مقالات وجدانية

عام جديد وإنسان قديم.

أغراني شكل التاريخ للكتابة، اليوم الأخير في العام الأسرع من بين الألفين عام.

سأكتب أنني لازلتُ أحلم بإقامة ثورة على مستوى شخصي، أن أنشر كتابا عميقا يُبهر عمالقة فن البلاغة ولكنني حتى الآن لم أجرؤ، انتصرتُ على وِحدة الوقت ولم يتغير خوفي، بل صار عزيزًا ومنيعًا.

زادت الفجوة بيني وبين الواقع، الفواصل الذهنية تتمكن مني دون وعي.. تضحك زميلتي في العمل على سرعة شرود ذهني في وسط حديثٍ ما.

أما الأخرى فأبدت إعجابها لأنني انتبه لتفاصيل لا تخطر في بال الشخص العادي!

أمست معادلة فلسفية؛ الشخص العادي وأنا!

لن أكتب عن خسائرنا الفادحة، فهي أشبه بكيس لا قاع له ومع هذا مزدحم.

سأكتب عن الحياة التي يبدو أنها تختصرنا في شخص واحد مات منذ أكثر من الالفين وخمسة عشر عام..

كيف يحيا الانسان فينا قبل أن يموت؟ هل يُدرك شيخنا شيخوخته؟ وهل تستوعب أمهاتنا أننا حدث غير عادي في حياتهن؟ نحنُ عداد أعمارهن الذي أفنينه مع رجال -لا يملأ أعينهم سوى التراب- من أجلنا؟

يُجيبني والدي وهو يرتشف شايا أحمر في كوب زجاجي بلا لون: أنى لي أن أسافر لوحدي وأترككم؟ ماذا أفعل في السفر يا ابنتي؟

– عِش.

– أنا أعيش الآن.

ويرفع صوت الرائي على أخبار عدد القتلى والشهداء وانتصارات الرجل الابيض في الوطن العربي!

آه صحيح الوطن العربي، أهرع لخريطته وأبدأ بطمس الدول التي ما عادت تصلح للزيارة..

مصر، سوريا، ليبيا، اليمن، لبنان…. وانتهت الخريطة بيضاء بلا ملامح، وبقيت كلمة فلسطين.

فلسطين لم تُهزم؛ وُلدتُ وفلسطين تقاوم، لذا سأزورها قريبا إن شاء الله.

ينتهي عامي وأنا لازلتُ أقتات على الاكتفاء الذاتي، سنين عجاف أمضيتها أنظر عن أهمية الذات، حتى أنني ابتاع الورد بنفسي، أدسُّ وجهي في الباقة وأستنشق، أرفع رأسي ثم أزفر الهواء: رائحة الحياة!

ولكني لا أخجل الآن أن أعترف أني أضعتُ ذاتي!

في يدي اليسرى أثر حرق، يثير فضول كل من يراه، في البداية أعجبني وانصرفت أفكاري لقصائد الشعراء في مديح هذا النوع من الجروح، حتى استيقظتُ ذات صباح، ورحتُ أدعك يدي بقوة لإزالة الأثر لكن الأمر لم يفلح!

تخيل أن تعيش حياةً بطلها أثر جرح على يدك؟ تخيل أن تبتسم لغريب، والغريب مُكفهرا ينظر إلى يدك!

في جلسة هادئة نوعا ما، تأكدتُ أني ولله الحمد غير مريحة، أجل، شوط من العمر، وربع قرن، ثم الناتج ماذا؟

أن الآخر يرتشف قهوته بسرعة حتى ينصرف من أمامك!

أن الآخر يتحدث باختصار وبسرعة حتى يُنهي مكالمة هاتفية تخص العمل!

أن الآخر لا يبادر بفتح حديث لانه يخاف انزعاجك، يخاف من طريقة تفاعلك!

أن يكون الآخر زميل؛ جيد نوعا ما؛ فتقنين بعض العلاقات محمود، لكن أن يكون الآخر أحد أفراد عائلتك فهذه هي المصيبة الأعظم.

مؤسف؟ صحيح، لكن الوقت لا يتسع لأن نشعر بذلك، وإلمَ يتسع الوقت؟ للمزيد من السخرية عليه؟ لتزييف الحقائق التي لا تعجبنا؟ ولتكذيب أصوات ضمائرنا وتجاهل الحزن.

أن تتجاهل الشعور أسوأ بكثير من مواجهته، ولأن المواجهة فيها حقيقة صعب الاعتراف بها، فالتأجيل إذن الأنسب.

يتكدس الحزن، حزنا فوق حزن، وهما على هم، وتمسك عجوزٌ بيدي تقول: من يطلب يدكِ للزواج يا ابنتي وبها أثر جرح؟

أضحك، وكأن اهتمامات العالم انطوت بين طبقات جلدي!

الجيد في العمر أنه يعلمك كيف تسخر من مشاكلك وتقضي معظم وقتك تقهقه!  

تصيح بي: توقفي عن عادة السخرية، الموضوع جاد جدا.

كل المواضيع جادة يا أختي، ثم أن السخرية هي العادة الوحيدة الجيدة وما عداها سيئ.. ستصدقيني في يوم ما وستضحكين مرتين، مرة على المشكلة ومرة لأنها عادة جيدة.

3 رأي حول “عام جديد وإنسان قديم.”

  1. عنوان مميز و لافت ، نص جميل .
    اعتقد بأنك فرغت ابرز حواراتك للعام المنصرم ، انشغالاتك و اهتماماتك في هذا النص اللافت .
    فلسفة السخرية و الإحساس بالرغبة بالهروب للأمام ذكية جدا مع هكذا عصر .
    نص من فئة السهل الممتنع .
    برافووو

  2. إن المُشكلةَ الأعمق هي أننا كيفَ نكبر ؟
    وكيفَ كبُرنا بهذهِ السُرعه ؟
    وكيفَ هوَ شُعورنا ونحنُ ننمو بسرعةٍ تفوقُ إستعدادنا ؟
    إنّ أرضنا تُنبتنا بشكٍل أسرع من المتوقع ، ونذبلُ قبل كلِ نبتات الارض وكأنّ خارطةَ عُروبتنا سقت اراضيها بنفاذِ صبر !
    فنجدُنا ننمو ونكبرُ ونشقى ونتحمل ونُقاتل اسرع بكثير مِن مَن ينتمون لخارطَاتٍ أخرى !

    وأني كأيّ اي عربيّ بلا حيله ، أُعلق بعض التعاسه على شماعاتٍ جمّا واتملصُ من كوني سبباً في بعضها ، شمّاعة العروبةِ اولهم ، والعادات والتقاليد الرثةِ البالية ثانيهم ، ونمونا السريع ثالثهم .

    ولأني اشعرُ انّ ماكتبتِ يُمثلني واشخاصاً غيرنا آخرين بالتأكيد ، كتبتُ ما كتبت !
    واتمنى في مطلع عام ٢٠١٧ أن أجدَ لكِ كِتاباً يقرأُنا فيه العالم بكلِ ما اوتيّ من شعور !
    لكِ السلامه ❤️

اترك رداً على Dana Saud إلغاء الرد