننا نسب وربطني به أحباب. في رحلة البحث الشيقة بتفاصيل تعطف على حزني على عكس ما يخزن دولابي الثقافي من مفاهيم مشوهة، أوقفني الهدف من البحث وسأعلك الجملة المستهلكة الآتية: “صفعني بحقيقة” أنني أرغب بأرض خصبة أعيش فيها مع الذين أحبهم.. لكن قائمة الذين أحبهم تتسع وتكبر.. وصلاتي الملحة دائمًا “للمؤمنين والمؤمنات” الذين أعرفهم والذين لا أعرفهم، المؤمنين بالله أيًا كان دينهم.. أنا أصلي لكل هؤلاء بأن ألتقيهم في الجنة، إن كنتُ أدعو لهم غيبًا فلم لا أحبهم الآن بينما أنعم بوجودهم؟ من الذي فرض التوتر علينا وقنن المحبة والابتسامة والسلام! من غير المنطقي أن أعبر من أمام إنسان يحتاج مساعدة دون أن أمد يدي له وأصلي بأن أجتمع معه في الجنة، لا أعتقد بأنه سيحبذ ملاقاة شخص مثلي في الجنة ومن البديهي أن يقول: عبء في الدنيا وعبء في الآخرة.. ما أتعسني!

لا أفعل شيء سوى محبة الساذج في الآخرين؛ البريء الذي تُغريه الضحكة وأذن تُصغي ما يقول، مخاطبة الصغير فيهم قبل أن ينبت الشرير بفعل عوامل الحياة التي مرت بهم ولا أعلم عنها وغالبًا لن تتاح لي الفرصة لمعرفتها. اليوم قلتُ لمراجعة تسألني عن مكانٍ ما بأن ابتسامتها عذبة. وسألتُ البائعة في محل زهور الريف عن أحوالها مما دعاها لأحاديث كثيرة اكتشفتُ معها روح الدعابة الذي تملكه وأخبرتها عن ذلك، وبعد أن خرجت كادت فتاة أن تُصيبني حين شرعت باب السيارة على حين غرة بينما كنت مقبلة نحوها، أطلت بعينيها المحاطة بخطوط الابتسامة الأمر الذي استجبتُ له فورًا وضحكنا سويًا حتى ما إن فرغنا اعتذرتْ هي وقبلتُ أنا ومضينا. كل الأشياء تدعو إلى الجمود.. المدنية تزيد دموية يوميًا، الأخبار تحصي أعداد ضحايا الكوارث، قتلى الإنسان الحضاري، وأثر المجاعات، وتعسف القوانين.. الخ كل هذا مدعاة إلى أن يتسع ظلك ويشمل ما استطاع إلى ذلك مساحةً، يتسع لإفشاء السلام.. لكي يشعر الآخر الذي تدعي له بالجنة بأنه مُرحّب في دنياك وسيُرحب به في أُخراك. أن يطمئن واحدنا للآخر قبل أن يُميت الفتور ما تبقى لدينا من ألفة، فمُحال أن يمشي أعزل في شارع مظلم دون أن يتصور بأن إنسانًا يشبهه على وشك أن يغدر به، هه! مؤشر خطير ينافي آمالنا وما نصلي من أجله.

الخلاصة: نحن الذين تدعو لهم بالجنة، اشملنا بإنسانيتك في الدنيا، لتكون بيننا وبينك علاقة أبدية جيدة إذا سبق واحدنا الآخر.

“كل هؤلاء المئات / الآلاف / الملايين من الأشخاص الذين تقع عيناك عليهم وقت ركوبك لوسائل المواصلات لثانية أو اثنتين ولا تراهم ثانيةً – إنهم بالتأكيد يفعلون أشياء أكثر أهمية من أن يكونوا مجرد كومبارسات يظهرون في حياتك !”  – أحمد صبري غباشي


تأملات

هدنة جبرية

هل يمكن أن يموت المرء مختنقًا بنفسه؟ أن يحبس أنفاسه ليبكي وتمضي الدقائق عند باب العين.. الحشد يتدافع والعين أصغر من أن تسمح لهم بالعبور مرة واحدة..

تمضي دقيقة..

ودقيقة..

ودقيقة..

ثم يشخص بصره بدلًا من أن يلين بدمعة! 

مثار للشفقة أن تحيا تُكابر على حاجاتك.. تكظم بكاؤك.. وتدس ذهنك في أنف المسؤولية.. ثم تموت مقيدًا بكل ذلك.. تموت دون أن يعلم أحد أنك كابدت. سيقول المقربون منك بأنك عشتَ قويًا باسلًا، أنك ما خضتَ معركةً إلا انتصرتَ فيها تاركًا للآخر لملمة الغنائم مع بقايا عزة نفسه؛ فنفسك أعز من أن تخرج بشيء كان في حوزة غيرها يومًا، لن يحكي أحدهم أنك انهزمت ألف مرة في الخفاء قبل أن تنتصر، أن دمعك المذروف أثناء ضحكك ما كان سوى يائس أراد أن يخرج حتى لو لم يكن الباب مناسبًا. 

وبالحديث عن المعارك، أعلم والعلم عند الله وحده أن أشد معاركنا ضراوة حين تكون الجبهة المقابلة ما تخزنه ذاكرتنا من مواقف مرّت السنون ولم تمرّ؛ حرب مُعلقة بهدنة جبرية لم يكن لك فيها يد، لك منها كل الأشياء التي شهدتها، الأشخاص.. المكان.. الشارع.. التوقيت.. هندامك.. وشعورك! ضراوتها في شعور الكرامة المسحولة على حين غرة منك.. أن تكون صاحب حق فيها وتخرج منها مغصوب حق المطالبة.. أن ترنو عينيك في اللاشيء رغم أن الشمس ساطعة لكن تبدو الحياة مُبهمة.. تتخدر مشاعرك، صوتك، ورغباتك. تعقد هدنة خلال الهدنة المفروضة عليك مع توقعاتك فتنخفض إلى مستوى قدميك، وفي كل معركة تتساءل مع فارسك الأخير قبل أن يخر صريعًا: ألم يأن آوان إشهار سيـ…؟ وقبل أن تكمل سؤالك يخر الفارس صريعًا ويُسبى حصانه.

وفي لحظة، لحظة لا تدري متى أوانها ولا ظروفها، في لحظة تكون فيها على شفا هاوية لا تنتهي إلى شيء.. ستعبر بك ذاكرتك إلى ذاك اليوم.. إلى الشارع القديم وإلى صورتك القديمة، إلى الذين شهدوا خيبتك، وستتأرجح قدميك الحاضرة بين التعب المعتّق وبين الخوف من المسقبل المتكوّم في الدقيقة التالية، تقف طويلًا تحسب عُمرك الإفتراضي في ثوانٍ برصد كل الخسائر المتوقعة وعلى نفس الغفلة يستيقظ فيك ما تم تخديره ويقطع بحدته الهدنة يواجه الذاكرة القديمة وينتصر! 

ينتصر.. لكنه يفرّ بعد انتصاره بعيدًا فيسقط مهزومًا أمام نفسه منتصرًا لضعفه ويبكي.. أخيرًا يبكي.

تأملات

دواعٍ كثيرة

مزعج الشعور الذي لا أجد له مبرر، الضجيج الذي يُربك هدأة قلبي على غفلة من نهاري العادي، ما الشيء الذي أفلت من ذاكرتي القديمة وأحدث هذه الفوضى..؟ أحاول أن أُعنونهم تباعًا علّي أمنح كل واحد منهم كفايته ليأخذ دورته كاملة في نفسي.. ثم يغادر تاركًا خطوط المستقبل في قاع فنجانه. ذاكرتنا القديمة؟ هممم مصطلح أدبي يُعطي شكلًا بلاغيًا للنص أكثر من ندوب مثلًا.. على اعتبار أن الندوب قد تعطي صاحبها صفة العطب بينما الذاكرة القديمة إيحاء للتخطي باختيار حين رُكنت! حسنًا لن أخوض كثيرًا في المصطلح الأنسب الذي يجمع دهشتنا من أنفسنا حين عشنا أكثر مما خمّنا أثناء مرورها وبين آثارها المتبقية في أزقة الروح الضيقة حيث غياب الضوء بصورة متقطعة، مشاكل ضواحيها أقوى من الصوت.. وأكثر تعقيدًا من البوح.. تحوي صورنا الحقيقية وتحفظ صدى اعترافاتنا المقموعة.. المبررات التي نكره من خلالها أولئك الذي يدعون محبتنا وندّعي تصديقهم، تحتفظ أيضًا بمحاولاتنا التي باءت بالفشل وعجز اللغة أمام بركان الوصف، تذكرتنا بجهلنا بذواتنا في لحظات الصفاء لكنها أيضًا اليدين التي تصفق لنا بحرارة مع كل إنجاز.. هه تُضيء ساعةً دون أن يلتمس كهربها! 

على فرض أن في العقل قبو يدفن فيه المرء انفعالاته.. رغباته وأفكاره التي إن نطق بها سيحكم عليه المجتمع بالنبذ حتى وإن كان المجتمع يتفق معها لكنها موجودة لتُضمر.. وفرض أن في الروح دهاليز وأزقة مُظلمة يطوي فيها المرء صوته وهزائمه وتُخفي عتمتها ما خطه الزمن على جدرانها، مَن هي الأنا الحقيقية؟ ومتى تظهر؟ إن لم تكن نتاج كل هذا؟ تبدو المفارقة مزعجة في العطوب التي تجعل من الفرد صالحًا رغم أنها خربته! يعني أن الخراب يُصلح اعوجاج ما! الفكرة لا تعجبني وتعجبني في نفس الوقت، لا تعجبني في أن الصلاح مُكلف وتعجبني في أن الخراب ليس سيئ بالضرورة.

في عامٍ من الأعوام لا أذكر متى بالضبط اكتشفتُ نوعًا جديدًا من العجز المُسبب للبكاء.. عجز لا يصدقه المُتلقي وحدك تشعر به.. وسأعترف دون ادعاء للتواضع أنني لا أدري سبب العجز فأحيانًا أُلصق التهمة بالوحدة وباتساق المرء مع ذاته ما يجعل الكلام عن أشياء تكدست أمر غير مجدي لأنه لو كان كذلك فلم اعتناق الصمت منذ البدء؟ لأن لا آوان لها؛ هي أشياء حدثت ولن يعلم عنها أحد نوع من أنواع الأقدار لن تفلح نظريات علم النفس التي تنادي بالكتابة وبالكلام معها.. حتى أنه يخيل إلي بأن فعل أي مما سبق قد يزيد العقدة كفتاة تحاول فك عقد سلسلتها الذهبية بينما ينتظرها الجميع في السيارة فصار لزامًا عليها أن تتنازل؛ إما أن تتخلى عن جزء من زينتها وتتركها وإما أن ترتديها بعقدتها على أمل أن لا يلحظها أحد وإما أن تفقد صوابها فتقطعها إلى نصفين لتكسب معركةً في حرب الندم المؤجل لحين عودتها إلى المنزل. آه كنت أكتب عن اكتشافي لنوع عجز جديد أو سأسميه دافع للبكاء! حين تنوي أن تُفصح.. أن تخبر أحدهم عن  كل الحياة الأخرى التي لا يعلم عنها أحد.. ستتفوه بما لا يقوى على أحد الشعور به، وحدك تفعل.. تفتح فاهك فتندفع الحروف مرة واحدة وبطريقة لا تعلمها تتبعثر وتصطف على هيئة غيرهيأتها الحقيقية وتقول أشياء ثانوية لا تشبه ما بداخلك في شيء والأدهى من ذلك أنك ببداهة تُبرر للكلمات المشوهة فتأخذ طابعًا حقيقيًا.. لكنه ينتهي بالبكاء! بكاء فحواه ليس هذا ما أردتُ قوله. وتجفف دمعك على مناديل مواساتهم التي تهز رأسك لها باستسلام!

في اعترافٍ غير مهم ولكنه غير مُسبق أيضًا.. رغم ثرثرتي وكتاباتي وعُلو صوتي واندفاعه.. رغم الأعوام التي سمعتُ فيها صديقاتي وتحدثتُ فيها مع طالباتي لم أقل يومًا عبارة: أعرفك.. غريب صحيح؟ أو ربما لا.. لكنني لم أفعل لا بالصدفة وإنما بقصدٍ محض، لا أجرؤ على أن أتفوه بكلمة كهذه، أتخيل صاحبها يسخر مني حين أقولها باختزال مبتذل لتاريخ الفرد الماثل أمامي أو لصوته الذي عبرته المواقف لتتشكل نبرته على هذا النحو الذي أسمعه، ورغم ذلك أزعم بأنها أكثر عبارة قيلت لي وأجزم بأنها ستقال كثيرًا ولأصدقكم الشعور، يعجبني سماعها.. تضعني في منطقة آمنة؛ منطقة مريحة لا أخشى فيها محاولات اقتحام دوائري، سيكون من دواعي سروري أن يعرفني الجميع كما أحب وأريد.. وسأكون دائمًا أرى فيهم ما يدعو للاكتشاف وللتأمل!

 

تأملات

عنفوان الصحة

تأتيني الفرص على طبقٍ من نحاس -درءًا للكذب- وأفوّتها خشية أن أفقد أمانيّ الحقيقية تباعًا، تأتيني وتعبر من أمامي لا من خلالي وأبقى أتأملها في منطقة اللاشعور، لا أنا السعيدة ولا البائسة، لا النادمة ولا المطمئنة، لكن قلبي ينقبض في مرورها وتلاشيها وأتساءل أأمانيّ تخونني إذا نظرتُ في غيرها، أم تُشفِّع فيني نُبل غايتي؟

أن تُشارف على الثلاثين وصُرَّة أحلامك الكبيرة فارغة، تُكيَّف الحُلم حسب الظرف الراهن فإذا بالظرف الراهن يستبّد ويفرض سُلطةً تبتر وريد الحياة وتمضي سنونك بجانبك تتأملها في رحيلها الأبدي تحمل معها رقمًا محسوب عليك لا لك..!

تمد لك الأشجار ظلالها الوارفة فتخشى أن تمكث طويلًا وصفصافك على ضفة النهر تذبل انتظارًا! لكنك على أية وسواس تمكث اقتناعًا بنظرية المحطات إذ لابد أن تأخذك محطة ما إلى حيث تصبو، لكن هل ستصل إليه في الموعد إذ أن آخر ما تودّه تأخيرأكثر مما أنت عليه الآن! في هذه المحطات ترى وجوه كثيرة تُشبهك باختلاف الوسيلة التي قادتهم إلى هنا، تتحدث إلى أفواه بيضاء ناشفة مُتشققة تُخبرك عن لذة الإستسلام المُرة، عن لونه الباهت، عن رائحته الصمّاء وعن حراشِف قشرته! بعد هذا الوصف المُميت يناصحوك لتستسلم: آن الأوان لكتفيك بأن يرتخيا.

آه سؤال جيّد: هل من المفترض أن ترتخي أكتافنا بعد ثباتها؟

نختنق بالتفاصيل التي لا نملك من أنفسنا حق البوح بها، الحقوق المدهوسة بفضل أشياء لا تستطيع معها بتغيير، لكنها الحالة العامة المفروضة ولأنها مفروضة فلا سبيل لك معها سوى التسليم، ما الفرق الآن بين الاستسلام والتسليم؟ التسليم أن تعيش في حدود الممنوح مذعنًا لقوانين غير منطقية، أما الإستسلام يعني أن تعيش في حدود الممنوح مذعن لقوانين غير منطقية. 

الإذعان معضلتنا التي نحاول عبثا أن نتأقلم معها، في أيام الصفو نُصفق للتكيُّف ولقوانا المُبهرة التي أثبتت صلابة مفاصلها ولم تركع خنوعًا وحين تقترب عجلة الامتحان، وتطأ جزءًا منا.. نعيش مُدنفين تحت سياط عقارب الوقت الحادة، ونشعر بالعجلة تسحق ما بين أضلاعنا فلا نحن الذين تقيأنا الوجع بالصراخ ولا نحن الذين احتملنا مرور الهواء ليكهرب ضيق الحيز المتبقي وبالكاد يصل الرئتين.

تقول صديقتي: الزواج هو الحل، دوامة الزوج والطفل لا عقل معها.

يعني أن الزواج اختيار وارد في بناء الذات عن طريق هدمها أو تذويبها في شخصيات أخرى ثم تستبدل كتابك المفضل أبدًا بكتاب الرجال من المريخ والنساء من الزهرة”، لكنك لستِ من الزهرة أنتِ لم تعودي موجودة على الخارطة الإفتراضية في تحقيق النفس” وتعزيز الطموح، ثم تُعيدين دورة حياتك المُفرغة إلا من ماضي المحاولات غير المكتملة في كائن جديد لا ذنب له سوى أن والدته أرهقها النحت في صخر المستقبل فأنجبته! طرأ لي الآن أن أسميها دورة مجتمع غير صحي!

  • أنتِ تُفاقمين الأمر بفرط التفكير.

أضحك وأتذكر سِرًا مقالة صافيناز كاظم التي لم تنشر أبدًا: “تفسير أحوال عدم القدرة على الكتابة بعرض عينة بينة” حين سمّت التمحيص في الأمور بمرض عنفوان الصحة. فعلًا أنا مصابة بعنفوان الصحة ولا أخجل من تشخيصي بهذا المرض ولو أن الإمتناع عن الشفاء منه مُكلف كثيرًا لكنني سأحرص أن أورثه لأولادي أيضًا.  يتعبنا الجهل، هل نحن مسلمين راضين، أم مُدعين نُمنّي النفس بانقضاء مرحلة هي الحياة. أنا التي تُداوي الأيام بدندنة: مالي.. وأنا مالي وأنا مالي؟ (أضحك) من لي إن لم تكن أنا؟

Scroll to Top