تأملات

السير باتجاه الشمس

كتبت فيرجينيا وولف في مذاكراتها “لا أعتقدُ في الشيخوخة، بل أعتقدُ في تغيير وجهة نظر المرء باستمرار تجاه الشمس” وكنتُ أظن بدايةً أننا نسير منقادين نحو الشمس لأن الزمن يُلبسنا عدسته الأصفى في كل عام من ميلادنا الأول، وفي كل مرة نُبصر الشمس أشدّ صفاءً مما كنا نفعل، ونعي الوجود بتعقّل تراكم فوق ما تراكم سلفًا. وكنتُ على استعداد أن أسير نحو الشمس بنفسي، أن أرفع السجاد من فوق ما راكمته ومشيت فوقه حتى لا ينتبه أحد إلى ما يُعكّر صفو الإنسان الذي يقتحم أبوابًا جديدة؛ وأعني بيقتحم لأنها المرة الأولى التي أوشك فيها على السقوط وبدلًا من أن أستريح في سقوطي، تشبثتُ بكلتا يديّ على حافة السقوط.. تحملتْ يداي التشبث وحيدة، ولم يجرؤ أحد على أن يمد يده ولو أن يدًا امتدت لما استطعت أن أفلت الحافة لألحق بيد قد تعاني من الهشاشة أكثر مما يفعل وجداني وقتها. بعد عام من التشبث بالقيمة؛ ألا أبطش، ألا أنتزع حقًا، ألا أتناول من طبق السُلطة الشهي كي لا يتسمم غيري. بعد عام من محاولة التصدي للأذى بالتغافل أحيانًا وبتحويله إلى نكتة أحيان أخرى، وتأجيل الفهم ودفن الأذى تحت سجاد الوعي. قررت أن أسير إلى الشمس، أن أفهم من أين تأتي اليد التي تشد ظهري إلى الوراء لتتراجع خطوتي، ومن أي سماء تهطل أسراب الألم والمسؤولية لتسكن كتفي وتزيد وزن خطوتي.

وبدلًا من أن أسير إلى الشمس بخطى ثابتة ومستعدة أو خائفة ومترددة -لا يهم-، أشرقت الشمس عكس اتجاهي، وتقابلنا! التقينا عرَضًا وبدون تخطيط ولم تكن إحدانا جاهزة للقاء الأخرى، تقابلنا في وسط الذهول، حدقتُ في قرصها المشتعل ورغم أنها دثرتني بأشعتها المنتشرة إلا أن زمهرير الحقيقة كان أعتى. مرّت سنون أقصّ فيها على نفسي القصة ذاتها كل ليلة حتى لا أنساها؛ لا أنسى تاريخًا قادني مراتٍ وسحلني مراتٍ وخنقته بيدي مراتٍ حتى أضحى وجداني الغضّ وليمة في مائدة التأنيب، إن حاولتُ أن أفلت من بين أنيابه الحادة علق طرف ثوب كبريائي بين ثناياه وأشدُّه حدّ التمزق ثم أرقعه تحت مظلة الليل دون أن يسمعنا أو يشعر بنا أحد. التقينا بعد أن خسرتُ معاركًا لا غنائم لي فيها وخرجتُ منها بمغارم جرّاء مروءةٍ موهومة! التقينا بعد أن انطفأ صوتي واختنقت نبرتي في خطابات لاسترداد حقوق رأيتُ في قرصها المشع أنها غير منزوعة! التقينا بعد أن مزّقتُ وجداني في مقاومة أمور لا أعرف كُنهها، وبعد أن أضعتُ هويتي وخفتُ كثيرًا أن تتسرب الأسماء من ذاكرتي قبل أن تخترق يدي أفئدتهم وتنتزع سكينتهم ولكنني في المقابل مسحتُ بيدي ما قضّ طُمأنينتهم واحتفظتُ بالأسماء ليومٍ ما! وحين حدقتُ في الشمس تساقطت الأسماء من على كتفي تباعًا، احتفظتُ بالخوف أعوامًا كثيرة ورأيتُه اليوم هامشًا عاش معي طويلا على أنه بطل الرواية! جاءت الشمس مصادفةً ولا أدري هل جاءت متأخرة أو في توقيتٍ سأشكرها عليه لاحقًا، لكنها اخترقت ثوابتي وصهرتها في لظاها وتركت المكان مهجور! ولأنها أحرقت أركان إيماني التي استندتُ عليها أعوام كان البرد أشد وكان الفراغ أبلغ. أقول -في لحظة ساكنة- الأسوأ من العمى، أن تبصر الأشياء بعدما اعتدت عليها في العُتمة. أو أن نبصر أمورًا كنا متخففين بدونها قبل أن نبصر وجودها! وتُدهشنا قدرتنا على حَمل كل هذه السذاجة في عقل واحد! -أو البراءة- جميعها تؤدي إلى ازدراء المرء لذاته! لكن المفارقة جاءت بعد الحديث بأيام؛ أن البصيرة أحيانًا تعرقل الطريق وتهدم الجدران التي نستخدمها في المسير.

حين تكشف الشمس النص المفقود من القصة، تكشف معه مخاوف جديدة، وفوضى جديدة، وتُعرفك على ألم جديد ومختلف؛ ألم رومانطيقي مصحوب بتهكم.. لكن في هذه المرة تُحدق باتجاه الحقيقة ما يجعل الأحداث منطقية، وتعيش أعوامًا تُعيد فيها تصنيف المواقف، والحكم على الأشخاص، ومعالجة الألم، وتقديس السكينة.

مرّ عامين منذ آخر تدوينة، عصفتْ الدُنيا حول خاصرتي ولم أكُن باللياقة التي تسمح لي بالتماهي مع تيّارها.. خلال ذلك، عرفتُ كثيرًا، عرفتُ شكل الأبواب المُرحبة، وعرفتُ الطُمأنينة على كتف ثابث، وعرفتُ شعور أن أحمي نفسي أولًا، وعرفتُ ألا أحاول إنقاذ من يستمتع بالغرق، وعرفتُ أن الأوقات تتأخر أحيانًا.. تتأخر حتى لو قال مطوري الذات “it is never too late” أحيانًا بلى. وعرفتُ أنني وبرغم هشاشتي أُجيد الوقوف أمام الشمس والتحديق فيها بدون أن يشعر أحد أنها تُذيب أركاني وأنني قادرة على إخفاء ارتجافة أقدامي.

وكتبت وولف أيضًا فيما معناه “الحياة ليست سلسلة من المصابيح المرتبة بتناسق” في حين تعتقد أن القصة اكتملت، ستجدّ تفصيلًا صغيرًا يُغيّر المعنى ويعيدك إلى “كان يا ما كان”.

مذكرات فيرجينيا وولف (مصدر الاقتباس)

هوامش

الحراك الأدبي والأقلام الناشئة

كنتُ قد كتبتُ هذه المقالة سابقا عن #مسابقة_الإبداع_الأدبي هيئة الأدب والنشر والترجمة التي توجّه خطابها “التويتري” منذ أيام لطلبة الجامعة الموهبين والمهتمين بالفنون الأدبية، ومحاولاتهم الحثيثة لاحتضان المواهب الناشئة. وفي كل مرة يُغرد الحساب أتصفح التعليقات والرابط وأشعر بشيء غريب جدا أعجز عن تفسيره وتجاوزه، أشعر بالزمن، أشعر بالحنين، وأشعر أن هذه الروابط تجسيد لأحلامي وأمنياتي قبل عشرة سنوات. في ٢٠١٢ وكنتُ قد بلغتُ من الشهرة مبلغًا لا بأس به في قسمي “الأدب الانجليزي” لأنني من الذين تجاوزوا عام تخرجهم المتوقع، شاركت وقتذاك من باب التجربة فقط التي لا أطمح من وراءها إلى أي امتياز في مسابقة أقامها “مشروع كلمة الإماراتي” عبارة عن ترجمة اقتباس أدبي وكان الإقتباس لـ T.S Eliot. فازت مشاركتي، واحتفى بي قسمي حيث طُبعت الترجمة وتهنئة الفوز وعُلقت على جدارية الإعلانات الخاصة بالقسم، فعلت ذلك مسؤولة الشؤون الإدارية الاستاذة خلود الفضل، وبعد أسبوعين نادتني عند اللوحة وسألتني: “هاه يا هيا أنتِ كذا رضيتي وأنبسطتي؟ نقدر نشيلها الآن؟” كانت سعادتي مضاعفة لأنني وجدت قناة متخصصة في النشر متاحة للتواصل وعرضت عليهم رغبتي في ترجمة الرواية التي إلى الآن أجدها من أروع ما قرأت في تناول تاريخ المرأة الإنجليزية في ذلك الوقت الذي كتب فيها “جورج غيسنيق” روايته لكن خط التواصل انقطع كخطوط كثيرة لا تصل. المهم، أني ترجمت جزءا وبعض فصول من الرواية ثم توقفت، لأني كنت أعرف جيدا مآل المحاولة، وحاولت اليوم بكل جهودي أن أصل إلى نسخ الترجمات والقصص الكثيرة غير المكتملة في حاسوبي لكن للأسف باءت كل المحاولات التي استمرت لأيام بالفشل. كان آخر حلولي هو أن أبحث في بريدي الإلكتروني، ووجدت لغة الطلب الخجلى واختلطت مشاعري، خاصة وأنا أرى الهيئة تهب اهتمامها للراغبين وتفتح ذراعيها لتبني المحاولات بينما في زمنٍ ما كان العكس. متأكدة أن المتابع للحراك الأدبي سيقول: توجد فرص أكثر متاحة للكُتاب المهتمين، صحيح أتفق، لكن الجرأة في النشر تقل مع تقادم الزمن مثلها مثل الشجاعة تتراجع كلما تقدمنا في العمر وهذا موضوع آخر -الحنين للشخص الجسور فينا- وهذا سبب حماستي وتشجيعي للصغار ممن يرون في أنفسهم أدباءً، اقفزوا القفزة الأولى في عمر مبكر وسوف تتعاقب محاولات القفز المتكررة دون الخوف من السقوط. مرروا هذه الفرص لكل طلبة الجامعة الذين تعرفون، قد يكون فيهم المهتم على استحياء.. انشروا الفرص لأنها كبيرة وفي وقتٍ ما كانت مجرد أمانٍ وأحلام.. انشروها طالما هي متاحة الآن! *ملاحظة: عنوان حسابي في تويتر اختلف، العنوان في الصورة قديم. رابط مسابقة الإبداع الأدبي: https://lnkd.in/e24THvEN

هوامش

شهية الكتابة

يبدو أننا عندما نكبر نحرر الآخرين من توقعاتنا وأحكامنا ونقيّد بها أنفسنا بدلا من إتلاف القيود وهدر الموارد حتى وإن كان موردًا فاسدا. اعتدتُ سابقًا على الكتابة بجميع أشكالها؛ الوجدانية، والثقافية وأكثر منهما تدوين ما يجري خلال اليوم. تعاقبت الأيام بعد أول تقاعس وأنبتَ التقاعس آخرين وكبرنا معًا مجتمع غير حيوي يحث أحدنا الآخر على فعل اللاشيء ومراقبة ما يجري، حتى أننا لفرط ما احترفنا وحّدنا ردودنا على كل الذين يقرعون أبواب الاجتهاد فينا على أمل أن يجدوا من يرد عليهم. كنت أظن -على اعتبار أنني ابنة امرأة رسامة وكاتبة سحلت التزامات الحياة موهبتها، ورجل رسّام تشكيلي هاوٍ- أن الهواية تتلاشى مع الزمن وتضمر عضلاتها، لكنها لا تفعل! ليس فقط بدليل أن والدي عاد يمارس الرسم بعد تقاعده من وظيفته، لكن لأنني أجد نفسي أحيان كثير مرغمة على الكتابة كأنني على وشك أن أتقيأ وجداني! وكنت وقتها قد أدركت أننا -الكتابة وأنا- وجهين لنفس العملة أو هي وجهي الآخر الذي أخفي هويته أحيانًا وأنكر وجوده أحيانا ورغم هذا إلا أنها ما انفكتْ يوما تفرض علي كينونتها حتى بات يؤرقني هذا الوجود وحلت المسؤولية محل الهواية! وقررتْ أخيرًا، أن أمرر كل الكلمات التي لا أمانع تمريرها إلى صفحات المدونة، أن أحرر كل الكلمات العالقة في يدي. صحيح، كنت سابقا وتحديدا قبل أربعة أعوام وضعت لنفسي هدفًا أن أكتب! ومرّ عام كامل دون أن أكتب كلمة! 

تقول رضوى عاشور رحمها الله “الكتابة تأتي من تلقاء نفسها فلا يتعيّن عليّ سوى أن أقول مرحبًا وأفسح لها المكان” وعلى عكس رضوى لم تكن الكتابة تأتي وفقا لرغباتي كانت تفرض نفسها في أكثر الأوقات التي يثقل علي فيها كتابة نصّ. 

غالبًا، ستأخذ كتاباتي في هذه المدونة بهيجة الشكل وسلسة الاستخدام طابع التأملات اليومية البسيطة أو ربما أيا كان منعا للتقييد الذي ذكرته آنفا.

“أكتب، لأنني أحب الكتابة وأحب الكتابة، لأن الحياة تستوقفني، تُدهشني، تشغلني، تستوعبني، تُربكني وتُخيفني وأنا مولعةٌ بهـا” رضوى عاشور.

هوامش

عنوان بيتنا

Blurred Yellow School Bus On A Country Road In Autumn" by ...

اعتدتُ فيما مضى أن أصف مكان منزلنا في جملة واحدة: “ثاني لفة بعد المطعم يمين” ولم يحدث أن تاه القاصدون إلينا مع هذا الوصف البسيط حتى أن زميلتي في الحافلة في السنة الثانية من الجامعة كانت كلما شارفنا على سلك طريق بيتنا تقول بصوتها الجهور: “بيت هيا ثاني لفة بعد المطعم يمين.. خلاص حفظناه” بقيت هذه الصفة تميز منزلنا الصغير العادي المشابه لبيوت كثيرة عنوانه قصير والوصول إليه يسير حتى اكتشفت اليوم بالصدفة وأنا في طريقي عائدة من العمل أن موقع بيتنا تغيرّ! ولم يعد ثاني لفة بعد المطعم يمين! أدرتُ جسدي من على المقعد أحاول أن أرى بعد أي لفة انعطفنا لأكتشفت أن منزلنا صار محاطًا بالكثير من البيوت التقليدية، وأن الطريق الرئيسي المؤدي إلى بيتنا صار خدمة وأن الكثير من المحلات التجارية قد شُيدت حتى انصهرت بقعة منزلنا المميزة وصار موقعا عاديا يشبه موقع بيت زميلتي ذات الصوت الجهوري وبدأت تمطر الملاحظات التي لم ألقي لها بالا في السابق، صار المسجد الصغير جامعًا، والطريق الترابي اسفلت وباتت حركة المرور صعبة بعد أعوام من جهادنا في البحث عن وسيلة توصلني إلى الجامعة مما اضطر والدي لأشهر بأن يستأذن من عمله ويقطع المسافة من وسط المدينة إلى آخرها ثم يعود مرةً أخرى إلى عمله ويعود إلى البيت متأخرًا يعوّض الوقت الذي استغرقه في مشواري لانعدام وسائل النقل في حينا الترابي آنذاك! وابتسمتْ لفكرة لو أن زميلتي مرّت من طريق بيتنا ستحظى بنفس الدهشة وستذكر مكان بيتنا القديم بخير قبل أن تسرق خرائط قوقل الوقت لأن ندرك أن الكثير من الوقت مضى وأن الكثير من الأشياء لم تعد صالحة للاستخدام. 

يمكن مستقبلا أفكر أوثق هذه الأوقات التي قضيناها في الطريق وكانت ممتلئة بالحياة كأنها حياة في وسط حياة.

تأملات

نصيب الأباء

كارتباط شَرطي؛ التقدم في العمر واستيعاب ما كان غير قابل للفهم. حدث قبل قليل وأنا أتناول شريحة توست بجبنة وزعتر وفي كل مرة أتذوق الزعتر أتساءل هل هو فعلا الزعتر الفلسطيني أو عبارة تسويقية فقط ولازال في الحياة زعترا ألذ وكوب شاي تفوح من بخاره رائحة أوراق النعناع وبيدي الأخرى أقلب صفحات “التكتوك” حتى بلغتُ مقطعا يقول صانعه أن والده كان يخبره أنه إن نجح فنفع النجاح من نصيبه وحده، وإن فشل فضرر فشله يقع عليه وحده. وكان على ذاكرتي أن تعود فورًا إلى الماضي لأن إلحاح والدي على نجاحي ما كان عاديا لتتخطاه ذاكرتي دون نقش، كان في وقت صفوه يحدثني عن أهمية العلم والشهادة بلغة حنونة وفي غضبه كانت كل أوامره أن أنصرف للدراسة والمذاكرة، وفي كل الأحوال كان يجد صمتي وامتثالي البارديْن ردًا على حرصه غير المبرر بالنسبة لابنته وقتها، حتى أني كنتُ أقارنه بأباء آخرين يتركون لبناتهم حرية اختيار ما يفعلن وقت فراغهن. لم يخبرني أبي أن نجاحي لنفسي رغم أن هذا ما حدث، كان يُصر ألا أفشل مع أنه يعلم يقينا أن فشلي على نفسي كما هو الحال مع النجاح، لكنه يحمي ما استطاع ابنته من احتمال الفشل وانعدام الخيارات، أذكر لما جاء قبولي الجامعي في التخصص الذي اخترته منذ طفولتي، عمل على إيجاد مقعد دراسي لي في تخصص وجامعة معروفيْن بسمعتهم الجيدة أيامها، وقابل تمسكي المستميت بتخصصي ورفضي للفرصة بتفهم أُدرك الآن كم كظم في نفسه من مخاوف عن المستقبل لخاطر “التربية الإيجابية”. ما أصعبها الأبوة حين تختار أن تزج براحتك في كيانات أخرى يفرحك ما يفرحها ويحزنك ما يحزنها ويهمك ما لا تبالي به حتى، كأنك تشد حبلا يعبرون من خلاله من فوق وادي لا يرى عتمة عمقه سواك وتراهم يتأرجحون من فوقه دون مبالاة بالوقوع، تشهدهم عينيك يخطون بأقدامهم الضعيفة تارة، ويعبرونه بأيديهم الرقيقة تارة، ويضربون عن المشي ثانين ركبهم حول الحبل ورؤسهم تتدلى إلى جوف الوادي تارة.. ويمضي العمر بينما تقف متفرجًا على أكثر مشاهد حياتك رعبًا.

يا لسوء حظ الأباء الجيدين حين يُرزَقون بأولاد لا يبصرون الحُب في ثنايا القلق.

تأملات

دُفناء الذاكرة

إنها منذ مدة تختبر ما وصفه محمود درويش في قصيدته “حفيف”: “أَسبح خارج ذاتي في ضوء بلا شمس بعد غفوة تشبه الصحوة، أو بعد صحوة تشبه الغفوة”

كانت تطمح لكتابة مقالة تشرح فيها كل هذا الزحام غير المنظم في داخلها، أن تُخبر بكل الذين بدأت تعترف بهم كشخصيات اعتبارية تعيش بداخلها، حتى أن رئيستها بالعمل سألتها مرةً عمن تُشير في عبارتها: جئنا! وأجابت: أنا ومشاعري وأفكاري، أتحبين أن أعرفك على مشاعري الحاضرين معي الآن؟ شجن وعاطف وأمل وحائر ونضال أما أفكاري فشخصيات سرية يتعذّر الإفصاح عن هوياتهم. لكنها في نفس الوقت تتجنب كشف حقيقة ما تشعر به، كأنها تحمي شعورها من أي حكم قليل التقدير مما سيفاقم الخط الفاصل افتراضيا بينها وبين الآخرين والذي تجاهد منذ أعوام لأن تجعله خفيا كجرّاح تجميل ماهر يُخفف من أثر قطب جُرح في جسد مريض لكنها مرة أخرى من آلاف المرات التي خشت أن تلحق بها الأحكام إن استخدمت الضمير المنفصل “أنا” قررت أن تستريح في ظل ضمير الغائب “هي” كما يحلو لها دائما وهذا الأمر يثير الضحك لأنها ستكتب في هذه المقالة عن خوفها من أن تدركها الحياة بينما في الواقع لا تفعل شيء عدا أن تستظل بضمير الغائب.

كانت قد قرأت قبل مدة للكاتب الألماني “إيريك ريمارك” عن أن ذاكرة الإنسان تشوه القصص التي حدثت له بالفعل فمثلا تضيف على القصة دورًا بطوليا أو تمنح الشخص دور الضحية، لذا، اختار أن يحكي قصته ليحتفظ الآخر بالنسخة الصحيحة من القصة عن النسخة المُحسنة في ذاكرة الكاتب ووصف عجز الذاكرة البشرية في جملة: “ذكرياتنا ليست تحفة عاجية معروضة في متحف محكم ضد الغبار. بل حيوان يعيش ويلتهم ويهضم.. إنها كالتنين في الأساطير، تلتهم نفسها لأنها الطريق الوحيد الذي تستطيع من خلاله الاستمرار.” وهذا ما دفعها للكتابة، خوفها من أن تصبح بعد كل هذا نسخة غير واقعية من ذاتها الحقيقية أو أن يتساقط كل الذين تركوا بداخلها شعورا ويظل وجدانها يسترجع أطياف الوجع كلما هبّ نسيم أو انتشر عطر أو أرهفت مسمعها إلى صوت ثم تأبى ذاكرتها على تفسير الشعور وفي أسوأ سيناريو أن تحكي قصتها وتضطر لتلطيفها حتى لا يصفها أحد بالمبالغة أو شديدة الحساسية.

هي، تتذكر الموتى بشكل دائم، كأنهم حين غادروا الحياة دُفنوا في ذاكرتها بدلًا من المقابر، تذكرهم في صفو مزاجها وتذكرهم وسط المحافل لكنها لن تخبرك أبدًا بذلك لأنهم في ذاكرتها أحياء أكثر مما كانوا أبدا وتخشى أن تبتذلهم شفقة ولا تستطيع معها منعا. حين تسمع رأيها عن الموت تشعر بأنها أكثر الذين آمنوا بالقضاء والقدر وقد يستفزك أسلوبها حين تتكلم بمنطقية عن أكثر الأمور المبهمة في الكون، لكن قوتها مؤخرًا تتداعى بشكل متقطع كأن مشاعرها تأذن بالانهيار وكأن دفاعاتها النفسية سدّ من حضارة قديمة، فقد تصف لك بأسلوب أدبي شكل الألم الذي تشعر به حتى يتهيأ لك بأنه تجذر فيها ونمت له أفرع في صدور المنصتين لحديثها ثم تختم حديثها ساخرة كأنها تنتزع الألم من جذوره كما ينتزع فلّاح من أرضه الفاسد من النباتات المغروسة.

يتبع…

هوامش

ذكرى يوم ميلاد

أثناء شرح مشهد هروب أوفيليا في مسرحية هاملت، توقفت دكتورة المادة وسألت: واي آر يو ذات هابي هيا؟ وأجبت من بين ثنايا ابتساماتي التي وزعتها خلال المحاضرة: آم أولويز هابي! ولعل إجابتي أصابت في طياتها دكتورة المادة بالعدوى فضحكت وقالت: قولي الحمد لله. كان العام وقتها 2009 لكنه لم يكن مشهدًا عابرًا يحدث في عام فتتركه في ذاك العام وتكبر أنت وأبطاله ويصغر هو، لا، كان مشهدًا حيْ في طيْ مشهد يوضح دوافع ما كتبه شكسبير في القرن السابع عشر من الميلاد. هل مرّك برطمان زجاج صغير يحوي مجموعة إضاءات صغيرة يضيء في العتمة بطريقة لطيفة تبعث على الابتسامة، لا هو المتكلف ولا هو الذي منع العتمة لكنه يشع أينما نظرت من خلال تلك العتمة، هذه الذكرى أشبه بهذا البرطمان المضيء في ذاكرتي خلال الأعوام وأرجو أن يحتفظ بضيائه بقدر ما كافحت صداقتي بـ”منى” رفيقة مقاعد الجامعة التي فضحت بضحكاتها سخريتنا المخبأة فيما نظن عن أبطال المسرحية لو كانوا بيننا وقتذاك – بصرف النظر عن الزمن الذي عضّ طرف ثوبه وعجّل حتى خرجت أوفيليا من مشهد مسرحية في القرن السابع عشر لشوارع القرن الواحد والعشرين-.

أتذكر المشهد من محاضرة المسرحية لأنه تحول إلى طوق نجاة في الأيام الضبابية، رغم أن ردي على معلمة المادة ما كان سوى عبارة اعتباطية أداري بها شغبي إلا أنها مع الوقت تحولت إلى نسيج يقي وجداني من زمهرير مُر الحياة إلى أن تعود مواسم الربيع..

حين يمضي عام، نعرف ذلك بتواريخ اجتهد السابقون في وضعها لنؤرشف بين درفاتها أعمارنا، فتعرف أن عامًا مضى عند كل رأس سنة، وتعرف أن عامًا مضى حين يرى الراؤون هلال العيد، وتعرفه أيضا مع كل تاريخ يرتبط بحدث لا تتجاوزه عاطفتك، وتعرف أن عامًا جديدًا بدأ في ذكرى يوم ميلادك حين قررتْ أول مرة أن تجازف بحياتك وتختنق بأكسجين الحياة.. ثم تبكي! حيث كان بكاؤك الأول هو أعذب البكاءات وأكثرها ترقبًا، أما بقية أحزانك اللاحقة لهذا البكاء ستقابلها عبارات كثيرة مثل: “خلاص كبرت”، كأنك تبكي أول مرة ثم تراقب مراحل رفض بكائك إلا أن تختصه لنفسك.

جئتُ هنا لأوثق ابتساماتي التي وزعتها اليوم، تشبه ابتساماتي تلك التي كتبت عنها أعلى المنشور، حين اقترب منتصف الليل الذي يُشير إلى خط نهاية وبداية يوم -تخيل رقم فيْصل بين يومين أحدهم يأخذ منك فرصة وآخر يمنحك إياها- تحركت ستائر الحجرة تدفعها نسمة ليل باردة وهادئة، وعلى غير عادتي في كل عيد ميلاد أشعر بهدوء وأقرر أن أقضي أول ساعتين في تأمل السماء حالكة السواد في الخارج ووضاءة في روحي بينما أستمتع بمشروب ساخن- ضحكت رغم أن لا شيء مُطلقا يحرض على الضحك لكنها دهشتي بأفكار كثيرة تتدافع عند بوابة الشعور ومشاهدًا بالكاد تتذكرها كأنها صور من ألبوم قديم حين كنت تقاوم وتحاول أن تبلغ بأطراف أناملك أطراف النجاة، لم يطرأ في تصورك على الإطلاق شكلًا آخر لشكلك القديم.. وحين كبرت وتمددت أجزاؤك وغطت التجربة هيكل دواخلك الهزيل.. ظلّت الصورة عالقة وبقي الجزء الهش مصاحبًا لكل ذكرى ميلاد كأنها لوحة يرسمها الزمن وهو كل جماهير اللوحة.

أمنياتي كثيرة وأخجل أن أطلب الله لفرط كرمه معي، ولكنني مملؤءة برجاء دائم أن يعاملني برحمته لا باجتهادي.. يا رب أعوام من الحفظ والقوة والغِنى والعطاء والحُب.. أعوام مليئة بالطمأنينة والرضا والفخر.. أعوام يصاحبني فيها اليقين وتقترن بي القوة والرحمة والسلام.

تأملات

مقالاتي في الجزيرة الثقافية

أنا أحق بالتأريخ. (08 سبتمبر 2018)

http://www.al-jazirah.com/2018/20180908/cu6.htm

في أفضل حال.. وأنت؟ (نوفمبر 2015)

http://www.al-jazirah.com/culture/2015/28112015/nsuas42.htm

اسئلة لا تجد جوابًا (22 يناير 2021)

http://www.suhuf.net.sa/2021/20210122/cm19.htm

سؤال! (05 نوفمبر 2016)

http://www.al-jazirah.com/2016/20161105/cm8.htm

أزمهريري أشدّ أم هو. (26 نوفمبر 2016)

http://www.al-jazirah.com/2016/20161126/cm20.htm

ما لم أقله قبلًا! (16 فبراير 2019)

http://www.al-jazirah.com/2019/20190216/cm23.htm

ذاكرة الحنين (02 مارس 2019)

http://www.al-jazirah.com/2019/20190302/cm11.htm

حياة جديدة هانئة (13 يوليو 2019)

https://www.al-jazirah.com/2019/20190713/cu8.htm

ليلى (16 نوفمبر 2019)

https://www.al-jazirah.com/2019/20191116/cm8.htm

نمو عكسي (19 أكتوبر 2019)

https://www.al-jazirah.com/2019/20191019/cm4.htm

في طريق البحث عن معنى (22 أكتوبر 2021)

https://www.al-jazirah.com/2021/20211022/cm14.htm

منتصف الزمن (12 فبراير 2021)

https://www.al-jazirah.com/2021/20210212/cm25.htm

الخطأ: نية أم دافع (04 سبتمبر 2020)

https://www.al-jazirah.com/2020/20200904/cm25.htm

هوامش

حين خضتُ الاكتئاب عامًا

إفصاح: لكل حكاية نتيجتها ونهايتها، قد تفتح حكايات نافذة أمل لآخر لكنها نافذة مُحتملة فقط، المهم أن نحاول أن ننقذ أرواحنا من منعطفات الطريق الكثيرة، ونقاوم….

بدأت الحكاية في عام 2020م كأن العام ينقصه انتفاضة فرد فوق انتفاضاته الكثيرة، وباء عالمي، والسُكان يتساقطون في موتٍ جمعي و2020 تضعف مناعتها في شعورٍ بأنه غير مرحب بها، ومناعاتنا يخترقها فايروس، لا أنكر – بطبيعة التحول الذي سيطر على العام وكأننا نزلنا من منزلق حاد في لعبة “قطار الموت” وقضينا العام في صعود بطيء لمرفأ البداية والنهاية- أنه أصابني يأس في أيامٍ كثيرة مما يجري، وأنني استيقظت من نومي ليالٍ كثيرة أتفقد صوت تنفسي. وإضافةً إلى أنني شخصية تتجنب لمس الأشياء في الأماكن العامة، زاد الحرص أضعاف وفي تعبير من صديقة: “هيا في قمة سعادتها، كأنها ما صدقت علشان محد يقول إنها موسوسة” وقد صدقتْ فيما قالت، لكنها نسيت أن يمارس المرء مخاوفه في وسط جو آمن ليس كمن يمارس مخاوفه في جو يهدد بالموت من عدو لا يُرى، أن تتجنب ما لا تراه وتسخر من نفسك في خفاء: ماذا لو كان الفايروس يستريح على ملابسك وأن تظنه على مقبض باب السيارة. يبدو الاكتئاب وقتها جمعيًا، الجو باعث على الكآبة، والأفئدة ضيقة في كل مكان، الجو العام يخلو من الطموحات، والناس بدأت تسخر من قوائم أهدافها السنوية، الأفراح تأجلت والأفواه لا تلوك سوى التحذيرات. وقتذاك كان مستحيلًا أن يشعر المرء بالاكتئاب ويقول بأنه اكتئاب، ضاعت هويته وسط كل ذاك الزخم من الهم.

في آخر العام، ومع كل أهازيج الفرج، الأحضان بين أولئك الذين انقطع بينهم الوصل ووصلوا، الأفراح التي جاءت كثيرة من بعد أشهر من الظمأ، الإنجازات التي يُحتفى بولادتها من خاصرة الأزمة العالمية، كان يشغلني سؤال واحد فقط: لماذا كل هذا الحزن؟ بلغ الأمر أن أبكي كلما قضيتُ الليلة وحيدة، لم يكن بكاءً مُرفّهًا، كنت أشعر بأن ألمًا في صدري ضعيف البنية ويجهل نسبه، ألم تائه بلا سبب يُمكنني من احتوائه، كأنني أراه ولا أملك خيار التعامل معه، بعيد جدًا. كل القصص التي أسمعها تُثير قنواتي الدمعية رغم أنني من الأشخاص عصيي الدمع! الموسيقى، الدراما التلفزيونية والدراما الواقعية، مواقع التواصل الاجتماعي مكان عملي، كلها أشياء تثير رغبتي في الانطواء. بدأ الماضي يسيطر على حاضري، ولأول مرة في حياتي أشعر بأنني وحيدة! وضاعف الشعور دعوات اللقاء من الأصدقاء والمعارف، فكان البكاء على شعور الوحدة وعلى إدراك أنني لستُ وحيدة! أذكر أنني مرةً في بكاء قضى على طاقتي سألت نفسي: “ليش أحس أني وحيدة وأنا مو وحيدة؟” لم يكن كل هذا الألم مرئيا أو واضحًا، فكنتُ أحتفل مع المقربين بإنجازاتهم وأدير ظهري في نفس اللحظة في حزن معتم كأن أحدهم قابض على قلبي كل تلك الفترة. وبدأت تراودني أفكار معتمة عمن أحبهم، وأختلق أسبابًا لاطمأن عليهم دون أن يكون هذا الوهم همًا مضافًا لما يعانوه إثر الجائحة، وحين التقيتُ بصديقات وكنت أقصّ عليهن كيف تحولتُ لشخصية حساسة يثير بكاءها ما يثير البكاء وما لا يفعل، قالت صديقة: “عين!” في تعبير بسيط أن كل ما قصصته لا يشبه شخصيتي. جاء العام الجديد 2021م، دخول العام كان حدثًا مُرهقًا كزائر يأتي على غفلة، حملتُ هاتفي والتقطتُ صورة لمكاني الذي ما برحته وقتًا في بكاء مرير، ونويتُ أن أتطفل على الماضي في المستقبل، وتمنيت أن أكون وقتها قد تخلصتُ من أحزاني، وعرفتُ أسباب كآبتي، ولأصل لهذه النتيجة اتخذت قرارًا أن أنهي هذا البؤس، وإن كان لابد منه فسأضع له حدًا، هذا البكاء المتكرر بدأ يجهدني، والحزن يتغذى علي إلى درجة أني فكرت في أن أترك عملي.

سجلت في تطبيق “أمريكي الجنسية” للاستشارات النفسية، كان مهما بالنسبة لي ألا أتواصل مع من يتحدثون لغتي، ألا يخبرني أحدهم عن الوازع الديني وألا يكون اسمي في ذاكرته لأي سبب، كان هذا التطبيق (رغم أنه مكلف ماديا) سخيًا معي، حيث يمنح المستخدم مجالا لتغيير الطبيب إذا ما انسجمت أفكارنا، أذكر أنني قضيت أسبوعًا أبدّل الأطباء تباعًا، رغم أني كنت صادقة في كل ما قصصته لكن سؤالًا واحدًا (تافهًا في نظري) لم يستطع أحدهم من الإجابة عليه: why do I feel sorrow? كانت تأتيني الإجابة نفسها: هذا السؤال “وحدك يمكن الإجابة عليه”. وفي كل مرة أُحبط من ظهور هذه العبارة على شاشتي: لو كنت أعلم أسباب تعاستي لما تكبدت البحث للوصول إلى هنا.

وحين كانت معاناتي وأحزاني عصية على أمريكا، فكرتُ فيما لو كانت المشكلة أنني لا أعرف كيف أتعامل مع الحياة بعد كل هذه الأعوام، وكان الحل “مدرب حياة” وتكبدت مبلغا ماليًا آخر لحجز موعد مع مدربة حياة وهذه المرة كانت محلية، لأسمع ما تقترحه علي، أنا التي ما آمنت أن للحياة مدرب، أخذني الحزن المحيّر إلى هناك، لا أنسى تعبيرها عن سعادتها بمعرفتها لشخصي المكتئب وقتها وقالت آخر الجلسة: “هيا ودي أصير صديقتك، أنتِ من الأشخاص النادرين.” خرجتُ أجتر الحزن والإحباط مجددًا، وأبكي، ليس لحاجة، لأن الطريق في السيارة بات وقتًا أملأه بالبكاء، سجلتُ في دورات تدريبية عن الحياة، عن الفرح، عن تنمية الذات، تكدس سجل قوقل الخاص بي بدورات تدريبية أحضرها لأسخر من محتواها، تحولت إلى فيلسوفة وجودية، واعتزلت الخوض في الكلام مع أحد وحساباتي في مواقع التواصل الاجتماعي، أصبحتُ أخاف من أتفوه بفكرة يتبناها من يجهل دوافع أفكاري وقتذاك، خسرتُ وزنًا كلفني أيمان كثيرة بأنني لا أتبع نظامًا غذائيًا، وفي وسط كل هذا الشتات قررت ألا أخسر جسدي ونفسيتي معًا، ليخرج أحدهما سليمًا من هذه المعارك الباردة، أن أعيش العمر بانتصار واحد على الأقل إن كان لابد من الحياة.

قالت طبيبة الأسرة الطيبة: تعالي بكرة يا هيا تكون التحاليل طلعت.

وجاء بي الغد إلى باب العيادة، وفتحت حاسوبها تكتب بخفة حروف اسمي، ثم اتسعت عينيها ونظرت باتجاهي: هيا! أنتِ عارفة أن فيتامين دال منخفض انخفاض حاد جدًا عندك!!!

جاءت عبارتها بردا وسلامًا، بددت بكلماتها ظُلمات كثيرة، أسفرت عن سعادة كنتُ أتشوق أن أضمها بين أضلعي منذ ما يقارب العام: الحمد لله!!!

بعد أن أخبرتها عن سبب سعادتي بما قالته، أجبرتني على تحاليل أخرى تبين من خلالها أن فيتامين ب12 منخفض مما قد يتسبب بأفكار سوداوية للفرد، ويكثر الشرود، والكسل، وفقدان الشهية… الخ.

خانتني صحتي، وتدهورت في ظروف استثنائية واختلط الواقع العام بالشخصي، فصار جُل تفكيري في أثر الازمة على العالم ونسيتُ بأنني جزء من هذا العالم وبأن الجائحة ليست سبب كل شيء لو كانت الأسوأ.

بالنسبة لعرض مدربة الحياة بأن نكون صديقات، لم أفعل. خشيتُ على رأيها فيْ من شخصيتي بعد أن يتجاوز جسدي أوهانه.

هوامش

قرار حظر التجول

This image has an empty alt attribute; its file name is 48234-e1586630476482.jpg

راودتني فكرة أن أكتب تقرير عن هذه الأيام التي تعبر الزمن بينما نحن محتجزين في منازلنا، منازلنا التي ولأول مرة نختبر الشبه بيننا وبينها، ولأول مرة نشعر أن أجسادنا عالقة على أرائك لا تناسبها! كنتُ أحاول أن أنتهي من كتابة تقرير الأسبوع الرابع من العمل عن بُعد وأتساءل إن كنا قادرين على إنجاز كل هذا وأطراف المعنيين مترامية فعلام تغص مدينتنا الترابية بمبانٍ خرسانية أكثر مما تفعل شجرة.

حظيتُ بأسبوع عمل ميداني وشهدتُ مدينتي المكتظة دائمًا وهي تودع أولادها تدريجيًا، تذكرتُ فكرةً ألقيتها قبل عامين في أذن فنانة تشكيلية، فكرة كانت تراود خاطري وتؤلمه بشكل غامض، بأن ترسم المدينة خالية، أن ترسم لوحات الدكاكين ومواقفها برمادية، وأن تترك لوحة صفراء لدكان قديم صغير، صار هذا الدكان القديم أغلى ثمنًا من أغلى علامة تجارية وبات الشعور الغامض واضحًا، يرسم بخناجره على سور محبتك لأرضك، ولا يكتفي بحدود مدينتك، يسحب على بساط الخوف شُرفتك التي وقفتَ بها طويلًا في مدينة أخرى من مدن أرضك، وتتذكر سواحلها التي يغطيها البحر مدًا وجزرًا كأنما يمتد إلى فؤادك ويصيب بملوحته شؤونًا داخلية.

انتهي اسبوعي بقرار جمعتُ فيه كل أوراقي وملفاتي التي لا تزال تحت الاجراء، كان باب مكتب مديرتي مفتوحًا، لوحتُ له مودعة وسألتُ إن ما كانت تحتاج لأي شيء، لكنها أجابت: الله يعين! من الغريب أن نُجبر على فعل كهذا وتراودنا رغبة في عدم التنفيذ كنوع من إنكار الحدث أو تفاؤل.. ربما! وأنا التي قبل فرض الحظر كنتُ أنوي التقديم على إجازة سنوية! ما أن اشتكت أرضي ألمًا حتى صار التوقف عن العمل فيها مؤلمًا! كأن تربتها التي فينا اشتكت وتألمت! كنتُ أتأمل بهو الخروج خاوٍ على عروشهِ، نحن الوباء الذي يجب أن ينحسر حتى لا تفقد الأرض كل إمكانيات العيش فيها، نحن الوباء الذي حمل حقائبه واختفى من على السطح!

تحكي لي زميلتي عن شكل الحياة في سن التقاعد، وأخبرها عن شكل الحياة الحقيقي الذي نفر منه صباحًا إلى العمل ومساءً بالنوم، وأعلم بيقين عن أشكال كثيرة للحياة تراود رؤسًا أخرى متأملة، غابت الظروف التي غيّبت معظمنا عن أهله ليكتشف بأنهم أغراب من البداية وعليه أن يألف العيش معهم كأنه ما أمضى أعوامًا يفعل ذلك بطريقة آلية. مؤسف، أن تضطر لمواجهة واقعك الذي جاملتَ فيه عمرك القصير، وإن فكرتَ للهرب منه سيقتلك ميكروب لا يُرى. لا يمكن أن تختار هذه المواجهة لو لم يجبرك عليه جُرح ينزف في أرضك، شفاؤه في أن تضمد جراح حياتك التي ما انفكت تنزف بعد كل مرة تُنكأ من مكان تخثرها!

أستريح في غرفتي التي أحبها وأشرع نوافذها المُطلة على فناء السطح لتستريح نسائم الليل الكئيب بالداخل، أحسبُ ميزانية مشروع، أكتب تقرير، وأتصفح البريد الالكتروني، أرسل رسائلًا تخص العمل في وقت متأخر من اليوم أو مبكر، لكنه وقت يقع بين شدة الوقوع في النوم وبين اقتراب ساعة العمل، واتساءل عن التوقيت السيئ! وأتذكر كلامًا قرأته على إحدى منصات التواصل الاجتماعي عن زوجين قطعا أميالًا لأسبوعين عسل، ووقعا في الحظر ليكتشفا بعضهما كَرهًا! أنعتبره أسوأ توقيت لأن المعرفة جاءت في غير مكانها، أم يُعد توقيت جيد يختصر أعوام التجاهل التي يعيش تحت وطأة زوالها آخرين! ثم نقول عن ميكروب بأنه وباء! يبدو أننا مصنع أوبئة خاملة تفاعلت مع بعضها حين أعلنت الأرض أنها ما عادت قادرة على حضانة كل هذه الميكروبات.

Scroll to Top