مقالات وجدانية

في أفضل حال، وأنت؟

– مرحبا.

– أهلا.

– ما أخبارك؟

أخباري؟

“توظفتُ حديثا كمعلمة مرة أخرى، القدر يأبى إلا أن يجعلني مربية للأجيال، يبدو أنه فيّ من الصلاح ما أجهله.

طالباتي يصغرنني بسبع سنوات أو ربما أقل، من هنّ الأم والحامل والمرتبطة حديثا والمطلقة أيضا.

أكملتُ شهرين في وظيفتي الجديدة، وأعتقد بأنني مستقرة إلى حدٍ ما.

وعلى الصعيد النفسي سأكمل شهرا من الشهرين، وفي قلبي رقعةُ غضب وشيء من حزن.

الحزن الذي يلبس بدلة تهريج ويقف أمامك مستعرضا حركاته وأنتَ تقهقه وتتحدث والعالم يضحك من حولك.

أشعر بأن كتفي عارٍ، ومزخرف، يسرُ الناظرين، يلتهمون منه بجشع ما طاب لهم وما لم يطب!

أحاول أن أستتر ما استطعت، لكنني مؤخرا بتُ أراني في منامي عارية والعالم ينظر إلي، أفيق فزعة، أشد لحافي إليّ وضربات قلبي لا تكف تنتحب.

ما عدتُ استمتع بالصباحات، ولا عادت خطوات الليل الأولى تغريني.

تحولت الشمس لبر أمان في نفسي؛ يُبقي العالم مستيقظا معي، والليل جاثومٌ يطبق على صدري كما يطبق على كبد السماء، لأنه فقط يجعلني في مواجهة مع النعاس!

استقطع من وقتي مؤخرا لأتنفس بصوت عالٍ!! أتنفس أجل أتنفس.

ماذا يعني أن تشهق وتزفر الهواء، لكنك لا تشعر بالحياة؟

ثُمَّ أخبرني أليس من حقنا أن نحب ونكره، نقبل ونرفض.

رويدك، تجاهل سؤالي هذا فالاجابة يسيرة، وأجبني: متى صار كف الاذى جريمة نُعاقب عليها؟ ولم غدى الصمت خُرقة تُمسح بها كرامتنا؟

دعني أتوسل إليك؛ هلّا سألتَ العالم رؤيتنا؟  اكتب لهم أن الرفق ليس ضعفا، وأن أفواهنا التي أغلقناها أبدا.. لا تعني بأن لا نفس لنا تشتهي وترغب!

وأننا حين نضحك نزداد صلابة، وأن الألسنة المعقودة تنحل عقدتها مع المحاولة والتكرار، وأن لنا قلوب توصد أبوابها في حين غفلة.

واعلَم أنك حين تكتبنا لن يقرأنا أحد! ومن يقرأ آخرًا كره فيه ما كره، وحاول جاهدا أن يلبسه ثوبا لا يليق به متجاهلا كينونته!

قلتها سابقا وسأعيدها حتى نحفظها عن ظهر غيب، العالم لم يعد يطيق بعضه بعضا!

ولك في أول تنهيدة ضيق تصدر منك، لتتهافت الأصوات من حولك: ما عهدناك بهذه الصورة!

تضحك مجاملةً وتُحدثك نفسك: متى عهدوك أصلا، ولم قننوك في صورة واحدة رغم أنك كائن حي ولستَ صورة تم التقاطها مرة وظلت كما هي!

أعيش هذا الشهر استجدي البكاء، أصبحتُ ثقيلة جدا من الداخل، والحياة لا تكف عن إدهاشي.

نبت في صحراء قلبي القاحلة صبّار، ضمأ قلبي، وضمأ الصبّار ولازلتُ أحاول أن أبكي.

لعلك تضحك الآن، فمن السخرية أن تمثل البكاء، لان العالم اعتاد تمثيل الضحك فقط!

في أوقات معينة، أشعر بنفسي تغص، أنكفئ عليها ولكنني لا أبكي!

لا تُربت على ظهري ولا تمسح بشفقة على رأسي، لا تتعب نفسك في تمثيل دور المهتم، ولا تُمطر علي بوابل من الكلمات الايجابية ولا حتى بالسلبية!

دعني أحزن، دعني أمارس حقي في الانسنة، لا تجعل لنفسك سُلطة على مشاعري.. نحن نحزن بهدوء تجنبًا لمثالية الآخر.. لا نهذي حتى لا نسمع!”

أخباري؟ الحمدلله في أفضل حال.. وأنت؟

مقالات وجدانية

اربعمائة وخمسين يومًا من الحُب.

أربعمائة وخمسين يومًا من العطاء المعنوي والحصاد المُجزي.

أكتب مُودعةً وظيفتي التي ماكنتُ يومًا أطمح إليها, وامتهنتها في محض صدفة؛ من عاطلة لمدة ثلاث أسابيع تتناول وجبة إفطارها في ساعة مبكرة إلى اتصال هاتفي أنهى وجبة الافطار وإذا بي معلمةللصف الخامس في العاشرة من ذات الصباح!

مجتمع المدرسة الذي عشتُ أمقته في حديث المعلمات, وظيفة تُشبه مقاعد الحرير المريحة والكثير من تفاهات الفتيات بمختلف مراحلهن!

أما المحيطين بي فهتفت أصواتهم بالتهاني والتبريكات وجُملة: لحسن  حظك, وظيفة سهلة وإجازات لا تُعد ولا تحصى!

في شهوري الثلاث الأولى والتي توافق الفصل الدراسي الثاني, كانت الأصعب والأكثر إرهاقًا.. لم يعد بعدها التدريس شيئًا سهل الممارسة وعاديًا, ولا المعلمات نساء محظوظات, انكشف غطاء الهيكلالمدرسي ولم يعد في نفس الصورة النمطية المتداولة عند الآخرين.

ثلاثة أشهر حاولتُ فيها أن أجدني ما بين الفتاة الطائشة والمعلمة القدوة حتى ضعتُ في أوامر المشرفة وتعليمات الوكيلة وسجلات المتابعة والتحاضير اليومية وخطط الضعف وجدولة المنهج وتصحيح كُتب, دفاتر, أوراق عمل وأوراق اختبار.

حتى شخصيتي ما عادت تشبهني وصرتُ أُوجس خيفةً من المرشدة الطلابية لكثرة تكدس خطابات الشكوى من الأهل!

تغيرتُ أنا الانسانة البسيطة ولم أتغير كمعلمة, كنتُ أتجاهل التعليقات التي لا تعجبني كأنني أعاقب الآخرين على حساب المرشدة المغلوب على أمرها.

وفي الجانب الآخر, ذبتُ في أول رسالة لُفت بعناية شديدة وخُطَّ في أولها كلمة: أحبك.

كان لي النصيب الوافر من ثرثرة الطالبات ومن تلويحهن في الأسياب حتى صارت جُملة: “أتوق لتكوني معلمتي” من أكثر الُجمل ترديدًا على مسمعي.

وأسأل نفسي في كل مرة إن ماكنتُ حقًا معلمة جيدة، أم أن طالباتي فُقنني خُلقًا وتجاوزن عن سيئاتي في أحاديثهن!

أربعمائة وخمسين يومًا ولا أعلم ما سر صفاء النفس الذي يغشاني بينهن، في صف رُصت مقاعده بترتيب واستحالت فوضوية بفضلهن.

ستٌ وستين شخصية تنوعت مابين الهادئة والمشاكسة، الضحوك والمتذمرة، المجتهدة والمهملة وشخصيات كثيرة لا أعرف لها مصطلحًا.

اربعمائة وخمسين يومًا كنتُ فيها أختًا لهن، لم أكن أمًا لأنني لستُ بالقدر الذي يجعلني أنزل هذه المنزلة المُقدسة.

ولأن الحاجة للأخت ذو أهمية بالغة فقد حطّت في صدري مشاعرهن السلبية والايجابية وأسرارهن البسيطة والمعقدة حتى لم أعد أطيق تعليقًا سلبيًا في حقهن.

خضتُ نقاشات جدية مع الزميلات في سبيل الدفاع عن شغبهن، ودخلت في مشاجرة مع أخريات من أجل رضاهنّ.

بذلتُ كمًا من الشعور في غير تفكير، كان المنطق يستحيل لمعادلة لا فائد ولا عائد منها في حضورهن.

صار طريق المدرسة ممهدًا بأسمائهن، ومع كل اسم موقف يبعث عالابتهاج.

اربعمائة وخمسين يومًا عشتها في كنف الحب.. أُغدقت بكمية اهتمام ومفردات ركيكة من الغزل.

ليان السديس وتسريحة شعري التي جعلتها يومًا تنطق معبرة أخيرًا: الله شكلك مرة حلو اليوم.

وصوت شادن تهتف من آخر الممر: مٍس هياء.. سلامتك.

ونوف تُخبر زميلتها التي سألتني أي الألوان أُحب فأجابت: مس هياء تحب اللون الأصفر.

اربعمائة وخمسين يومًا اسألني فيها: أي صلاة من أجلي أُجيبت على هيأتهن

ّ

!

اربعمائة وخمسين يومًا اختصرتها عيني إحداهنّ اليوم، ولازلتُ أستجديها في رأسي أن لا تبكي يا صغيرة فما أنا إلا مغلوبٌ دعا ربه فكنتِ

أصلح الله القلوب الصغيرة التي جعلت مني أكثر مرونة وتقبّلا, وملأها بحُبه وذكره.

هو وحده يعلم أني أحببتها  حتى وإن أخفقت في التعبير أو العمل بذلك الشعور.

وهو أيضًا يعلم أنني وجدتُ الحب لأول مرة في أعينهن.

رافقهن التوفيق وبارك تخرجهن من الصف السادس.

“إن أصبت فمن الله وأن أخطأت فمني والشيطان”

مقالات وجدانية

ثلاثةٌ ورابعهم هوية.

” لن أبدأ رسالتي برجاء أن يكون مساؤك خيرًا لأنني بحق لم أعد أعلم في أي البقاع تجلس ولا على أي الشواطئ تقف لتُودع أحزانك.

كنتُ قد عاهدتكَ في رسالتي الأخيرة أن أكتب إليك كما كنا قبل عهد ازدواجنا.

الآن أخط رسالتي إليك كما لم أفعل من قبل, فلم تعد أنت المادة المثيرة لكل سؤال يختبئ في حيرة.

أعتقد أن الفلسفات التي ننظمها لا تتعلق بنا كأفراد إنما هي مسألة وقتية تتعلق بالعمر, ففي إحدى الدقائق تنتفض هوية الواحد منا, لتصفعنا بلظى التيْه حيرتنا في أمرنا.

أتساءل هل نحنُ المُختارون في كتاب الأقدار لنجلس في هيئة سلسلة تنتهي كل عقدة بسؤال يبعث في النفس غيبيات لا علاقة لها بسوانا.

في بداية الحلقة تجلس أنت وأجلس بجانبك في فخر كاذب, لتُملي علي كلامًا كنتُ أكاد أجهل معظمهُ وأشعر بالباقي منه يخنق الروح بوشاح أبيض يستحيل بلا لون مع كل غروب.

أما وأنا أكتب لك في هذهِ اللحظة فلستُ أُقرؤك البشائر بأن عددنا ازداد واحدًا, أمسينا ثلاثة ورابعنا هوية بيضاء بلا ملامح واضحة.

البشائر ستأتينا حين تُشرق نفس الشمس دون أن تستيقظ نفس الاستفهامات.

في أول جسر اللقاء كانت ثقيلة , عينيها تَشي بالكثير, في صورٍ عفوية كتلك التي اعتدتَ أن تلتقطها لنفسك.

للواحد منكم ذات الطقوس, وكأن عهدًا كُتبَ عليكم بأن تلعبوا بمعايير الوِحدة عينها.

وأنا أتأمل من زاويةٍ فقيرة وأحاول أن أترجم فكرةَ لماذا يجب أن يكون التائهون بصورة جمالية مكتملة , تصلُح أن تُعرض في إحدى متاحف العالم الشهيرة.

ثمَ ألم أخبرك بأن الكبرياء ينزع من ربيع العمر بهاءه.؟

أراني في ساحة جريمتي المباحة, أُمسك مطرقةً وأدك الكبرياء دكا, ليسقط الضنك كلفائف حرير من أعلى رفٍّ عتيق, ينتشر غبارها في الأعلى وتصل الأرض لترقد بسلامٍ آمنة.

وأنتم كيف تكبرون؟ ألا يموت الشعور حتى يختفي رويدًا رويدا, وتطول زوايا البرد في الافئدة لينبت في أطرافها جليد؟

ما معنى أن تضحك طيلة اليوم وفي آخرهِ تزفُر ضيقًا وتهمس: أشتاق أن أضحك.

سأختم رسالتي وأنا أعلم أنك تمتلئ بالكثير لكنك لا تشتهي الحديث, أو ربما بلغ التيْه مبلغ أن تقف في المنتصف وتبحث عن البداية وتتجاهل فكرة أن تكون قدمك تطأ البداية فعلًا!

أنتم يا صديقي تنهيدة أزفرها كل يوم وتكبر في داخلي, وكأن الزفير يعود من حيث خرج.

على كلٍ طبتَ سالمًا , ولا تأمن لزبد البحر, فقد يتقيأ حديثكَ يومًا ويملأ الأرض حُزنًا يُشبه حزنك, ويغدو العالم تائهًا بلا خارطة.”

مقالات وجدانية

المسخ.

قد كتبَ التشيكي كافكا يومًا عن قصة رجُل غرق في روتينهِ وواجباتهِ وتفاجأ بنفسه يومًا وقد تحوّل إلى حشرة.

ماذا لو استيقظتَ صباحًا وحدث لك ما حدث لـ (غريغور) إذ بعد أن تحسس جسدهُ اكتشفَ أنهُ لم يعد بشرًا بعد الآن.

ستُخرج أحلامك من دُرج التأجيل وتقذف بها من أعلى نافذة في أعلى حجرة وتراقب تحليقها المؤقت حتى تتناثر في الشوارع وعلى الأرصفة وتعرقل المارة وتُضحك المشردين.

ستحاول أن تشاركهم الضحك على حماقات التأجيل لكنك ستبكي الوقت الذي غادرك دونهم, ستحاول أن تمسح دموعك التي لا تعرف من أين انزلقت لكنك لن تجد يديك وستضيع محاولًا اللحاق بقرني الاستشعار اللذيْنِ يقودانك إلى حيثُ لا تعلم.

ستطوف حولهما عبثًا وكل ما تفكر به هي أحلامك اليتيمة بعد الآن , مَن سيحتويها ومَن يفتح ذراعيه لها.

وتسمع في رأسك المدبب الصغير صوت دقات عقارب الساعة وترى مكتبك الصغير الممتلئ بأوراق  تربطك بها المادة وفي أسفل المكتب دُرج ودفتر صغير تسكُن عاطفتك بين أوراقهِ.

وتسأل نفسك هل غادرني العُمر أم غادرتُه؟

وسلسلة أحلامك الواقفة تباعًا تسيرُ وحدها وتتعثر في منتصف الطريق , تحاول الوصول إليك , تلفت انتباهك بوميض  , تراها بتثاقل وتُلوح لها قائلا: ليس الآن.

ومتى يحينُ أوان تحقيقها؟ وهل سيأتيها وقتها المناسب أم أنه مرّ بجوارها ولم يراها؟

ولو أنك بسطتَ يدكَ لوجدتَ الوقت المناسب يرقد في منتصفها.

مؤخرًا أصابني هاجس أين الكتابة مني

وأين رنين الكلمات الفصيحة عن أذني؟

ووجدتني في معضلة العُمر الكُبرى؛ هوَس الحُلم.

كتبتُ خوفًا من هربَ الكتابة , ولم أكتبُ شوقًا للكتابة, ولازلتُ أسألني مَن يهرب مِن مَن؟

مقالات عامة

النقد المعاصر.

تقول نظريات النقد الحديثة أن الإنسان يمُجد الماضي بصورة مغلوطة , وأن الحاضر ليس أسوأ من الماضي

أنما هو السيء امتد منذ قرون حتى شملنا بسوئهِ , أجل صحيح تمامًا.

ولأن النظريات تمتد لتشمل الإنسان كفرد , فمدرسة القرن الحديث القائمة على مقالات الكاتب الأمريكي إليوت , تُحذّر من استخدام ماضي الفرد لتقييم كتاباته أو سلوكه.

ماضي الفرد الذي ما إن يُفصح عنه حتى يتسابق المجتمع في تقييمه بناءًا على وقائع أكل منها الدهر وشرِب.

وماذا أن يحظى الواحد منا بتاريخ يصقلهُ ويتربى في ذاكرته ويتغنى به!

وماذا عن أحداث أيامهِ المشاكسة  .. التي تُبكيه وتَبكيه!

المجتمع الناقِد كبر ونمى نفوذهِ فصار يُقيّمنا وفقًا لسقطات لا نتذكر تفاصيلها حتى.

بل ويبني صغائر سلوكياتنا السيئة على مشاكلنا التافهة.

ولأننا نخشى تقييم المجتمع المستمر لنا , باتت حياتنا الخاصة وأفكارنا مركونة في أبعد زاوية , نُخفيها بحذر شديد ونُبقيها صماء وخرساء , ترانا بعين ماضينا الذي كبرنا من خلاله وتُرثي حالنا.

حتى النصوص المكتوبة لم تسلم منا , نُفتش في تفاصيل كاتبها , ونربط الأحداث المكتوبة بالوقائع التي يعيشها الكاتب.

ماذا لو كانت الكتابة مجرد موهبة , لا فضفضة؟

ماذا لو قرأنا النص في أنفسنا؟

في محيط العمل يحدث أن تتفوه الواحدة منا بعذر منعها من الحضور أو تأدية واجباتها , عُذرها لا يموت أبدًا.

يطاردها حتى يتحول شبحًا تلعن بسببهِ ساعة الحديث عنه!

لن أنتقد كثيرًا هذهِ الفئة , فلعلي كنتُ داخل الدائرة يومًا ولم أنتبه.

سأختم حديثي بأن الماضي البعيد وحتى القريب , وأن المشاكل اليومية ماهي إلا وقائع لا ترتبط بنا في شيء , هي لها صفتها ونحنُ لنا أوصافنا , نستحق أن نعامل بما نُظهر دون وضع نقاط وصل بيننا وبين ما يحدث وما بين النقطتين تعليلات وتبريرات.

إن أخطأنا , فالخطأ منّا كأفراد لا علاقةَ له بما حدث لنا , وإن أحسنّا فهو إحسانٌ منا , لا من ماضينا.

صحيح تمامًا , دراسة الأدب أعمق من كلامي هذا وأكثر منطقية , لأنه الإنسان في هيئة نصوص مكتوبة.

مقالات وجدانية

نصف حائط.

فكرة أن العالم يضيق ليخنقك.

وأن سديمًا يتكثف فوق رأسك ليمنع عنك الضياء.

وأن غولًا يزفر ثاني أكسيد الكربون في أنفك حتى لا تعود قادرًا على التنفس.

فكرة أنك صفرًا على يسار أرقام كثيرة في حياتك.

وأنك حاشية تحت خطٍ رفيع في أسفل كتاب.

فكرة أنك صورة مؤطرة بإطار قديم على رفٍ يعشعش عليه الغبار.

وأنك تائهٌ بين أشخاص لم يعد لديهم متسعٌ لك.

وأن المحيط أرفق بك من اليابسة وإن أماتك غرقًا أو قدمك قربانًا لمثلث برمودا.

فكرة أن ثقبًا في وسط صدرك يتسع ويتسخ.

وأنك جمادٌ مجرد من المشاعر أو عامودٌ في وسط سوقٍ قديم يُتكأ عليه.

فكرة أن يخرج أمانٌ من صدرك وتتأمل خروجه بخوف ورهبة.

وأنك عاجزُ عن الحديث أو الحراك.

فكرة أن تكون نصف حائطٍ , لا يحجب شيئًا ولا يكشف كل شيء.

وأن جاثومًا يُمسك بقلبك تارةً ويتركه تارةً أخرى.

فكرة أن تكون مهرجًا عظيمًا سيّد كل كرنفال.

وأن تبكي ويضحك الجميع لأن دموعك لا تليق بك.

مقالات وجدانية

تكبّر ثم نسى!

ننسى أن نبكي حين نعتقد بأن الظرف الذي مرّنا تافه وفقير.

وبعد تدافع السنين ، نتفاجأ بهِ كبيرًا وغنيًا ، غنيًا بالألم ، ومحشو بالوجع.

ننسى أن نبكي يومَ تُلقى على عاتقنا مسؤوليات ، بمُوجبها نتخلى عن حقّ الرغبة بالبكاء حتى لا نخذل من يستظلِّون بظلالنا.

وفي لحظة تأمُل قصيرة ، تعود فيها إنسانيتنا وينبت بين الأضلاع ظلٌ يُشبهنا مشينا فوقه زمنًا.

ننسى أن نبكي ليلةَ يُخبرنا فيه الجميع بعظمتنا وجبروتنا ، ونغدو القُدوة التي يسير على نهجها الكثير.

تأخذنا العزة بالكمال ، فنضعف ونجفّ حتى لا نعود قادرين على العطاء.

ننسى أن نبكي على الحوادث لأن الآخرين أجمعوا على سخافتها.

وانصعنا لتقييمهم ، دون أن نُدرك أهمية التفاصيل التي قد تعني لنا عزفًا من أنينٍ صامت.

ننسى أن نبكي لأننا شخنا أعوامًا مسبوقة الآوان!

ننسى أن نبكي لأننا أعتدنا على السخرية من كل شيء ، حتى لم نعد نميّز بين ما يُبكينا وما يُضحكنا.

تشابهت علينا المشاعر واختلط حابلها بنابلها.

ننسى أن نبكي لأن نزعة الكبرياء لا تسمح لنا بممارسة هذا الحق أمام الجميع.

نحتفظ به لوقت إنفرادنا ، ويحالفنا الحظ الغير الموفق بطول الأمد.

ننسى أن نبكي لأن الأطفال وحدهم من يبكي ، وتجاهلنا أننا قطعةٌ من طفل قد كان يصيحُ يومًا باكيًا دون أن يخجل.

حزمة المواقف تلفُ نفسها وتنكمش داخل نواةٍ يتيمة مُلقاةٌ على أطراف الذاكرة.

تنمو ثمرة فاحشة البهاء ، مُكتظة بالبغيّ ، تفوح حُزنًا ، مزهوقةً ومعطوبة الأطراف حيث لا بداية لها.

وقتها فقط ، نبكي!

نبكي ظُلمًا.

نبكي حماقةً.

نبكي كُرهًا.

ونبكي إهمالًا.

نُدرك كم كانت المواقف أصعب من أن ننسى البُكاء حينها.

ونبكي مرتين ، مرةً للشعور الذي عشناهُ وقتها ، ومرةً لأننا تغيرنا منذ ذلك الحدَث.

إزددنا صلابةً وبالمقابل أصابتنا الهشاشة.

نبكي ويُبحر العمر في عصور الظلام ويتوغل!

يستخرج صغيرًا ، عاريًا ، وُلد ذات مخاض وبكى فلما كبُر تكبّر ونسى.

مقال وجداني

ثرثرة

لأكون صادقة ليس لديّ ما أقوله لكنني سأثرثر بأشياء قد تكون مفهومة وقد تكون طلاسم ساحرة كتلك التي نراها في الأساطير.

ذات حديث مع امرأةٍ تكبرني بسنين قلتُ : كيف تأقلمتِ مع التغيرات التي حدثت لكِ , كيف انسجمتِ مع كونك فتاة صاخبة في يوم و أم تتحمل المسؤولية في أيام أُخر , ألا تعاتبين السنين وتتسائلين بأي حال كنتِ وماذا صرتِ.

أجابت بتساؤل : لا.

ربما يقول أحدكم لنفسه في نفسه أنني كثيرًا  ما أتحدث عن الكبر , حسنًا سأعترف بأنني أعاني من هاجس تأمل يلازمني طيلة الوقت , لا أكف عن مقارنة هياء الآن بهياء الصغيرة. أُعدد الحماقات التي فعلتها وأنسى أكثرها.

مؤخرًا – ليس جدًا – بدأت أؤمن بأننا نكبر دون أن نشعر , وأننا نكبر حين نرغب بذلك أحيانًا , ونكبر حين يريد لنا القدر أن نكبر أحيانًا أخرى , نحن نكبر في اليوم الدراسي الأول حين تُخرِّج البيوت أطفالًا جُدد في سنتهم الدراسية الأولى , نكبر والأطفال يدخلون أفواجًا أفواجًا من خلال بوابة مدارسهم المتهالكة , نكبر في اليوم الذي نعلم فيه أن الأباء يعانون من ضوائق مادية أحيانًا ومن لهفتهم على أطفالهم , نكبر حين نعلم أن أمهاتنا غير معصومات من الخطأ وأنهن يبكين خفية كما نبكي علنًا أمامهن , نكبر حين نشارك أصدقاؤنا ضوائقهم وحين تضيق بنا معهم.

نكبر في أيام تغافلتنا دون أن نشعر بها , نكبر صدفةً وفجأةً.

لذلك يتوشحني رداءٌ من هاجس عن الراحلين من أصدقاء الطفولة , وعن زميلةٍ ربطني بها موقف , وعن أخرى كانت تضحك معي كثيرًا وكنتُ أشعر بها تشبهني.

أفكر في صديقٍ ستأخذه الأقدار يومًا ويغيب خلف غسقٍ لا شروق بعده , سيغيب في يومٍ قد غبتُ فيه , أختفي ويختفي بالمقابل , لن ألحظ غيابه ولن يلحظ غيابي , سيمتليء رصيف أرواحنا بندوب وسيطأ الكثير من العابرين عليه , سيبحث عني لأرمم تلك الروح المندوبة وسأبحث عنه ليعيد بناءها , لن أجده ولن يجدني ,حينها سنكبر وقد اهترأ الرصيف ولن يعود مكانًا خصبًا يرتادهُ الآخرين.

عمومًا , بعض الأصدقاء يعيدوننا صغارًا بأحاديثهم , والبعض الآخر يجعلنا ندرك تعاسة الكبار بحديث.

اللهم ارحم و اغفر لعبادك : محمد , إيمان , ريم الثنيان , سارة الهليّل.

مقال وجداني

لا تَمت قبل أن تكون ندًا.

لن أكتب لك عن الحياة في صورتها الاجتماعية ومتاعبها, ولا عن الناس وما آلت إليه النفوس مؤخرًا.

سأكتب لك في معنى أن تكون عربيًا.

عن سنوات المراهقة الضائعة في صفحات الجرائد المحلية التي تستجدي عواطفك في مقالة عن شعبك المنكوب وأرضك المُغتصبة, تعلوها صورة الكاتب في أبهى حُلة وابتسامة كئيبة تجعل من قهوتك أكثر مرارة.

عن صور أطفال ترتشف الأرض دماءهم, يعقد الخذلان جبينه على وجوههم, وعلى نفس الوجوه يتجلى الانتصار في أبلغ فلسفاته.

ناهيك عن كلمة “دولة” اسرائيل الكلمة التي تُزهق روحك وتستحث الشتائم أن تخرج منك على هيئة كلمات وأفعال مثل أن تغرس سكينًا حادًا في كَبِد الحروف.

عن أن تبحث في تاريخ اسرائيل فلا تجد له مأرب! ثم تتساءل في أي البقاع تقع هذه المُنحلة الساقطة الخارجة عن كل عُرف إنساني سويّ.

تكبر وتتآكل قهرًا أن عدوك يعيش في أرضك, يقاسمك الخريطة؟ يأكل مما تزرع, ويشرب من نفس  البئر الذي أدمى يديكَ حفرهُ حتى الوصول لقاعهِ.

القاع!

القاع هو موقعي في الشعور بالهزيمة.

أن تقض الكوابيس مضجعك, تستيقظ وتقرر الاقلاع عن قراءة الجرائد وكأنها الجلاد الذي يُدمي قلبك بسوط الكِلم.

أن تشتم نفسك ثم تتقوقع عليها وتُغني ببكائك سيمفونية العجز.

أنا العربي العاجز عن كل شيء, حتى عن التجاهل, أردد : من يشتري عروبتي؟

وأنا البائس أشتريها بعد كل سؤال.