هوامش

هوامش

الحراك الأدبي والأقلام الناشئة

كنتُ قد كتبتُ هذه المقالة سابقا عن #مسابقة_الإبداع_الأدبي هيئة الأدب والنشر والترجمة التي توجّه خطابها “التويتري” منذ أيام لطلبة الجامعة الموهبين والمهتمين بالفنون الأدبية، ومحاولاتهم الحثيثة لاحتضان المواهب الناشئة. وفي كل مرة يُغرد الحساب أتصفح التعليقات والرابط وأشعر بشيء غريب جدا أعجز عن تفسيره وتجاوزه، أشعر بالزمن، أشعر بالحنين، وأشعر أن هذه الروابط تجسيد لأحلامي وأمنياتي قبل عشرة سنوات. في ٢٠١٢ وكنتُ قد بلغتُ من الشهرة مبلغًا لا بأس به في قسمي “الأدب الانجليزي” لأنني من الذين تجاوزوا عام تخرجهم المتوقع، شاركت وقتذاك من باب التجربة فقط التي لا أطمح من وراءها إلى أي امتياز في مسابقة أقامها “مشروع كلمة الإماراتي” عبارة عن ترجمة اقتباس أدبي وكان الإقتباس لـ T.S Eliot. فازت مشاركتي، واحتفى بي قسمي حيث طُبعت الترجمة وتهنئة الفوز وعُلقت على جدارية الإعلانات الخاصة بالقسم، فعلت ذلك مسؤولة الشؤون الإدارية الاستاذة خلود الفضل، وبعد أسبوعين نادتني عند اللوحة وسألتني: “هاه يا هيا أنتِ كذا رضيتي وأنبسطتي؟ نقدر نشيلها الآن؟” كانت سعادتي مضاعفة لأنني وجدت قناة متخصصة في النشر متاحة للتواصل وعرضت عليهم رغبتي في ترجمة الرواية التي إلى الآن أجدها من أروع ما قرأت في تناول تاريخ المرأة الإنجليزية في ذلك الوقت الذي كتب فيها “جورج غيسنيق” روايته لكن خط التواصل انقطع كخطوط كثيرة لا تصل. المهم، أني ترجمت جزءا وبعض فصول من الرواية ثم توقفت، لأني كنت أعرف جيدا مآل المحاولة، وحاولت اليوم بكل جهودي أن أصل إلى نسخ الترجمات والقصص الكثيرة غير المكتملة في حاسوبي لكن للأسف باءت كل المحاولات التي استمرت لأيام بالفشل. كان آخر حلولي هو أن أبحث في بريدي الإلكتروني، ووجدت لغة الطلب الخجلى واختلطت مشاعري، خاصة وأنا أرى الهيئة تهب اهتمامها للراغبين وتفتح ذراعيها لتبني المحاولات بينما في زمنٍ ما كان العكس. متأكدة أن المتابع للحراك الأدبي سيقول: توجد فرص أكثر متاحة للكُتاب المهتمين، صحيح أتفق، لكن الجرأة في النشر تقل مع تقادم الزمن مثلها مثل الشجاعة تتراجع كلما تقدمنا في العمر وهذا موضوع آخر -الحنين للشخص الجسور فينا- وهذا سبب حماستي وتشجيعي للصغار ممن يرون في أنفسهم أدباءً، اقفزوا القفزة الأولى في عمر مبكر وسوف تتعاقب محاولات القفز المتكررة دون الخوف من السقوط. مرروا هذه الفرص لكل طلبة الجامعة الذين تعرفون، قد يكون فيهم المهتم على استحياء.. انشروا الفرص لأنها كبيرة وفي وقتٍ ما كانت مجرد أمانٍ وأحلام.. انشروها طالما هي متاحة الآن! *ملاحظة: عنوان حسابي في تويتر اختلف، العنوان في الصورة قديم. رابط مسابقة الإبداع الأدبي: https://lnkd.in/e24THvEN

هوامش

شهية الكتابة

يبدو أننا عندما نكبر نحرر الآخرين من توقعاتنا وأحكامنا ونقيّد بها أنفسنا بدلا من إتلاف القيود وهدر الموارد حتى وإن كان موردًا فاسدا. اعتدتُ سابقًا على الكتابة بجميع أشكالها؛ الوجدانية، والثقافية وأكثر منهما تدوين ما يجري خلال اليوم. تعاقبت الأيام بعد أول تقاعس وأنبتَ التقاعس آخرين وكبرنا معًا مجتمع غير حيوي يحث أحدنا الآخر على فعل اللاشيء ومراقبة ما يجري، حتى أننا لفرط ما احترفنا وحّدنا ردودنا على كل الذين يقرعون أبواب الاجتهاد فينا على أمل أن يجدوا من يرد عليهم. كنت أظن -على اعتبار أنني ابنة امرأة رسامة وكاتبة سحلت التزامات الحياة موهبتها، ورجل رسّام تشكيلي هاوٍ- أن الهواية تتلاشى مع الزمن وتضمر عضلاتها، لكنها لا تفعل! ليس فقط بدليل أن والدي عاد يمارس الرسم بعد تقاعده من وظيفته، لكن لأنني أجد نفسي أحيان كثير مرغمة على الكتابة كأنني على وشك أن أتقيأ وجداني! وكنت وقتها قد أدركت أننا -الكتابة وأنا- وجهين لنفس العملة أو هي وجهي الآخر الذي أخفي هويته أحيانًا وأنكر وجوده أحيانا ورغم هذا إلا أنها ما انفكتْ يوما تفرض علي كينونتها حتى بات يؤرقني هذا الوجود وحلت المسؤولية محل الهواية! وقررتْ أخيرًا، أن أمرر كل الكلمات التي لا أمانع تمريرها إلى صفحات المدونة، أن أحرر كل الكلمات العالقة في يدي. صحيح، كنت سابقا وتحديدا قبل أربعة أعوام وضعت لنفسي هدفًا أن أكتب! ومرّ عام كامل دون أن أكتب كلمة! 

تقول رضوى عاشور رحمها الله “الكتابة تأتي من تلقاء نفسها فلا يتعيّن عليّ سوى أن أقول مرحبًا وأفسح لها المكان” وعلى عكس رضوى لم تكن الكتابة تأتي وفقا لرغباتي كانت تفرض نفسها في أكثر الأوقات التي يثقل علي فيها كتابة نصّ. 

غالبًا، ستأخذ كتاباتي في هذه المدونة بهيجة الشكل وسلسة الاستخدام طابع التأملات اليومية البسيطة أو ربما أيا كان منعا للتقييد الذي ذكرته آنفا.

“أكتب، لأنني أحب الكتابة وأحب الكتابة، لأن الحياة تستوقفني، تُدهشني، تشغلني، تستوعبني، تُربكني وتُخيفني وأنا مولعةٌ بهـا” رضوى عاشور.

هوامش

عنوان بيتنا

Blurred Yellow School Bus On A Country Road In Autumn" by ...

اعتدتُ فيما مضى أن أصف مكان منزلنا في جملة واحدة: “ثاني لفة بعد المطعم يمين” ولم يحدث أن تاه القاصدون إلينا مع هذا الوصف البسيط حتى أن زميلتي في الحافلة في السنة الثانية من الجامعة كانت كلما شارفنا على سلك طريق بيتنا تقول بصوتها الجهور: “بيت هيا ثاني لفة بعد المطعم يمين.. خلاص حفظناه” بقيت هذه الصفة تميز منزلنا الصغير العادي المشابه لبيوت كثيرة عنوانه قصير والوصول إليه يسير حتى اكتشفت اليوم بالصدفة وأنا في طريقي عائدة من العمل أن موقع بيتنا تغيرّ! ولم يعد ثاني لفة بعد المطعم يمين! أدرتُ جسدي من على المقعد أحاول أن أرى بعد أي لفة انعطفنا لأكتشفت أن منزلنا صار محاطًا بالكثير من البيوت التقليدية، وأن الطريق الرئيسي المؤدي إلى بيتنا صار خدمة وأن الكثير من المحلات التجارية قد شُيدت حتى انصهرت بقعة منزلنا المميزة وصار موقعا عاديا يشبه موقع بيت زميلتي ذات الصوت الجهوري وبدأت تمطر الملاحظات التي لم ألقي لها بالا في السابق، صار المسجد الصغير جامعًا، والطريق الترابي اسفلت وباتت حركة المرور صعبة بعد أعوام من جهادنا في البحث عن وسيلة توصلني إلى الجامعة مما اضطر والدي لأشهر بأن يستأذن من عمله ويقطع المسافة من وسط المدينة إلى آخرها ثم يعود مرةً أخرى إلى عمله ويعود إلى البيت متأخرًا يعوّض الوقت الذي استغرقه في مشواري لانعدام وسائل النقل في حينا الترابي آنذاك! وابتسمتْ لفكرة لو أن زميلتي مرّت من طريق بيتنا ستحظى بنفس الدهشة وستذكر مكان بيتنا القديم بخير قبل أن تسرق خرائط قوقل الوقت لأن ندرك أن الكثير من الوقت مضى وأن الكثير من الأشياء لم تعد صالحة للاستخدام. 

يمكن مستقبلا أفكر أوثق هذه الأوقات التي قضيناها في الطريق وكانت ممتلئة بالحياة كأنها حياة في وسط حياة.

هوامش

ذكرى يوم ميلاد

أثناء شرح مشهد هروب أوفيليا في مسرحية هاملت، توقفت دكتورة المادة وسألت: واي آر يو ذات هابي هيا؟ وأجبت من بين ثنايا ابتساماتي التي وزعتها خلال المحاضرة: آم أولويز هابي! ولعل إجابتي أصابت في طياتها دكتورة المادة بالعدوى فضحكت وقالت: قولي الحمد لله. كان العام وقتها 2009 لكنه لم يكن مشهدًا عابرًا يحدث في عام فتتركه في ذاك العام وتكبر أنت وأبطاله ويصغر هو، لا، كان مشهدًا حيْ في طيْ مشهد يوضح دوافع ما كتبه شكسبير في القرن السابع عشر من الميلاد. هل مرّك برطمان زجاج صغير يحوي مجموعة إضاءات صغيرة يضيء في العتمة بطريقة لطيفة تبعث على الابتسامة، لا هو المتكلف ولا هو الذي منع العتمة لكنه يشع أينما نظرت من خلال تلك العتمة، هذه الذكرى أشبه بهذا البرطمان المضيء في ذاكرتي خلال الأعوام وأرجو أن يحتفظ بضيائه بقدر ما كافحت صداقتي بـ”منى” رفيقة مقاعد الجامعة التي فضحت بضحكاتها سخريتنا المخبأة فيما نظن عن أبطال المسرحية لو كانوا بيننا وقتذاك – بصرف النظر عن الزمن الذي عضّ طرف ثوبه وعجّل حتى خرجت أوفيليا من مشهد مسرحية في القرن السابع عشر لشوارع القرن الواحد والعشرين-.

أتذكر المشهد من محاضرة المسرحية لأنه تحول إلى طوق نجاة في الأيام الضبابية، رغم أن ردي على معلمة المادة ما كان سوى عبارة اعتباطية أداري بها شغبي إلا أنها مع الوقت تحولت إلى نسيج يقي وجداني من زمهرير مُر الحياة إلى أن تعود مواسم الربيع..

حين يمضي عام، نعرف ذلك بتواريخ اجتهد السابقون في وضعها لنؤرشف بين درفاتها أعمارنا، فتعرف أن عامًا مضى عند كل رأس سنة، وتعرف أن عامًا مضى حين يرى الراؤون هلال العيد، وتعرفه أيضا مع كل تاريخ يرتبط بحدث لا تتجاوزه عاطفتك، وتعرف أن عامًا جديدًا بدأ في ذكرى يوم ميلادك حين قررتْ أول مرة أن تجازف بحياتك وتختنق بأكسجين الحياة.. ثم تبكي! حيث كان بكاؤك الأول هو أعذب البكاءات وأكثرها ترقبًا، أما بقية أحزانك اللاحقة لهذا البكاء ستقابلها عبارات كثيرة مثل: “خلاص كبرت”، كأنك تبكي أول مرة ثم تراقب مراحل رفض بكائك إلا أن تختصه لنفسك.

جئتُ هنا لأوثق ابتساماتي التي وزعتها اليوم، تشبه ابتساماتي تلك التي كتبت عنها أعلى المنشور، حين اقترب منتصف الليل الذي يُشير إلى خط نهاية وبداية يوم -تخيل رقم فيْصل بين يومين أحدهم يأخذ منك فرصة وآخر يمنحك إياها- تحركت ستائر الحجرة تدفعها نسمة ليل باردة وهادئة، وعلى غير عادتي في كل عيد ميلاد أشعر بهدوء وأقرر أن أقضي أول ساعتين في تأمل السماء حالكة السواد في الخارج ووضاءة في روحي بينما أستمتع بمشروب ساخن- ضحكت رغم أن لا شيء مُطلقا يحرض على الضحك لكنها دهشتي بأفكار كثيرة تتدافع عند بوابة الشعور ومشاهدًا بالكاد تتذكرها كأنها صور من ألبوم قديم حين كنت تقاوم وتحاول أن تبلغ بأطراف أناملك أطراف النجاة، لم يطرأ في تصورك على الإطلاق شكلًا آخر لشكلك القديم.. وحين كبرت وتمددت أجزاؤك وغطت التجربة هيكل دواخلك الهزيل.. ظلّت الصورة عالقة وبقي الجزء الهش مصاحبًا لكل ذكرى ميلاد كأنها لوحة يرسمها الزمن وهو كل جماهير اللوحة.

أمنياتي كثيرة وأخجل أن أطلب الله لفرط كرمه معي، ولكنني مملؤءة برجاء دائم أن يعاملني برحمته لا باجتهادي.. يا رب أعوام من الحفظ والقوة والغِنى والعطاء والحُب.. أعوام مليئة بالطمأنينة والرضا والفخر.. أعوام يصاحبني فيها اليقين وتقترن بي القوة والرحمة والسلام.

هوامش

حين خضتُ الاكتئاب عامًا

إفصاح: لكل حكاية نتيجتها ونهايتها، قد تفتح حكايات نافذة أمل لآخر لكنها نافذة مُحتملة فقط، المهم أن نحاول أن ننقذ أرواحنا من منعطفات الطريق الكثيرة، ونقاوم….

بدأت الحكاية في عام 2020م كأن العام ينقصه انتفاضة فرد فوق انتفاضاته الكثيرة، وباء عالمي، والسُكان يتساقطون في موتٍ جمعي و2020 تضعف مناعتها في شعورٍ بأنه غير مرحب بها، ومناعاتنا يخترقها فايروس، لا أنكر – بطبيعة التحول الذي سيطر على العام وكأننا نزلنا من منزلق حاد في لعبة “قطار الموت” وقضينا العام في صعود بطيء لمرفأ البداية والنهاية- أنه أصابني يأس في أيامٍ كثيرة مما يجري، وأنني استيقظت من نومي ليالٍ كثيرة أتفقد صوت تنفسي. وإضافةً إلى أنني شخصية تتجنب لمس الأشياء في الأماكن العامة، زاد الحرص أضعاف وفي تعبير من صديقة: “هيا في قمة سعادتها، كأنها ما صدقت علشان محد يقول إنها موسوسة” وقد صدقتْ فيما قالت، لكنها نسيت أن يمارس المرء مخاوفه في وسط جو آمن ليس كمن يمارس مخاوفه في جو يهدد بالموت من عدو لا يُرى، أن تتجنب ما لا تراه وتسخر من نفسك في خفاء: ماذا لو كان الفايروس يستريح على ملابسك وأن تظنه على مقبض باب السيارة. يبدو الاكتئاب وقتها جمعيًا، الجو باعث على الكآبة، والأفئدة ضيقة في كل مكان، الجو العام يخلو من الطموحات، والناس بدأت تسخر من قوائم أهدافها السنوية، الأفراح تأجلت والأفواه لا تلوك سوى التحذيرات. وقتذاك كان مستحيلًا أن يشعر المرء بالاكتئاب ويقول بأنه اكتئاب، ضاعت هويته وسط كل ذاك الزخم من الهم.

في آخر العام، ومع كل أهازيج الفرج، الأحضان بين أولئك الذين انقطع بينهم الوصل ووصلوا، الأفراح التي جاءت كثيرة من بعد أشهر من الظمأ، الإنجازات التي يُحتفى بولادتها من خاصرة الأزمة العالمية، كان يشغلني سؤال واحد فقط: لماذا كل هذا الحزن؟ بلغ الأمر أن أبكي كلما قضيتُ الليلة وحيدة، لم يكن بكاءً مُرفّهًا، كنت أشعر بأن ألمًا في صدري ضعيف البنية ويجهل نسبه، ألم تائه بلا سبب يُمكنني من احتوائه، كأنني أراه ولا أملك خيار التعامل معه، بعيد جدًا. كل القصص التي أسمعها تُثير قنواتي الدمعية رغم أنني من الأشخاص عصيي الدمع! الموسيقى، الدراما التلفزيونية والدراما الواقعية، مواقع التواصل الاجتماعي مكان عملي، كلها أشياء تثير رغبتي في الانطواء. بدأ الماضي يسيطر على حاضري، ولأول مرة في حياتي أشعر بأنني وحيدة! وضاعف الشعور دعوات اللقاء من الأصدقاء والمعارف، فكان البكاء على شعور الوحدة وعلى إدراك أنني لستُ وحيدة! أذكر أنني مرةً في بكاء قضى على طاقتي سألت نفسي: “ليش أحس أني وحيدة وأنا مو وحيدة؟” لم يكن كل هذا الألم مرئيا أو واضحًا، فكنتُ أحتفل مع المقربين بإنجازاتهم وأدير ظهري في نفس اللحظة في حزن معتم كأن أحدهم قابض على قلبي كل تلك الفترة. وبدأت تراودني أفكار معتمة عمن أحبهم، وأختلق أسبابًا لاطمأن عليهم دون أن يكون هذا الوهم همًا مضافًا لما يعانوه إثر الجائحة، وحين التقيتُ بصديقات وكنت أقصّ عليهن كيف تحولتُ لشخصية حساسة يثير بكاءها ما يثير البكاء وما لا يفعل، قالت صديقة: “عين!” في تعبير بسيط أن كل ما قصصته لا يشبه شخصيتي. جاء العام الجديد 2021م، دخول العام كان حدثًا مُرهقًا كزائر يأتي على غفلة، حملتُ هاتفي والتقطتُ صورة لمكاني الذي ما برحته وقتًا في بكاء مرير، ونويتُ أن أتطفل على الماضي في المستقبل، وتمنيت أن أكون وقتها قد تخلصتُ من أحزاني، وعرفتُ أسباب كآبتي، ولأصل لهذه النتيجة اتخذت قرارًا أن أنهي هذا البؤس، وإن كان لابد منه فسأضع له حدًا، هذا البكاء المتكرر بدأ يجهدني، والحزن يتغذى علي إلى درجة أني فكرت في أن أترك عملي.

سجلت في تطبيق “أمريكي الجنسية” للاستشارات النفسية، كان مهما بالنسبة لي ألا أتواصل مع من يتحدثون لغتي، ألا يخبرني أحدهم عن الوازع الديني وألا يكون اسمي في ذاكرته لأي سبب، كان هذا التطبيق (رغم أنه مكلف ماديا) سخيًا معي، حيث يمنح المستخدم مجالا لتغيير الطبيب إذا ما انسجمت أفكارنا، أذكر أنني قضيت أسبوعًا أبدّل الأطباء تباعًا، رغم أني كنت صادقة في كل ما قصصته لكن سؤالًا واحدًا (تافهًا في نظري) لم يستطع أحدهم من الإجابة عليه: why do I feel sorrow? كانت تأتيني الإجابة نفسها: هذا السؤال “وحدك يمكن الإجابة عليه”. وفي كل مرة أُحبط من ظهور هذه العبارة على شاشتي: لو كنت أعلم أسباب تعاستي لما تكبدت البحث للوصول إلى هنا.

وحين كانت معاناتي وأحزاني عصية على أمريكا، فكرتُ فيما لو كانت المشكلة أنني لا أعرف كيف أتعامل مع الحياة بعد كل هذه الأعوام، وكان الحل “مدرب حياة” وتكبدت مبلغا ماليًا آخر لحجز موعد مع مدربة حياة وهذه المرة كانت محلية، لأسمع ما تقترحه علي، أنا التي ما آمنت أن للحياة مدرب، أخذني الحزن المحيّر إلى هناك، لا أنسى تعبيرها عن سعادتها بمعرفتها لشخصي المكتئب وقتها وقالت آخر الجلسة: “هيا ودي أصير صديقتك، أنتِ من الأشخاص النادرين.” خرجتُ أجتر الحزن والإحباط مجددًا، وأبكي، ليس لحاجة، لأن الطريق في السيارة بات وقتًا أملأه بالبكاء، سجلتُ في دورات تدريبية عن الحياة، عن الفرح، عن تنمية الذات، تكدس سجل قوقل الخاص بي بدورات تدريبية أحضرها لأسخر من محتواها، تحولت إلى فيلسوفة وجودية، واعتزلت الخوض في الكلام مع أحد وحساباتي في مواقع التواصل الاجتماعي، أصبحتُ أخاف من أتفوه بفكرة يتبناها من يجهل دوافع أفكاري وقتذاك، خسرتُ وزنًا كلفني أيمان كثيرة بأنني لا أتبع نظامًا غذائيًا، وفي وسط كل هذا الشتات قررت ألا أخسر جسدي ونفسيتي معًا، ليخرج أحدهما سليمًا من هذه المعارك الباردة، أن أعيش العمر بانتصار واحد على الأقل إن كان لابد من الحياة.

قالت طبيبة الأسرة الطيبة: تعالي بكرة يا هيا تكون التحاليل طلعت.

وجاء بي الغد إلى باب العيادة، وفتحت حاسوبها تكتب بخفة حروف اسمي، ثم اتسعت عينيها ونظرت باتجاهي: هيا! أنتِ عارفة أن فيتامين دال منخفض انخفاض حاد جدًا عندك!!!

جاءت عبارتها بردا وسلامًا، بددت بكلماتها ظُلمات كثيرة، أسفرت عن سعادة كنتُ أتشوق أن أضمها بين أضلعي منذ ما يقارب العام: الحمد لله!!!

بعد أن أخبرتها عن سبب سعادتي بما قالته، أجبرتني على تحاليل أخرى تبين من خلالها أن فيتامين ب12 منخفض مما قد يتسبب بأفكار سوداوية للفرد، ويكثر الشرود، والكسل، وفقدان الشهية… الخ.

خانتني صحتي، وتدهورت في ظروف استثنائية واختلط الواقع العام بالشخصي، فصار جُل تفكيري في أثر الازمة على العالم ونسيتُ بأنني جزء من هذا العالم وبأن الجائحة ليست سبب كل شيء لو كانت الأسوأ.

بالنسبة لعرض مدربة الحياة بأن نكون صديقات، لم أفعل. خشيتُ على رأيها فيْ من شخصيتي بعد أن يتجاوز جسدي أوهانه.

هوامش

قرار حظر التجول

This image has an empty alt attribute; its file name is 48234-e1586630476482.jpg

راودتني فكرة أن أكتب تقرير عن هذه الأيام التي تعبر الزمن بينما نحن محتجزين في منازلنا، منازلنا التي ولأول مرة نختبر الشبه بيننا وبينها، ولأول مرة نشعر أن أجسادنا عالقة على أرائك لا تناسبها! كنتُ أحاول أن أنتهي من كتابة تقرير الأسبوع الرابع من العمل عن بُعد وأتساءل إن كنا قادرين على إنجاز كل هذا وأطراف المعنيين مترامية فعلام تغص مدينتنا الترابية بمبانٍ خرسانية أكثر مما تفعل شجرة.

حظيتُ بأسبوع عمل ميداني وشهدتُ مدينتي المكتظة دائمًا وهي تودع أولادها تدريجيًا، تذكرتُ فكرةً ألقيتها قبل عامين في أذن فنانة تشكيلية، فكرة كانت تراود خاطري وتؤلمه بشكل غامض، بأن ترسم المدينة خالية، أن ترسم لوحات الدكاكين ومواقفها برمادية، وأن تترك لوحة صفراء لدكان قديم صغير، صار هذا الدكان القديم أغلى ثمنًا من أغلى علامة تجارية وبات الشعور الغامض واضحًا، يرسم بخناجره على سور محبتك لأرضك، ولا يكتفي بحدود مدينتك، يسحب على بساط الخوف شُرفتك التي وقفتَ بها طويلًا في مدينة أخرى من مدن أرضك، وتتذكر سواحلها التي يغطيها البحر مدًا وجزرًا كأنما يمتد إلى فؤادك ويصيب بملوحته شؤونًا داخلية.

انتهي اسبوعي بقرار جمعتُ فيه كل أوراقي وملفاتي التي لا تزال تحت الاجراء، كان باب مكتب مديرتي مفتوحًا، لوحتُ له مودعة وسألتُ إن ما كانت تحتاج لأي شيء، لكنها أجابت: الله يعين! من الغريب أن نُجبر على فعل كهذا وتراودنا رغبة في عدم التنفيذ كنوع من إنكار الحدث أو تفاؤل.. ربما! وأنا التي قبل فرض الحظر كنتُ أنوي التقديم على إجازة سنوية! ما أن اشتكت أرضي ألمًا حتى صار التوقف عن العمل فيها مؤلمًا! كأن تربتها التي فينا اشتكت وتألمت! كنتُ أتأمل بهو الخروج خاوٍ على عروشهِ، نحن الوباء الذي يجب أن ينحسر حتى لا تفقد الأرض كل إمكانيات العيش فيها، نحن الوباء الذي حمل حقائبه واختفى من على السطح!

تحكي لي زميلتي عن شكل الحياة في سن التقاعد، وأخبرها عن شكل الحياة الحقيقي الذي نفر منه صباحًا إلى العمل ومساءً بالنوم، وأعلم بيقين عن أشكال كثيرة للحياة تراود رؤسًا أخرى متأملة، غابت الظروف التي غيّبت معظمنا عن أهله ليكتشف بأنهم أغراب من البداية وعليه أن يألف العيش معهم كأنه ما أمضى أعوامًا يفعل ذلك بطريقة آلية. مؤسف، أن تضطر لمواجهة واقعك الذي جاملتَ فيه عمرك القصير، وإن فكرتَ للهرب منه سيقتلك ميكروب لا يُرى. لا يمكن أن تختار هذه المواجهة لو لم يجبرك عليه جُرح ينزف في أرضك، شفاؤه في أن تضمد جراح حياتك التي ما انفكت تنزف بعد كل مرة تُنكأ من مكان تخثرها!

أستريح في غرفتي التي أحبها وأشرع نوافذها المُطلة على فناء السطح لتستريح نسائم الليل الكئيب بالداخل، أحسبُ ميزانية مشروع، أكتب تقرير، وأتصفح البريد الالكتروني، أرسل رسائلًا تخص العمل في وقت متأخر من اليوم أو مبكر، لكنه وقت يقع بين شدة الوقوع في النوم وبين اقتراب ساعة العمل، واتساءل عن التوقيت السيئ! وأتذكر كلامًا قرأته على إحدى منصات التواصل الاجتماعي عن زوجين قطعا أميالًا لأسبوعين عسل، ووقعا في الحظر ليكتشفا بعضهما كَرهًا! أنعتبره أسوأ توقيت لأن المعرفة جاءت في غير مكانها، أم يُعد توقيت جيد يختصر أعوام التجاهل التي يعيش تحت وطأة زوالها آخرين! ثم نقول عن ميكروب بأنه وباء! يبدو أننا مصنع أوبئة خاملة تفاعلت مع بعضها حين أعلنت الأرض أنها ما عادت قادرة على حضانة كل هذه الميكروبات.

هوامش

كتبي خلال عام 2018

لطالما وددتُ أن أوثق حصيلة معرفتي من القراءة في مدونتي، أولًا كمرجع لذاكرتي الإنتقائية وثانيًا كوسيلة أسرع لكل الذين يغريهم الإطلاع على ذائقة غيرهم كما يفعل فضولي أحيانًا. هذا العام قررتُ أن أدونهم رغمًا عن عذري الشهير ما أكثر ما أود تدوينه وما أقصر الوقت. سأبدأ بذكرهم عشوائيًا، الترتيب لا يفيد الأفضلية.

رواية لا تقولي أنك خائفة – حاز من خلالها الكاتب الإيطالي جوزبه كاتو تسيلا على جوائز أدبية عديدة من بينها جائزة “كارلو ليفي” أهم جائزة للأدباء الشباب في إيطاليا. ترجمة عربية بواسطة معاوية عبد المجيد. الرواية مقتبسة من قصة العداءة الصومالية سامية عمر، مكتوبة على لسان بطلتها، تحكي قصة كفاحها في بلد متمسك بالأعراف الاجتماعية ويعتبر المرأة مواطن من الدرجة الثانية آنذاك فضلًا عن نشوء جماعات الأخوان والضغوط التي مورست على الجميع من قِبلهم، ثم تنتقل الرواية لتصف خمسة أشهر في ظروف قاسية ومجهولة وهجرة ولجوء وعبور البحر المتوسط، في توصيف حميم لمشاعر البطلة والتي بلا أدنى شك تشبه مشاعر كثيرين من المهاجرين اللاجئين المشهودين في أعوامنا المنصرمة.

تحذير مغري: لا تبحث عن البطلة في محركات البحث حتى لا تحترق الحبكة.. ولو أن هكذا تحذير تعيس بالنسبة لحياة حقيقية لكن وجب التنويه.

“لا تقولي إنك خائفة، أبدًا، وإلا فإن ما تخافينه، سيتعاظم حتى يهزمك.” 

رواية موت صغير للكاتب السعودي محمد حسن علوان، حاز من خلاله الكاتب على جائزة البوكر الدولية للةرواية العربية عام 2017، بصراحة أدهشني الكاتب في هذا العمل ونقل أسلوبه إلى مستوى عالي جدًا، تحكي الرواية عن الشيخ ابن عربي ورحلة بحثه عن أوتاده في أرجاء جزيرة العرب، لعل ما يميز العمل الطرح السلس العذب لحياة المتصوف والذي -شخصيًا- يدخل ضمن اهتماماتي وعلاقة رموز المذهب ببعض وتقاطع الأحداث والشخوص مع المحافظة على عنصر التشويق. من أكثر الروايات التي قرأتها هذا العام تشويقًا وحافظت على انتباهي حتى آخر صفحة.

“الحب.. موت صغير”

الحياة سياسة، كيف يغير بسطاء الناس الشرق الأوسط لعالم الاجتماع الإيراني آصف بيّات. لهذا الكتاب مكانة خاصة في نفسي رغم أنه ليس بالمستوى الذي أملته. الكتاب عبارة عن مقالات نظرية ووصفية للحركات الاجتماعية في الشرق الأوسط ونقد للنظريات الأوروبية باعتبار أن العالم الإسلامي يعيش وضع استاتيكي بخلاف الدول الأخرى ذات الوضع الديناميكي، المقالات مكتوبة منذ عام 2000 وتم التعديل على الكتاب لزيادة ثورة الربيع العربي والحركة الخضراء في إيران. كشخص متابع لآصف بيات لم أجد جديد في الكتاب عبارة عن تكرار لما كتبه سابقًا في الاسلام والديمقراطية وفي المقابلات التلفزيونية من التنظير حول ظهور المابعد اسلاموية وتعريفها، تراجع الخطاب الايدلوجي وفشل الاسلام السياسي. في حال قرأت لآصف بيات لا أجد أن هذا الكتاب يُضيف لما سبق. الكتاب يناسب المهتمين بعلم الاجتماع السياسي.

“ومن هنا نجد أن الشرطة والثوار كانوا يقاتلون من أجل الاستيلاء على على هذه الفضاءات الحضرية، كما لو كان مصير الثورة يعتمد على من يسبق إلى احتلالها.”


النظارة السوداء للكاتب المصري الشهير إحسان عبد القدوس من السهل توصيف رواية كُتبت بواسطة إحسان عبد القدوس كاتب المرأة، لكن من الصعب شرح كيف بلغ إحسان من الإحساس بالآخر ليكتب بسلاسة وكأنها يحمل فؤاد امرأة. الكتاب يحوي قصتين، الأولى: النظارة السوداء، قصة امرأة فولاذية لا تتحرك مشاعرها ولا تدري معنى الشعور بالأشياء، وحين تفعل تصل إلى حقيقة أن حياتها السابقة بلا شعور تُعد أكثر سِلمًا وسكينة منها وهي تتقد بالعواطف. القصة الثانية: راقصة في إجازة، يصف لك كم من المندهش أن نحب شخصًا يختلف عنا. في كلا القصتين ينتصر إحسان عبد القدوس لذكرويته ولتقاليد المجتمع، مهما تحذلق الكاتب ليضع نفسه في إطار المثقف الذي يساوي نصف المجتمع به إلا أنه يرضخ لعاداته وتقاليده ويوقع عقابه على بطلة القصة الخارجة عن العُرف. كقارئة لإحسان عبد القدوس ما وجدت في هذا الكتاب متعة كغيره.

“هذه المبادئ.. وهذه المثل العليا.. هل وضعت لتكون نظما مقررة، ترتب حياة كل إنسان وتحدد تصرفاته وتحكم قلبه وعقله؟ لا.. إنها وضعت لاستعمالها وقت الحاجة فقط، فإن لم نحتج إليها فلا نؤمن بها ولا نستعملها.. إنها العصا التي يستند إليها الضعيف، أما القوي فليس في حاجة إلى عصا ليستند عليها.. إننه يقف على قدميه متحديا، بلا مبادئ وبلا مثل عليا.”

من شرفة ابن رشد للكاتب المغربي عبد الفتاح كليطيو، يفتح منافذ على نصوص عالمية مشهورة ويعيد قراءتها، يسلط الضوء على مناطق جديدة في صياغة المحتوى ويحكي مختزلا صراع اللغة العربية مع بقية اللغات في صفحات لا تتجاوز 80 صفحة. ممتع جدًا.

“الترجمة هي غزو أرض أجنبية، وطرد ساكنيها وإخضاعهم، وامتلاك خيراتهم وكنوزهم.”

حيونة الإنسان لممدوح عدوان، لو مشروعًا لنا التصويت بمنهجة كتاب يُدرس لاخترت هذا الكتاب، لأنك في كل صفحة ستقرأها ستُسقطها لا محالة على كل ما يدور حولك، تتكشف لك إلى أي مدى سيئة النفس في حال حاضنها تيار معين أو تم توظيفها لتحقيق أهداف معينة، بكل بساطة تستجيب كأن بداخل كل إنسان وحش راقد ينتظر من يلكزه فقط ليستيقظ ويحل بغضبه وينشر نفوذه واستبداده، كيف من الممكن لإنسان أن يستخدم إنسان آخر ليتفنن في تعذيب ثالث! الخيط الرفيع الفاصل بين كونك الضحية وبين تحولك إلى نسخة من جلادك. في نهاية الكتاب ستتساءل عن هويتك، عن علاقتك بالآخرين، عن مدى الإنسانية فيك.. هل أنت فعلا إنسان حقيقي أم إنسان لم تتسنى له الفرصة ليمارس حيونته؟ طبعًا كلنا مسيطرين على أنفسنا (نظريًا) المحك في اختبار الحياة لنا حين تكون السلطة والقوة في أيدينا.

ملاحظة: الكاتب مُلحد لذلك الكتاب يحتوي بعض التجاوزات من خلال اقتباسه لآيات قرآنية وتعليقه عليها.

“تاريخ الانسان المقموع وهو الغالبية العظمي من البشر. هو تاريخ الإنسان المتحول إلي شئ آخر غير الإنسان. هو تاريخ تشويه الإنسان وتزويره.”

هكذا كانت الوحدة للكاتب خوان خوسيه ميّاس، لا يمكن أن أنسى الإحساس الذي غشاني مع انتهاء الكتاب، كأن نافذة كبيرة واسعة مُطلة على منظر طبيعي بديع في روحي! كان في نفسي كثيرًا لو أن البطلة إلينا أمامي لأعانقها بفرح كثيرًا.. زوجة وأم تجد نفسها وحيدة نتيجة للرتابة بعد أعوام أذابت الحُب بينها وبين زوجها، ينمو في داخلها ورم تعتقد بأنه يقتلها، فتقرر أن توظف محققًا ليراقب زوجها، لكن المآساة بدأت حين أسعدها تقرير المحقق بأن زوجها يخونها وكأنها تذكرة راحة لضميرها الذي ما انفك يؤنبها من أجل زوج خائن.. المشكلة لم تعد في الزوج المشكلة في ألين التي تعيش مع الورم يومًا بعد يوم. تنتهي الرواية نهاية كمن يشهق هواءً بعد أن قسرًا ظل رأسه تحت الماء لدقيقة.

“الوحدة كانت هذا: أن تجد نفسك فجأة في العالم كما لو أنك قد انتهيت لتوك من المجئ من كوكب آخر لا تعرف لماذا طردت منه”

رواية من الظل لنفس الكاتب أعلاه، خوان خوسيه مياس، على عكس إلينا التي تعيش الوحدة بتعاسة، على داميان البطل، الابن البار لأب غير مثالي وأخ طيّب لاخت متبناه من جنسية مختلفة.. بار بتهكم وسخرية يبسط عيوب أن تكون فردًا صالحًا في عائلة لكنك لست بالصلاح الذي يُظن فيك. الرواية تنهج الاستبطان النفسي؛ يعني الوعي بالأفكار وإدراكها، “من الظل” أي الوعي فينا، الأحاديث المشتهاة التي نقولها في داخلنا ولا نفصح بها، الأفكار الغريبة التي تدور في خلجنا ولا نجرؤ على الإفصاح عنها. يحدث لدميان موقف في بداية يومه يغير حياته العادية ليعيش وحيدًا في خزانة سيدة متزوجة وأم لبنت. يتحدث إلينا من منصته الجديدة “الخزانة” وحيدًا يتخيل حوارًا يدور بينه وبين مذيع برنامج شهير في محطة مهمة.

“وما من حرية أكبر من غياب الخوف”

كتاب مذكراتي في سجن النساء للكاتبة الثوروية اليسارية نوال سعداوي، بغض النظر عن توجه الكاتبة الفكري أحبها وأحب كل مناضلات جيلها لذلك قد يكون حكمي على الكتاب يخالطه شيء من الذاتية، الكتاب يرصد أحداث اعتقال الكاتبة مع 13 كاتبة أخريات من مختلف التيارات الفكرية، تدون الكاتبة بعض من الأحداث والمواقف التي جرت عليهن في سجن القناطر الخيرية عام 81، الكتاب لا يشبه أدب السجون المتعود عليه في السجينة والقوقعة وتذكرة ذهاب وإياب… الخ بل بالعكس المشاكل والعقبات وأساليب التعذيب تعد رفاهية بالنسبة للمعتقلات. شخصيًا استمتعت جدًا بالكتاب خصوصا بالمواقف بين المعتقلات كأني أتعرف على شخصيات لا أعرف عنهن سوى سطرين في ويكبديا.. متعة!.

“لن نموت، وإذا متنا لن نموت ساكتات، لن نمضي في الليل دون ضجة، لابد أن نغضب ونغضب، نضرب الأرض ونرج الأرض، لن نموت دون ثورة.”

وبهذا أكون قد رصدت أهم حصيلتي من الكتب في عام 2018م واستثنيت إدراج كتب الخواطر الوجدانية والنصوص القصيرة لرأي يخصني بشأن قيمتها الأدبية لا تقييما لمحتواها. وإن شاء الله الكتب القادمة أرصدها أولًا بأول. إن كنت قد بلغت سطري هذا فشكرًا جزيلًا لثقتك واهتمامك.. وأرجو لك عام حافل بالقراءات الماتعة.

هوامش

ثرثرة (4)

مكتبي

الكبرياء لا ينزع من العمر بهاءه فقط، ولا يكتفي بمنع استمرارية العلاقات العذبة، الكبرياء ليس حِكرًا على عدم التفوه بكلمة شكرا وآسف حين تجب، بل تمنع المرء من تلقي المعارف كما يجب! حينها نلجأ للدروس العملية، بعد أن تلْقى الطرق النظرية حتفها.

أطرقُ الباب وأقف بحزم، أتأمل فيهن بينما تُخرجن الكتب، أضع كتبي وأقلامي على الطاولة، أرفع كشف الأسماء، أختار واحدًا عشوائيًا.. اسأل سؤالا وبعد برهة من الانتظار تخرج من فمي ببرود وباللغة الانجليزية كلمة: صِفر!

ثم يهبط قلمي على الورقة بشكل عامودي راسمًا الصفر بدون أي مجهود.

كان هاجس العشر دقائق الأولى من كل محاضرة لي معهن ينمو ويتفاقم تدريجيا، أما أنا فأطلق عليه الهاجس الصحي.

وزعتُ عليهن أوراق الاختبار القصير بعد أن أنهيتُ تصحيحه، جاءتني خولة كما توقعتُ، سألتني عن خطأها الذي أضاع عليها نصف درجة، وحين علمتْ أن كتابة اسمها باللغة العربية في صف اللغة الانجليزية هو خطأها الوحيد رفعت صوتها بكلمة: حرام.

أجبتها بتوضيح وبنبرة هادئة تستفز اندفاعهن أحيانًا: الحرام قضاء وقت لتعلّم لغة ثم يأتي الاسم بلغة أخرى، وأظنها لم تفهم ما قلتُ من فرط قهرها.

عادت لمقعدها وانخرطت في البكاء بينما بدأتُ الدرس كمن لا يسمع ولا يرى…

في آخر يوم لهن معي، وقرابة الساعة الثالثة عصرا، طرقت خولة باب مكتبي وبلهجة مسقط رأسها سألتني عن النصف درجة بخجل..

ابتسمتُ بوداعة وقلتُ: درجتك المرصودة كاملة..

  • يعني أن المكتوب في الورقة غير حقيقي؟
  • أجل..

اتسعت عينيها ثم قالت بفرح مفرط: أقسم بأنني حفظتُ اسمي بالانجليزية ورقمي الجامعي تحسبًا لأي سؤال منكِ!

احتاج الأمر فصلًا دراسيًا كاملًا لتدرك فيه بأنني لا أمارس السُلطة لأُنزل عليها ما هوت نفسي المضطربة من عقاب بل أحببتُ أن تخرج من هذه المرحلة بأكبر قدر من الإلتزام ولو بدا لها الأمر تافهًا.

أظن -وقد يكون ظنًا خائبًا كظنون كثيرة أودعناها شخوص فشخصت ولم تُصب هدفًا قطّ- بأننا نطمئن إلى المسافات التي تفصلنا عمن نثق بهم لأننا لا نثق بأنفسنا ولم يقترب منا أحد إلا وأضرم نارًا تأكل أطراف القيمة التي نتشبث بها حتى تصبح رقيقة تُقطع من الشدّة الأولى والرجاء الأخير.

طُرق باب مكتبي، المكتب الذي تصفه حصة طالبتي المشاكسة: مِس مكتبك المفروض مكتب العميد.

أطلت أماني بملامحها الوديعة ونظراتها المتوجسة، التوجّس الذي يحملانه كتفيها علامة مميزة. أعرف أن طالبةً لم أعد أدرسها تأتي إلي بدوافع أخرى لا تشبهها حين أمتلك سُلطة “الدرجات”، دافع أكثر حساسية وإنسانية.

في منتصف الحديث المكتظ بالتعب أسيت لحالها الدموع فواستها بمشاركة لم تلبث طويلًا، حاولت أن تتماسك وتبتسم، لكنها الظروف تُحاصر زوايا ابتسامتها فتقوسها، بعد أن أنهت حديثها وأفرغت شيئًا مما تشعر، طُرق الباب ثانية.

خرجت أماني تجرّ وداعتها وكتفيها، ودخلت خولة، خولة التي بكت بسببي مرتين حين كنت أدرسهم!

  • مِس أبيك شوي.

دخلت تفرك يديها وتجول بنظرها في أركان المكتب لكنها لا تستقر إلى شيء.

سألتها السؤال القصير، أسهل الأسئلة في اللغة وأصعبها في النفس سألتها ماذا بها؟ حجم السؤال أصغر من أن تلتقطه أفئدتنا وتدفنه دون أن يلحظ أحد فوضى (ما بنا)، لكنها الحياة إن تراكمت في الفؤاد استعمرته ومنعت عنه أيادي الصادقين البيضاء.

انهار جسدها الصغير على الكرسي القريب منه، وتدافعت الشهقات في حنجرتها، لم تكن قادرة على منع البكاء، كان أقوى منها بكثير.

  • ابكي، خُذي راحتك.

بينما في الواقع كان يفصلني عن اختبار طالباتي عشر دقائق فقط.

الحيرة والوحدة شيطانيْن رجيميْن يسكنان في قلب لم يبلغ عامه العشرين بعد، الحيرة من المستقبل والشك في القدرة على المواصلة مضاف إليهما شعور بالوحدة إذ أن الغربة علقمٌ يصعب ابتلاعه مرةً وهي تبتلعه في كل دقيقة منذ عام ومضافٌ آخر لكنه ثقيل نوعًا ما، إن أقبل تمكّن وإن أدبر فروحك قد صعدت أخيرًا وتلاشى عرشه كوميض نجمة، الشوق، السيّد الذي يسكننا جميعًا باختلاف ليس له أربعين، يفتك بقلبها المغترب المحتار الشوق لوالدتها التي توفيت منذ شهر فقط.

شهر وتجلس على مقعدها الدراسي تُدوّن المحاضرات وبصرها شاخصٌ نحو فاه يتحدث دون تعب مدة ساعتين!

إن كنت تظن بأنك تعرف أحدًا فأنت لا تعرف شيئًا!!! في داخلهم مقبرة تُخفي أكثر مما تدعي معرفته في جملة مبتذلة يظن قائلها بنفسه عُمقًا وفراسةً: “في عيونك كلام”. وفي عينيك فراغ.

قضيتُ بقية يومي عاجزة عن محاصرة تساؤلاتي: ما هي الحاجة التي تدفع شخصًا أن يختار نفس الذي أبكاه يومًا ليبكي له دون أن يخجل من ضعفه؟

هوامش

فِكَر

ماذا لو أن الفِكَر كائنات حية تتخذ شكلا محددًا لا وحيًا منسوبًا إلى مواضيع، لو خرجن في صف تُمسك كل واحدة بخاصرتيْ الأخرى أما الأولى فتغرس أنيابها في عقلك.

يُتاح لك أن ترنو فيهن وتأنس بحضورهن وقد يُضحكك غُلب واحدة وشقاوة أخرى، ويتسلل العطف من جيب مشاعرك بدلًا من الغضب الذي يلكم أفواههن فتسقط ثناياهن ويسيل الدم خيطًا من ناصيتك إلى صدرك فيتكوّم على شكل تنهيدة تفلت من فاهك بينما أنت مستغرق في عملك!

التبرير الذي لا تنفك الأفواه تنطق به إن حلّ الصداع ضيفًا أو سافر الخاطر في شرود سريع: أفكر.

بينما الفكرة يخيّم عليها الملل تنتظر أن يُنفض السجاد من تحتها لتُتاح لها فرصة ترتيب نفسها، تتوق لأن تتهندم بفستان أبيض قصير يشي بفتنةٍ تأبى على شهواتك وتُزين عنقها بعقد له بريق يمتد أعوامًا مقبلة؛ ولشقائها هرمت في رأس ذاك الذي لا يأبه إن هبط الظلام أو بقيت الشمس تفضح ملامح المندفعين بعكس ملامحه التي ترتدي عباءة الوجوم الوقت كله لا أكثره وتستر غضبه وهدوءه، فرحه وترحه، كآبته وحيويته. لا يُعرف إلا قابلًا راضيًا ولو كان ادّعاء فلم يترك مجالًا لتفاوض أو حتى لسؤال. يُمرر أصابعه على أوتار آلته فلا يُصيب إلا الصَبا. اهترأ الوتر وتكدّس الوقت على خاصرة الفكرة وبدأت تحتضر.. احتضارًا لم يعد له ابتداء فقد فات آوان الدفن وهو مازال يبعثها!

يعاقب نفسه بشمطاء أصفى لها وداده وترك مليحة ترجوه ويرجوها

هوامش

ثرثرة (3)

Snapchat--1225262588113197713

أذكر كيف مضت الشهور الثلاث الأولى في الوظيفة بدءا من أغسطس 2015، كأن نفسي تضيع مني في الساعات الثمانية التي أقضيها مع الطالبات والموظفات. كان غريغور رفيقي الدائم في كل صباح على مكتبي يقرع ذهني على هيئة سؤال: ستتحولين إلى حشرة!

سأتحول إلى مسخ كافكا قريبًا هذا ما اعتقدته لأنني وللمرة الثانية يتم قبولي في وظيفة كمعلمة رغم إصراري على السُلم الإداري إلا أن الوعود تسبق رفضي لتوقيع العقود: جربي فقط.

السابعة صباحًا أجلس على المكتب المخصص لي في غرفة تجمع ثلاثة عشر مكتبًا قبل أن يتم افتتاح المبنى الجديد لأحظى بمكتب يجمعني مع زميلة واحدة فقط. على يساري مشرفة القسم، سيدة كبيرة، من جنسية عربية، هادئة وصوتها بالكاد يُسمع، تلتزم الصمت أغلب الوقت، تمتلك هاتفًا نقالا قديم الاصدار وله نغمة تصدح بمبالغة، يرن هاتفها في ظهيرة كل يوم فيثير انزعاجنا وإذا ما قررت إحدانا خفض صوته يتوقف من تلقاء نفسه، بطيئة الحركة وتأخذ وقتًا للاجابة على الاسئلة، تُفضّل تجنب الأشياء الجديدة، شخصيتها مُقادة إلا على من تُشبهنها في الريبة!

 بينما أرتشف قهوتي وأقرأ صحيفة الرياض المحلية كانت هي تقضم خيارةً وتأكل خبزا محشو بالجبنة أو اللبنة كالعادة.

على يمين المشرفة مكتب زميلة -كانت صديقتي كثيرًا قبل أن ينفرط عقد لؤلؤ صداقتنا ونتناثر كلٌ في بقعة ينأى بها عن الآخر- تكون وقتها تضع مكياجًا لأنها استغلت الطريق للعمل بالاستغراق في النوم.

  • وزير الصحة الإيراني يُصرح بأن حادث التدافع كان أمرًا خارجًا عن الإرادة ونسلم لمشيئة الله وقدره.

تُطل زميلتي برأسها من فوق حاجز المكتب القصير بعين مغمضة وعين مفتوحة وبيدها قلم كحل أسود: النذل يتبرأ من قتل الحجاج!

تغمغم المشرفة بلهجتها الشامية: “الله لا يسلم فيه شيء”.

أتبادل مع زميلتي نظرات الذهول بالمداخلة غير المتوقعة ونصمت!

الساعة الثامنة من كل يوم اثنين يجمعني بطالبات المستوى الثاني، تعتقد الطالبة وقتها أنها ألمّت بكل اللوائح الأكاديمية والقوانين الصفية حتى اكتساب سمة الفراسة ومعرفة المعلم من المحاضرة الأولى لمجرد أنها اجتازت المستوى الأول!

كان من نصيبي الصف الأكبر، مكتظ بخمس وأربعين شخصية وأنا السادسة والأربعين! كنتُ أدخل عليهن بحماسةٍ وأخرج بعدهن منهكة بطاقة شبه معدومة وخِلق ضيّق. امتاز هذا الصف بإلقاء التُهم بتحذلُق لا مثيل له! حين ترمي الواحدة بشرر، ترفع الأخريات حاجبًا كنايةً عن المُساندة.

في كسر لرتابة المحاضرات وللتخفيف من وطأة الملل، سألتهن عن مشاهير وسائل التواصل الاجتماعي، أبدينَ حماسة للسؤال وانطلقت الأفواه بأسماء أعرف بعضها وأجهل الكثير منها، وأعلق على كل اسم وأدع مجالًا للتعليق، قلتُ: بذكر لجين الهذلول، أتؤيدن قيادة المرأة للسيارة؟

وتفاوتت الاجابات بشكل لم أتوقعه، وفي محاولة لإدارة الحوار، جعلتُ لكل فريق فرصة للإسهاب، كنتُ أستمتع بمحاولاتهن في التحدث بالانكليزية وخيانة المفردات لهن في ذروة حماسهن، جلست على طرف الطاولة المخصصة للمعلمة وأرهفت السمع لأرائهن. هذه البضع دقائق تعمل كمنشط لأذهان الطالبات، عادت دفّة الحديث إلي، كنتُ مستغرقة في شرح قواعد القراءة وأجزاء الكلمة الانكليزية، استمتع بأداء الواجب وإن كان رفع الصوت إحدى عيوب المهنة الواضحة.

رن هاتف لينا بأغنية في مطلعها كلمة أحبك…

ارتبكتْ وخفضتْ الصوت بينما انطلقت ضحكات زميلاتها وإيحاءات الاعجاب بما حدث التي يعتقدن بأنني لا أراها.

بعد خمس دقائق ربما أقل، رن هاتفها مجددًا ….

Scroll to Top