ضربٌ من مبالغة حين أعترف أنني أصبحتُ معلمة للمرة الثانية وبصدفة تسببت بها الصدفة الأولى. قرأت تغريدة نشرتها @seen_seen :
“الامتنان يمنح شعور الخفة.”
كان امتناني بالوظيفة أول الأشياء التي تبادرت إلى ذهني، وبكل التذمر الذي ألحقته بالوظيفة منذ أول يوم حتى ظهيرة الأمس شعرتُ بالخفة أخيرًا!
سبعة أشهر ازدحمت بالوجوه التي تُشبهني، لم تعد الملامح صغيرة والكلمات متقطعة، ولا عادت نفس العقول بيئة خصبة ازرعها بما شئت.
في معنى أن تكون محاطًا بيافعات تترواح أعمارهن ما بين التاسعة عشر والسابعة والعشرون!
أن تناقش إحداهن في قصيدة لمحمود درويش، وتلمح بقية الصف يُدون اسم القصيدة أعلى الكتاب!
أن تتنهد إحداهن وتخبرني بأنها على استعداد بأن تتخلى عن الأشياء في سبيل تجربة الأمومة، أفهم جيدًا حديثها ويصلني شعورها! تنهرها زميلاتها.
ابتسم كيف للعمر أن يغيرنا؟
أُقلّب صفحات الدرس المُطعّم ببريق الألماس، تُحرك الخاتم في يديها وتجيب على سؤالي فيم إذا يعتقدن أن محبس الزواج تعبير مهم للحُب؟
– ميثاق أن هذا الزواج ما كان ليستمر لولا هذا الحب الذي يجمعنا.
هه! هل يُعقل أن محابس رجالنا تشعر بخفة الحب، أم أنها مُثقلة بواجبات الزواج!
أقطع المسافة مُرهَقَةً بين مبنى القاعات الدراسية ومكتبي.. أردد: “وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا”
تُثقل الأمانة عنقي، لم يعد كتفي صالحًا لكل هذا الحِمل، عضلة القلب واهنة بجلد الضمير.
أُغمض عيني أحرك رقبتي بعفوية، وأتذكر ضحكة طبيب القلب وصوته يوم قال: معلمة! عليكِ أن تعتادي هذا الألم!
أصعد السلالم، أرد على الأصوات التي تُربت على كل هذا التعب: صباحُ الخير مس هياء.
ابتسم كثيرًا: صباحُ النور.
– والبنور يا مس؟
أضحك: صباحُ النور والبنور.
ما معنى أن تحفظ الطالبات الجُمل التي أرددها؟
أصل لمكتبي وأشهقُ فور رؤيتي لعلبة بيضاء مليئة بالجوري الأحمر، مُوقَّعة باسم طالبة!
أجلس، أُسند رأسي على الجدار: أين هي بقعة الصلاح؟
لم يكن التعليم يومًا نقل معلومة من رأس واحد لرؤوس جماعة!
التعليم هو أن تصل لقناعة العطاء في كل شيء، في حرف، في معلومة وفي شعور!
ما ضرّ لو صبّت هذه الصغيرة همها في أذني بدلا من أن يخنقها وحيدة!
تطرق الباب: مرحبا مس هياء، مشغولة؟
– تفضلي يا صغيرة، لا أبدًا.
أضع أوراقي على جنب وأتفرغ لها تماما، أعرف أن حساسيتها مفرطة، تحتاج أكثر من مجرد أذن تسمعها، تحتاج أن توقظ حواسك الخمس من أجلها.
هذه الصغيرة صريحة، تبصق ما يزعجها دَفعَةً واحدة، تختم حديثها عادةً: أشعر أنك مالكة هذا المكان، نرتاح كثيرًا حين نتكلم معكِ.
أبسط لها كفيّ: تعلمين أن يدايَ خاويتين؟
– أعلم ذلك، لكنني ألجأ لك دون تفكير!
تخرج وأتنهد. بسيط هذا الانسان، لا يطلب كثيرًا، مجرد أذن تسمعه وقلب يهتم له، بسبب من تعقدت الحياة إذن؟
أتصل بأذن تسمعني، وتقطع حديثي الوديعة جدًا.
– مس هل لي بدقيقة أرى فيها علاماتي.
– بالتأكيد.
ثم قررت بكل ما أوتيت من حيرة أن تنطق أخيرا: مس، أجد صعوبةً في الافصاح عن مشاعري، حتى حين أبدأ بالبوح تضيع اللغة وتفسد!
– أحبكِ كثيرًا وأحب حضورك، الكل يفعل ذلك.
اندهشت: حقًا؟
– وأكثر، قوليها مرةً وستقولينها كثيرًا.
– سأحاول.
– تعالي دائما لمكتبي.. أسمعك جيدا.
– أحقا تفعلين؟
– أجل أفعل.
هذه اللطيفة التي احتار في حقيقة مشاعرها اتجاهي، أرقُّ من أوراق الخريف وأكثر منها هشاشة.
الساعة السابعة وأربعون دقيقة، أمام باب الكلية، تنهيدة واحدة تنقلني من البسيطة إلى الجسور!
تقول بانبهار: مس أنتِ الوحيدة في هذا المكان التي نشعر أنها قوية، مس هياء أنتِ البطلة خاصتنا!
مشيتُ في ذهول، الهادئة جدًا، تكاد لا تنطق في حضوري، كيف لها أن تهزّ دواخلي بجملة! وبأي عين تراني؟ أنا الخائفة من كل شيء، المُهددة بالعواقب والواقفة أمام شبح الندم.. أنا المتعبة التي تستجدي الحياة رشفةً باردة وتلهث وراءها لا إلى وجهة واضحة.
تقول لي زميلتي بحماسة وامتنان: هياء أنتِ بقوة ألف رجُل.
أضحكُ غير مصدقة.
أخرجُ من مكتبها، أتنفس عميقًا: بقوة ألف رجل.. بقوة ألف رجل.
من ذا الذي يُبصرنا حين نبلغ من التعب أقصاه، من يقرأ سطور حكاياتنا الحقيقية دون أن نُزينها بما نريده ونرجوه.
من يسمع صوت ضحكاتنا حين تختلط بنحيب يجتزّ ربيع العمر.
تضحك وتبكي في الوقت عينه.. تقول: استحلتُ مجنونا يا الله، سقط محارب آخر يا الله.
تصمت برهة: إن كنتُ مجنونا، أنّ لي أن أفكر؟
تجثو على ركبتيك مُتعبًا: الصبر الصبر.
تُشرق الشمس من جديد، ذات الزيّ، الشعر المسدول، خط الكحل فوق العين، وأحمر الشفاه.
أشق طريقي بينهنّ.. أحييهن وأستقبل تحاياهن.
الصغيرة بظيفرتها الشقراء تنكفئ على هاتفها في نفس المقعد يوميا.
بعد ثلاثة أشهر من ملاحظتها قررتُ أن اسألها فأجابت: اقرأ كتابا الكترونيا!
أصل للمكتب أضع حقيبتي على نفس الكرسي، نفس عطر الشعر والملابس، نفسها رائحة البخور أيضا.
كوب قهوتي في يدي اليمنى، وعلى ساعدي الايسر كتابي.
المحاضرة الأولى صديقتي المفضلة من بين المحاضرات. اجتياز باب الصف يعني أن ألبس شخصية أخرى، الحازمة والمزاجية غالبًا.
– أرتبك في حضور مس هياء، عيني لا تُبارح الكتاب خشيةً منها.
تدخل للصف متأخرة: افتقدت وجودك الاسبوع الماضي.
– لا أشعر بذلك مس هياء.
– أنتِ تعرفين يا نبراس هذا المكان أن القسوة باعتدال تعني اهتماما، عدا ذلك ما كنتُ لآبه بك!
طأطأت رأسها وابتسمت: صحيح!
الساعة الثالثة مساءًا، في طريقي للمكتب تعترضه المتوجسة من الحياة والتي تخوض نقاشًا حادًا معها في صمت.
– مساء الخير، لا تُغالبي الحياة وحيدة، تعالي نخوض الحرب سويًا في مكتبي.
تهمس صديقاتها من على بُعد قدم: نأتي جميعًا يا مس.
طالباتي بالصدفة؛ طالباتي في حضرة خصومة مع الحياة!
– لا تأخذيها على محمل الجد.
– المشكلة يا مس أنني لا آخذها على محمل الجد، المشكلة في هذا التبلُّد الذي يمتد من نواصي العقل لجذور القلب! ما عدتُ قادرة على اتخاذ موقف حتى!
يا رب كيف لنفس الفاه أن يضحك بعذوبة ويتحدث بأحرف مثقلة بالضيق!
الأيام تزدحم والله وحده عليم بذات الصدور، تطرق الباب وتُطل كالعادة: فنجان قهوة؟
– طبعًا.
أنظر في عينيها مليًا، تخجل وتسأل مابي.
– أنا الشخص الذي تبحثين عنه.
جحظت عينيها ثم أردفت: أنتِ مرعبة يا مس.
ضحكتُ: كيف هو قلبك.
سكتت متأملة فنجان القهوة في يدها.
يخبرنا الصمت ما تعجز اللغة صياغته..
– قديمة أنتِ يا مس، عتيقة أزمنة الحب، اندثرت.
– ألا يتعب قلبك من الجهاد؟
احتقن وجهها واحمرّ، عقدت جبينها، طأطأت رأسها وسمحت لدموعها بمغادرة عينيها.
قالت بنبرة مهزومة: بلى!
ثم رفعت عينيها، وليتها لم تفعل.. أقرأُ في الفضاء الضيق بين عينيّ ونظراتها:
آن أوان معجزاتكِ، اخلقي واحدة تجعل من قلبي الرقيق صلبًا لا يشعر بأحد.
مدي يديكِ وانتشلي هذا الشعور، منهكة خلايا جسدي، لم تعد تطيق صبرًا، أنتِ تعين ما تقوله عيني؟ مديها، يديكِ.. أتوسل لهذا فقط.
كنتُ أضعف من أن أمدها، كنتُ عاجزة..
أن تكون معلمًا لجيل الشباب، يعني أن تمتلك حضنًا لكل شعور، أن تمد يديك لتنهر الخوف وتربت على الاكتاف خالقًا اطمئنان.. يعني أن تسمع دون أن تعطي تعليقًا لكل جملة، أن تحفر بئرًا لا قرار له تدفن فيه الاسرار، ألّا تحفظها، لكن لا تنساها.
أنقر كتفها: أنتِ جميلة.
تبتسم وتصمها الدهشة..
– أحب رؤيتك كثيرا.. وأردتُ أن أخبرك بمدى سعادتي بذلك.
شكرتني بلهفة وبكلمات متلعثمة: أنا أحب رؤيتك أيضًا يا مس، لطالما رغبت بالحديث معك.
حملت إلي بكوب قهوة في صباح اليوم التالي، وضعته على مكتبي وقالت: يا رب يعجبك.
غادرت تُزين ملامحها ابتسامة عذبة، تُضيف للصباح لون السلام.
تفوح رائحة قهوتها في مكتبي، أتنفسها عميقًا: الحياة جميلة، تُغدق عليك بمجرد كلمة!
الساعة الثالثة والنصف مساءًا، تفصلنا ثلاثون دقيقة عن الانصراف، الكل منهك، النفس قصير، والمزاج متعكر..
أُجيب حيرة زميلتي بينما ألمّ شعري: لا ملامة عليك وعلينا، نحن نتاج ثقافة مجتمع بنى بيننا وبين من نحب ألف جدار!
تمت تنشأتنا على سلوك الحذر من كل شيء، حتى صرنا نخشى لحظات الرخاء، توجسًا بما سيعقبها! حقك في هذا العالم أن تقوليها وأن تشعري بها.
– معكِ حق، سأجرب.
أرتدي عباءتي، أُطفئ الأنوار وأُغلق باب المكتب.. كل هذا التعب الذي يعقبه لذّة هو في معنى أن أكون معلمة!