السير باتجاه الشمس

كتبت فيرجينيا وولف في مذاكراتها “لا أعتقدُ في الشيخوخة، بل أعتقدُ في تغيير وجهة نظر المرء باستمرار تجاه الشمس” وكنتُ أظن بدايةً أننا نسير منقادين نحو الشمس لأن الزمن يُلبسنا عدسته الأصفى في كل عام من ميلادنا الأول، وفي كل مرة نُبصر الشمس أشدّ صفاءً مما كنا نفعل، ونعي الوجود بتعقّل تراكم فوق ما تراكم سلفًا. وكنتُ على استعداد أن أسير نحو الشمس بنفسي، أن أرفع السجاد من فوق ما راكمته ومشيت فوقه حتى لا ينتبه أحد إلى ما يُعكّر صفو الإنسان الذي يقتحم أبوابًا جديدة؛ وأعني بيقتحم لأنها المرة الأولى التي أوشك فيها على السقوط وبدلًا من أن أستريح في سقوطي، تشبثتُ بكلتا يديّ على حافة السقوط.. تحملتْ يداي التشبث وحيدة، ولم يجرؤ أحد على أن يمد يده ولو أن يدًا امتدت لما استطعت أن أفلت الحافة لألحق بيد قد تعاني من الهشاشة أكثر مما يفعل وجداني وقتها. بعد عام من التشبث بالقيمة؛ ألا أبطش، ألا أنتزع حقًا، ألا أتناول من طبق السُلطة الشهي كي لا يتسمم غيري. بعد عام من محاولة التصدي للأذى بالتغافل أحيانًا وبتحويله إلى نكتة أحيان أخرى، وتأجيل الفهم ودفن الأذى تحت سجاد الوعي. قررت أن أسير إلى الشمس، أن أفهم من أين تأتي اليد التي تشد ظهري إلى الوراء لتتراجع خطوتي، ومن أي سماء تهطل أسراب الألم والمسؤولية لتسكن كتفي وتزيد وزن خطوتي.

وبدلًا من أن أسير إلى الشمس بخطى ثابتة ومستعدة أو خائفة ومترددة -لا يهم-، أشرقت الشمس عكس اتجاهي، وتقابلنا! التقينا عرَضًا وبدون تخطيط ولم تكن إحدانا جاهزة للقاء الأخرى، تقابلنا في وسط الذهول، حدقتُ في قرصها المشتعل ورغم أنها دثرتني بأشعتها المنتشرة إلا أن زمهرير الحقيقة كان أعتى. مرّت سنون أقصّ فيها على نفسي القصة ذاتها كل ليلة حتى لا أنساها؛ لا أنسى تاريخًا قادني مراتٍ وسحلني مراتٍ وخنقته بيدي مراتٍ حتى أضحى وجداني الغضّ وليمة في مائدة التأنيب، إن حاولتُ أن أفلت من بين أنيابه الحادة علق طرف ثوب كبريائي بين ثناياه وأشدُّه حدّ التمزق ثم أرقعه تحت مظلة الليل دون أن يسمعنا أو يشعر بنا أحد. التقينا بعد أن خسرتُ معاركًا لا غنائم لي فيها وخرجتُ منها بمغارم جرّاء مروءةٍ موهومة! التقينا بعد أن انطفأ صوتي واختنقت نبرتي في خطابات لاسترداد حقوق رأيتُ في قرصها المشع أنها غير منزوعة! التقينا بعد أن مزّقتُ وجداني في مقاومة أمور لا أعرف كُنهها، وبعد أن أضعتُ هويتي وخفتُ كثيرًا أن تتسرب الأسماء من ذاكرتي قبل أن تخترق يدي أفئدتهم وتنتزع سكينتهم ولكنني في المقابل مسحتُ بيدي ما قضّ طُمأنينتهم واحتفظتُ بالأسماء ليومٍ ما! وحين حدقتُ في الشمس تساقطت الأسماء من على كتفي تباعًا، احتفظتُ بالخوف أعوامًا كثيرة ورأيتُه اليوم هامشًا عاش معي طويلا على أنه بطل الرواية! جاءت الشمس مصادفةً ولا أدري هل جاءت متأخرة أو في توقيتٍ سأشكرها عليه لاحقًا، لكنها اخترقت ثوابتي وصهرتها في لظاها وتركت المكان مهجور! ولأنها أحرقت أركان إيماني التي استندتُ عليها أعوام كان البرد أشد وكان الفراغ أبلغ. أقول -في لحظة ساكنة- الأسوأ من العمى، أن تبصر الأشياء بعدما اعتدت عليها في العُتمة. أو أن نبصر أمورًا كنا متخففين بدونها قبل أن نبصر وجودها! وتُدهشنا قدرتنا على حَمل كل هذه السذاجة في عقل واحد! -أو البراءة- جميعها تؤدي إلى ازدراء المرء لذاته! لكن المفارقة جاءت بعد الحديث بأيام؛ أن البصيرة أحيانًا تعرقل الطريق وتهدم الجدران التي نستخدمها في المسير.

حين تكشف الشمس النص المفقود من القصة، تكشف معه مخاوف جديدة، وفوضى جديدة، وتُعرفك على ألم جديد ومختلف؛ ألم رومانطيقي مصحوب بتهكم.. لكن في هذه المرة تُحدق باتجاه الحقيقة ما يجعل الأحداث منطقية، وتعيش أعوامًا تُعيد فيها تصنيف المواقف، والحكم على الأشخاص، ومعالجة الألم، وتقديس السكينة.

مرّ عامين منذ آخر تدوينة، عصفتْ الدُنيا حول خاصرتي ولم أكُن باللياقة التي تسمح لي بالتماهي مع تيّارها.. خلال ذلك، عرفتُ كثيرًا، عرفتُ شكل الأبواب المُرحبة، وعرفتُ الطُمأنينة على كتف ثابث، وعرفتُ شعور أن أحمي نفسي أولًا، وعرفتُ ألا أحاول إنقاذ من يستمتع بالغرق، وعرفتُ أن الأوقات تتأخر أحيانًا.. تتأخر حتى لو قال مطوري الذات “it is never too late” أحيانًا بلى. وعرفتُ أنني وبرغم هشاشتي أُجيد الوقوف أمام الشمس والتحديق فيها بدون أن يشعر أحد أنها تُذيب أركاني وأنني قادرة على إخفاء ارتجافة أقدامي.

وكتبت وولف أيضًا فيما معناه “الحياة ليست سلسلة من المصابيح المرتبة بتناسق” في حين تعتقد أن القصة اكتملت، ستجدّ تفصيلًا صغيرًا يُغيّر المعنى ويعيدك إلى “كان يا ما كان”.

مذكرات فيرجينيا وولف (مصدر الاقتباس)

اترك رد

Scroll to Top

اكتشاف المزيد من تدوينات هيا الزومان

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading