مقالات وجدانية

فِكَر

ماذا لو أن الفِكَر كائنات حية تتخذ شكلا محددًا لا وحيًا منسوبًا إلى مواضيع، لو خرجن في صف تُمسك كل واحدة بخاصرتيْ الأخرى أما الأولى فتغرس أنيابها في عقلك.

يُتاح لك أن ترنو فيهن وتأنس بحضورهن وقد يُضحكك غُلب واحدة وشقاوة أخرى، ويتسلل العطف من جيب مشاعرك بدلًا من الغضب الذي يلكم أفواههن فتسقط ثناياهن ويسيل الدم خيطًا من ناصيتك إلى صدرك فيتكوّم على شكل تنهيدة تفلت من فاهك بينما أنت مستغرق في عملك!

التبرير الذي لا تنفك الأفواه تنطق به إن حلّ الصداع ضيفًا أو سافر الخاطر في شرود سريع: أفكر.

بينما الفكرة يخيّم عليها الملل تنتظر أن يُنفض السجاد من تحتها لتُتاح لها فرصة ترتيب نفسها، تتوق لأن تتهندم بفستان أبيض قصير يشي بفتنةٍ تأبى على شهواتك وتُزين عنقها بعقد له بريق يمتد أعوامًا مقبلة؛ ولشقائها هرمت في رأس ذاك الذي لا يأبه إن هبط الظلام أو بقيت الشمس تفضح ملامح المندفعين بعكس ملامحه التي ترتدي عباءة الوجوم الوقت كله لا أكثره وتستر غضبه وهدوءه، فرحه وترحه، كآبته وحيويته. لا يُعرف إلا قابلًا راضيًا ولو كان ادّعاء فلم يترك مجالًا لتفاوض أو حتى لسؤال. يُمرر أصابعه على أوتار آلته فلا يُصيب إلا الصَبا. اهترأ الوتر وتكدّس الوقت على خاصرة الفكرة وبدأت تحتضر.. احتضارًا لم يعد له ابتداء فقد فات آوان الدفن وهو مازال يبعثها!

يعاقب نفسه بشمطاء أصفى لها وداده وترك مليحة ترجوه ويرجوها

مقالات وجدانية

ثرثرة (3)

Snapchat--1225262588113197713

أذكر كيف مضت الشهور الثلاث الأولى في الوظيفة بدءا من أغسطس 2015، كأن نفسي تضيع مني في الساعات الثمانية التي أقضيها مع الطالبات والموظفات. كان غريغور رفيقي الدائم في كل صباح على مكتبي يقرع ذهني على هيئة سؤال: ستتحولين إلى حشرة!

سأتحول إلى مسخ كافكا قريبًا هذا ما اعتقدته لأنني وللمرة الثانية يتم قبولي في وظيفة كمعلمة رغم إصراري على السُلم الإداري إلا أن الوعود تسبق رفضي لتوقيع العقود: جربي فقط.

السابعة صباحًا أجلس على المكتب المخصص لي في غرفة تجمع ثلاثة عشر مكتبًا قبل أن يتم افتتاح المبنى الجديد لأحظى بمكتب يجمعني مع زميلة واحدة فقط. على يساري مشرفة القسم، سيدة كبيرة، من جنسية عربية، هادئة وصوتها بالكاد يُسمع، تلتزم الصمت أغلب الوقت، تمتلك هاتفًا نقالا قديم الاصدار وله نغمة تصدح بمبالغة، يرن هاتفها في ظهيرة كل يوم فيثير انزعاجنا وإذا ما قررت إحدانا خفض صوته يتوقف من تلقاء نفسه، بطيئة الحركة وتأخذ وقتًا للاجابة على الاسئلة، تُفضّل تجنب الأشياء الجديدة، شخصيتها مُقادة إلا على من تُشبهنها في الريبة!

 بينما أرتشف قهوتي وأقرأ صحيفة الرياض المحلية كانت هي تقضم خيارةً وتأكل خبزا محشو بالجبنة أو اللبنة كالعادة.

على يمين المشرفة مكتب زميلة -كانت صديقتي كثيرًا قبل أن ينفرط عقد لؤلؤ صداقتنا ونتناثر كلٌ في بقعة ينأى بها عن الآخر- تكون وقتها تضع مكياجًا لأنها استغلت الطريق للعمل بالاستغراق في النوم.

  • وزير الصحة الإيراني يُصرح بأن حادث التدافع كان أمرًا خارجًا عن الإرادة ونسلم لمشيئة الله وقدره.

تُطل زميلتي برأسها من فوق حاجز المكتب القصير بعين مغمضة وعين مفتوحة وبيدها قلم كحل أسود: النذل يتبرأ من قتل الحجاج!

تغمغم المشرفة بلهجتها الشامية: “الله لا يسلم فيه شيء”.

أتبادل مع زميلتي نظرات الذهول بالمداخلة غير المتوقعة ونصمت!

الساعة الثامنة من كل يوم اثنين يجمعني بطالبات المستوى الثاني، تعتقد الطالبة وقتها أنها ألمّت بكل اللوائح الأكاديمية والقوانين الصفية حتى اكتساب سمة الفراسة ومعرفة المعلم من المحاضرة الأولى لمجرد أنها اجتازت المستوى الأول!

كان من نصيبي الصف الأكبر، مكتظ بخمس وأربعين شخصية وأنا السادسة والأربعين! كنتُ أدخل عليهن بحماسةٍ وأخرج بعدهن منهكة بطاقة شبه معدومة وخِلق ضيّق. امتاز هذا الصف بإلقاء التُهم بتحذلُق لا مثيل له! حين ترمي الواحدة بشرر، ترفع الأخريات حاجبًا كنايةً عن المُساندة.

في كسر لرتابة المحاضرات وللتخفيف من وطأة الملل، سألتهن عن مشاهير وسائل التواصل الاجتماعي، أبدينَ حماسة للسؤال وانطلقت الأفواه بأسماء أعرف بعضها وأجهل الكثير منها، وأعلق على كل اسم وأدع مجالًا للتعليق، قلتُ: بذكر لجين الهذلول، أتؤيدن قيادة المرأة للسيارة؟

وتفاوتت الاجابات بشكل لم أتوقعه، وفي محاولة لإدارة الحوار، جعلتُ لكل فريق فرصة للإسهاب، كنتُ أستمتع بمحاولاتهن في التحدث بالانكليزية وخيانة المفردات لهن في ذروة حماسهن، جلست على طرف الطاولة المخصصة للمعلمة وأرهفت السمع لأرائهن. هذه البضع دقائق تعمل كمنشط لأذهان الطالبات، عادت دفّة الحديث إلي، كنتُ مستغرقة في شرح قواعد القراءة وأجزاء الكلمة الانكليزية، استمتع بأداء الواجب وإن كان رفع الصوت إحدى عيوب المهنة الواضحة.

رن هاتف لينا بأغنية في مطلعها كلمة أحبك…

ارتبكتْ وخفضتْ الصوت بينما انطلقت ضحكات زميلاتها وإيحاءات الاعجاب بما حدث التي يعتقدن بأنني لا أراها.

بعد خمس دقائق ربما أقل، رن هاتفها مجددًا ….

مقالات وجدانية

ثرثرة (2)

Screenshot_20180601-233159

بعض الروتين يأتينا مُحملًا باللُّطف في جنباته، الخِفة التي تجعل في تكراره متعةً لا تُمل وفي حدوثهِ قداسة كشيء خاص، كالسر الذي لا نبوح به بصوتٍ عالٍ حتى لا تسمعه أذاننا.

السادسة والنصف أخرج للصباح، أملأ رئتاي بالنسيم العليل، أُنصت لأصوات الطبيعة، حفيف شجر الجيران، وتغريد العصافير.

 أُطل من نافذة غرفتي وأستمتع بتكرار مشهد جارنا يمسك بمعصم طفلته التي لم تكمل عامها السادس بعد، الطفلة تبكي وتستجدي والدها بينما تشد ثوبه، والأم تنظر إليهما من وراء الباب وتتبادل الابتسامات مع زوجها، تُلوح له وتغلق الباب. 

ما يثيرني أن العائلة الصغيرة نفسها حين تخرج لنزهةٍ ما مساءً، تُمسك الطفلة بثوب والدها وتتبادل معه أحاديث لا يمكنني سماعها، لكنني أستطيع تمييز السعادة في ملامحهم.

يجيب الأب ابنته ثم يلتفت إلى زوجته يتحدث معها ويضحك.

أتنهد بسرور، وأتأمل في فنجان قهوتي وصوت أحمد بخيت يملأ وِحدتي:

في شارع الدنيا انكسرتُ غمامةً سمراء

تبتز العذاب.. لعلّه..

عُذباك يا وجع الخيال

براءتي ظنت مراهقة السؤال.. أدلة

في القلب تندلع القصيدة بغتةً

ويهب نعناع وتلثغ نحلة…

 

أمرّ بدكان التموين الغذائي في طريقي للعمل، البائع رجل يبدو في الستين من العمر، احنى الكدح ظهره وملأ الشيب رأسه.

بعد أن ألقيت التحية كروتين عادي غير آبهة في حال رد التحية أو لم يفعل، لكنه فاجأني بتعقيبهِ: مبكرة اليوم!

سألته وأنا أًشير إلى رف الصحف المحلية: صحف اليوم؟

لم تأتِ الصحف بعد، أقلعت الناس عن قراءة الصحف، ليتك تفعلين ذات الشيء.

برامج التواصل الاجتماعية تلتهم الواقع. مددتُ له ريالا مقابل حليب الشكولاتة.

راحت تُحدثني نفسي أيعقل أن شيخًا كالعم البائع في الدكان الصغيرة الذي تظهر تجاعيد جبينه طيلة الوقت من فرط الهم يلحظ مواعيد فتاة عادية مثلي! ألستُ عابرة من بين مئات المستهلكين يوميا..؟ هل يلحظ جميع الوالجين إليه..؟ هل يعمد ترك تساؤل في أذهان الخارجين..؟

قصيدة رام الله للشاعر أحمد بخيت.

مقالات وجدانية

ثرثرة(1)

 

Screenshot_20180602-002805

كنتُ أعلم جيدًا أنه سيحدثُ، غير أنني لم أتوقع حدوثه بهذه السرعة!

لأول مرة أضع فيها يدي على زجاج النافذة العريضة ولا أجده دافئا، دقائق الوقت التي تمشي على مهل كانت تركض في مارثون الستين ثانية لتقطعها في أقل جزء ممكن!

أجمع الذكريات مع كل جُسيم أدفنه داخل الصندوق، وباب مكتبي موارب أسترق من المارة ابتسامات تصنع معنى مما تبقى من الزمن!

أستجدي ذاكرتي التصويرية لتخزّن حبًا ما استطاعت إلى ذلك سبيلا؛ ملامح تعيش أزمنةً داخل رأسي المكتظ بألف فكرة!

بدايةً رغم أنني اجتزتُ البداية بسطور، إن كنتَ تقرأني في الصباح؛ فصباح الخير والياسمين ارتباطًا بياسمين الطالبة التي لم أنل شرف تدريسها لكنها ما انفكت يومًا بإلقاء التحية علي مع صديقتها سامية.

تُذكَرني بأخرى في مستوى متقدم نسيَت هاتفها النقال في القاعة التي أُلقي بها محاضرتي، ونشأت بيننا علاقة لم تتجاوز الأسبوعين طرقت فيها باب مكتبي يومًا وسألت بصدق: كيف حالك؟

الصدق؛ العهد المُستتر الذي يُبرم بين المعلم والطالب في أول اختبار إنساني يُخضِع أحدهما الآخر فيه. كتبَتْ ثلاثُ ورقات في تعبيرها عن نفسها ودسّت اعترافًا بين السطور ظنًا منها أنني لن أقرأ لأننا تعلمنا أن المعلم لا يقرأ سوى كتب الوزارة الدراسية!

كتبَتْ: أحبُ جميع معلماتي في الكُلية، ماعدا المعلمة الجديدة لأنها تكرهني!

أذكر أن الساعة تجاوزت منتصف الليل قد دبّ خلالها الإرهاق في كل خلايا جسدي، لكن اعترافها أوقف الزمن وجمّد التعب!

قلبتُ الصفحة وكتبتُ لها تعبيرًا آخر عنها وذيّلتُه بعبارة “أنا أحبكِ أكثر من معلماتكِ التي تحبينهن، ثم ابتعدي عن مشروبات الطاقة أرجوكِ.” يستحيل أن أنسى دهشتهن وقت المحاضرة وهنّ يقلبن واجباتهن بين أيديهن ويتبادلن الأوراق بالخفاء حتى لا أراهن، خاصةً دهشة سارة! سارة التي قلتُ لها: سأتحدى بكِ نفسك، وستحصلين على العلامات الكاملة في مادتي! وفعلت!

عدتُ إلى مكتبي بعد محاضرة طحنّا فيها جيوش الجهل وحرّرنا ما أمكن من آفاق واسعة، وجدتُ على مكتبي كوب قهوة وقطعة كعك ورسالة مُوقعة بأسماء قريبة جدًا إلى الروح.

وضحى ومها…..

مقالات وجدانية

دمية

على مسرح الحياة،

تستطيع بلا تكلّف أن تُمثّل لك أتعس القصص بطريقةٍ تُميت قلبك ضحكًا، هه وستميته فعلا لأن الضمائر صارت شبه معدومة يضحكها ما يُتعس غيرها.

حياتها البائسة كوميديا لا يمل الآخرون من الضحك عليها، حتى أنها تصف صورتها وهي تبكي فتُبكيك أنتَ ضحكًا، وتتوسل إليها أن تعيد المشهد، وتفعل ذلك مستمتعةً بصوت ضحك جمهورها التافه، رغم أنه في تلك الليلة القاتمة من حياتها سرى الخذلان في أوردتها ومزّق آخر وتر إيمانٍ تعزف عليه آمالها.. وهاهي تسترجع صورة ذلك اليوم بقهرٍ يشوي داخلها ويخرج لك في حبكة كوميدية تكاد تفقد صوابك المفقود سلفًا وأن تضحك عليها.

لا تستطيع عزيزي المعجب بها وبحس فكاهتها أن تتخيلها حزينة، منكفئة على نفسها، أو حتى منعزلة في سواد غرفتها مكتفيةً بأبجورة تنير صفحات الكتاب بين يديها بل يستعصي على إدراكك الضيق الأفق أن تُصدق بأنها تقرأ.. طبعًا لن تصدّق لأنك اعتدتَ التكذيب وتصديق أنك آخر محاور الكون وأن الحياة ما اجتمعت إلا لتضرك وحدك ولم تحترم أنك مثقفها الوحيد وأنك حين تقول رأيًا فعلى جميع العقول أن تخر لك ساجدة رغم أنك تنادي بالديموقراطية إلا أنه يسوءك ألا يرضخ العالم أمام فطانتك وفصاحتك وحجم عقلك الفذ.

عمومًا، هي ليست حزينة لم تكن كذلك مطلقًا، هي حُرةً تلعب مع حياتها لعبة “عدمية التوقعات” الحياة تصفعها فجأة وهي تنسج نكتة عوضا عن البكاء.. راق للحياة منطقها وهي كذلك راقت لنفسها.

لا أبدًا معاذ الله هي ليست مغرورة، لكنها الوحيدة القادرة على إضحاك نفسها، القادرة على نزع طبقات الضيق من صدرها، القادرة على أن تجعل من نفسها مصدرًا لضحكتها.

راودتها مرةً فكرة أن يفعل لها جمهورها ما تفعل لهم، أن يضحكوها.

اختلطت بهم، نزعت عن نفسها ثوب التفرد وارتدت ثوبًا يشبه ثيابهم، كان ضيقًا لا يحتمل حركاتها الدرامية على المسرح.. لم تضحك.

كان لزامًا حينها، أن تخلعه.. تتساءل لم لم تقم بتوسعته..؟

خلقها ضيق يشبه مدارك جمهورها *ضحكتُ* صبرها قصير يشبه نفس الحياة معها.. لا مجال للتعديل، التحرر هو السبيل الأنجع في هكذا حال.

جمهورها أحمق.

حين يقومون بشتمها خِفيةً، تجدهم حذرين في عرض مسرحيتها الجديد، يخشون يومًا يتقلب فؤادها عليهم وتلقنهم عرضًا في التراجيديا، تُضحكها نظرات الريبة منهم وصوت الصلوات “وجعلنا من بين يديها سدا ومن خلفها سدًا، اغشها يا الله” التي تصعد وتعود لأن باب السماء موصد دائمًا عن قلوب الخائنين.

تستلذ بحقارتهم، تُحب اللون الأسود وهو يفوح من رؤوسهم المتمايلة لفرط ما ضحكوا.

حتى الذين أقسموا لها بالولاء والحب المديد، حنثوا وصاروا بلا شرف، كانت تتحرك وتقص قصتها التعيسة وتضحك نكايةً في الحياة التي أسمعتها ضحكات عديمي الولاء..!

قالت مرةً، على سبيل التواضع يعني، تناجي نجمةً في ليل أصمّ: إذا متُّ اصرخي بصوتٍ عالٍ: توقفوا.

حتى تكتمل مسرحية حياتي، وأسدلي ستارًا إن وجدتِ.. ممم لا عليكِ لن أخرج لكِ في هيئة انفجار سديمي إن لم تفعلي.. وسقطت من الضحك.

مقالات وجدانية

العاشرة والنصف مساءًا.

على غير العادة سأبدأ بتدوين تحذير أن الاستمرار في قراءة الهرطقة أدناه قد تزيد من تعاستك عزيزي القارئ وستُهمهم ناقمًا: لم يكن ينقصني مزيدًا من البؤس!

كنتُ نصيرة الساعات الأولى من الصباح، حتى شرعتُ في كتابة هذه التدوينة؛ الساعة العاشرة والنصف مساءًا، ابتسمتُ ساخرةً بماذا أعنتنا النهار حتى نحتاج لمساحة فارغة يخلقها الرب من أجلنا فنمارس البؤس من خلالها؟

مساحتنا الفارغة لم تكن بيضاء، كانت حالكة السواد تُمكننا من تعاطي الحُزن خِلسةً!

الآن يقفز إلى ذهني عنوان رواية غادة السمان الشهيرة: ليل الغرباء!

وليل المتحاملين ضد الساسة والقُضاة، وليل المتنازلين عن مبادئهم التي تتنافى مع متطلبات العيش بكرامة، هه!

وليل الذين تجاوزتهم أحلامهم، وليل السارق الذي أوجعته كرامته ولم يتنازل عن مبادئه، وليل المتأملين في سنينهم العجاف، وليل المحزونين الذين استبشروا كثيرا وضحكوا كثيرا كثيرا.. زاحمنا الغرباء في ليلهم! 

تأجيل الحزن، يشبه محاولة إغلاق خزانة ملابس فوضوية وغير مرتبة، ستفلح بإغلاقها، لكن سيزعجك أن الملابس في الداخل غير مرتبة ويقينك أن فتح الخزانة سيتسبب بسقوطها!

وتأجيل البكاء.

وتأجيل رفع استقالتك في وجه مديرك المتغطرس!

وتأجيل شتم مسؤولك! 

وتأجيل ابداء رأيك حول مطعم صديقك المفضل!

وتأجيل مصارحة زميلك في أنه منافق جيد!

 رغم ذلك لن أؤجل إخبارك بأنني أكتب بلا هدف حقيقي، وسأخبرك  وأعلم أنك غير مهتم، أنني من جمهور الكتابة لأجل الكتابة.. فقد أعيتنا المُثل والقيم التي نقرأها ونحفظها ولا مجال لتطبيقها! 

متعب الشعور بالخوف، حين يكون السيد والمسيطر، أن تقفز إلى ذهنك فكرة مرعبة وتوافق شخصًا آخر.. يمنعك من تكذيب نفسك ومن تجاهل كل ما يرد حول هذه الفكرة.

تنكفئ حول نفسك، وتبدأ بالهلع.. تبكي لحظةً وتهدئ من روع نفسك لحظةً.. تتحيّر وتصلي لتتسع خاصرتك وتختبئ بداخلها.. تختبئ حتى يمضي الوقت؛ يمضي إلى ما لا نهاية!

ستضحك حين أناقض ما كتبتُ أعلاه في أن الهلع يزيد مع   فكرة مُضي الوقت، فتبتهل مجددا أن يتجمّد الزمن وتتحقق الأبدية لقصصك المفضلة.. أن يعيش صديقك عُمرًا أطول من عُمر الحياة، ألا تكبر.. وفي الوقت عينه أن يشيخ شريك حياتك بين أحضانك، أن ينظر في عينيك فتجد اللمعة نفسها في عينيه، أن تحبه دائمًا.

على العموم، حتى لا أكون سببًا في شقاء مؤقت لك، الخوف ينتهي بانتهائك! ولو أبصرتَ هناءةً في طريقك الطويل حاول قدر استطاعتك ألا تخسرها فتتكبد ندمًا يسرق ما تبقّى لك من سنون تحاول أن تُعمّرها ما استطعت.

 كنتُ على موعد مع بكاء، اغتبطتُ بسببه، الآن الله وحده يعلم أين انصرف ذلك الشعور! هه.. تأجل! 

مقالات وجدانية

أضجرتها

“أضجرتُ نفسي”.

أضجرتها لفرط ما ركنتُها جانبًا وهمستُ في أذنها: سيحينُ دورك، فقط ليس الآن.

وكنتُ حين أحتاج مساعدةً لأغفر مثقال ذنب أحدثهُ صديقٌ ما، اسألها: هلّا أعرتني غُفرانًا من لدنك..؟ بارك الله فيكِ سيغفر الله لك.

– يغفر لي ماذا؟

– ممم قصدتُ إن أذنبتِ..

– وهل تتيح لي فرصة أن أقترف ذنبًا.

– ليس الآن، ليس الآن.

أضجرتها وهي تقف مُسندةً ظهرها على حائط الانتظار، يُزين كتفيها وشاح أبيض، تحاول استراق دقيقة تضحك فيها، لأنها تريد أن تضحك!

أسحب طرف وشاحها: اضحكي..

تتساءل بدهشة: لِمَ أضحك؟

– لأن صديقي مستاء ويجب أن أخفف عنه.

– ما المضحك؟

– لا أدري، فقط افعلي ما تؤمري..

ضحكت، وضحك صديقي..

بارك الله فيك، ستعود إليك هذه الضحكة ضِعفًا، فقط ليس الآن.

أضجرتها، يوم تراكمت المواقف، ووضعتها مجتمعةً في صندوق واحد، وأجبرتها على حمله!

– لكنه ثقيل.

– لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.

– لكنك لستَ الله، وقد كلفتني ما لا أُطِق!

– سأُخلصك من حمله، لكن ليس الآن.

أضجرتها بجملي المتكررة:

– ما يحدث طبيعي جدًا، لا يوجد ما يستحق أن تبكيه.

تدافع عبراتها:- لكنني أشعر بالرغبة في البكاء!

– ليس الآن، تماسكي من فضلك.

تُمسك طرف وشاحها وتدعك عينيها، في محاولة سريعة لأن تبكي ما استطاعت في بضع ثوانٍ!

أضجرتها يوم ألزمتها بأن تُحاكي مشاعر الآخرين أو حتى تُربت عليها؛أن تضحك حين يضحكون، وتُضحكهم حين يبكون، وتحزن حين يحزنون، أن تلتزم الصمت في غضبهم، وأن تلتمس سبعين عذرا وواحد.

أضجرتها في كل مرة تأتيني بشعور، وأُكذبها أو تطرق باب أفكاري بحدس ما، وأنهرها.

حتى وهن جسدها، ومال ظهرها، صار رأسها مطأطئا دائما، واستحال وشاحها الأبيض، أسودًا!

– نفد عفوي وغفراني، لم يعد هناك متسع لاقتراف ذنبٍ ما، صرتُ أنا الذنب!

اهترأت أسناني، لم تعد ضحكتي مغرية كما في السابق، رغم أني لم أضحك بعد!

لغتي التي تُسعف المحزونين، باتت ركيكة تزيد المرء تعاسةً.

عشتُ نظيرةً لأقرانك، أن أشعر كما يشعرون فقط!

أجلتني كثيرًا، لزمن غير معلوم، قامت ساعتي، وزمنكَ لم يحن!

هه! الله أعدلُ من أن يحملني ما لا أُطق، أن يمنعني من الحياة!

ثم تقوقعت على نفسها.. تراها من بعيد فتحسبها نقطة سوداء تشوّه المنظر العام!

مقالات وجدانية

“الامتنان يمنح شعور الخفة”

ضربٌ من مبالغة حين أعترف أنني أصبحتُ معلمة للمرة الثانية وبصدفة تسببت بها الصدفة الأولى. قرأت تغريدة نشرتها @seen_seen :

“الامتنان يمنح شعور الخفة.”

كان امتناني بالوظيفة أول الأشياء التي تبادرت إلى ذهني، وبكل التذمر الذي ألحقته بالوظيفة منذ أول يوم حتى ظهيرة الأمس شعرتُ بالخفة أخيرًا!

سبعة أشهر ازدحمت بالوجوه التي تُشبهني، لم تعد الملامح صغيرة والكلمات متقطعة، ولا عادت نفس العقول بيئة خصبة ازرعها بما شئت.

في معنى أن تكون محاطًا بيافعات تترواح أعمارهن ما بين التاسعة عشر والسابعة والعشرون!

أن تناقش إحداهن في قصيدة لمحمود درويش، وتلمح بقية الصف يُدون اسم القصيدة أعلى الكتاب!

أن تتنهد إحداهن وتخبرني بأنها على استعداد بأن تتخلى عن الأشياء في سبيل تجربة الأمومة، أفهم جيدًا حديثها ويصلني شعورها!  تنهرها زميلاتها.

ابتسم كيف للعمر أن يغيرنا؟

أُقلّب صفحات الدرس المُطعّم ببريق الألماس، تُحرك الخاتم في يديها وتجيب على سؤالي فيم إذا يعتقدن أن محبس الزواج تعبير مهم للحُب؟

–  ميثاق أن هذا الزواج ما كان ليستمر لولا هذا الحب الذي يجمعنا.

هه! هل يُعقل أن محابس رجالنا تشعر بخفة الحب، أم أنها  مُثقلة بواجبات الزواج!

أقطع المسافة مُرهَقَةً بين مبنى القاعات الدراسية ومكتبي.. أردد: “وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا”

تُثقل الأمانة عنقي، لم يعد كتفي صالحًا لكل هذا الحِمل، عضلة القلب واهنة بجلد الضمير.

أُغمض عيني أحرك رقبتي بعفوية، وأتذكر ضحكة طبيب القلب وصوته يوم قال: معلمة! عليكِ أن تعتادي هذا الألم!

أصعد السلالم، أرد على الأصوات التي تُربت على كل هذا التعب: صباحُ الخير مس هياء.

ابتسم كثيرًا: صباحُ النور.

– والبنور يا مس؟

أضحك: صباحُ النور والبنور.

ما معنى أن تحفظ الطالبات الجُمل التي أرددها؟

أصل لمكتبي وأشهقُ فور رؤيتي لعلبة بيضاء مليئة بالجوري الأحمر، مُوقَّعة باسم طالبة!

أجلس، أُسند رأسي على الجدار: أين هي بقعة الصلاح؟

لم يكن التعليم يومًا نقل معلومة من رأس واحد لرؤوس جماعة!

التعليم هو أن تصل لقناعة العطاء في كل شيء، في حرف، في معلومة وفي شعور!

ما ضرّ لو صبّت هذه الصغيرة همها في أذني بدلا من أن يخنقها وحيدة!

تطرق الباب: مرحبا مس هياء، مشغولة؟

– تفضلي يا صغيرة، لا أبدًا.

أضع أوراقي على جنب وأتفرغ لها تماما، أعرف أن حساسيتها مفرطة، تحتاج أكثر من مجرد أذن تسمعها، تحتاج أن توقظ حواسك الخمس من أجلها.

هذه الصغيرة صريحة، تبصق ما يزعجها دَفعَةً واحدة، تختم حديثها عادةً: أشعر أنك مالكة هذا المكان، نرتاح كثيرًا حين نتكلم معكِ.

أبسط لها كفيّ: تعلمين أن يدايَ خاويتين؟

– أعلم ذلك، لكنني ألجأ لك دون تفكير!

تخرج وأتنهد. بسيط هذا الانسان، لا يطلب كثيرًا، مجرد أذن تسمعه وقلب يهتم له، بسبب من تعقدت الحياة إذن؟

أتصل بأذن تسمعني، وتقطع حديثي الوديعة جدًا.

– مس هل لي بدقيقة أرى فيها علاماتي.

– بالتأكيد.

ثم قررت بكل ما أوتيت من حيرة أن تنطق أخيرا: مس، أجد صعوبةً في الافصاح عن مشاعري، حتى حين أبدأ بالبوح تضيع اللغة وتفسد!

– أحبكِ كثيرًا وأحب حضورك، الكل يفعل ذلك.

اندهشت: حقًا؟

– وأكثر، قوليها مرةً وستقولينها كثيرًا.

– سأحاول.

– تعالي دائما لمكتبي.. أسمعك جيدا.

– أحقا تفعلين؟

– أجل أفعل.

هذه اللطيفة التي احتار في حقيقة مشاعرها اتجاهي، أرقُّ من أوراق الخريف وأكثر منها هشاشة.

الساعة السابعة وأربعون دقيقة، أمام باب الكلية، تنهيدة واحدة تنقلني من البسيطة إلى الجسور!

تقول بانبهار: مس أنتِ الوحيدة في هذا المكان التي نشعر أنها قوية، مس هياء أنتِ البطلة خاصتنا!

مشيتُ في ذهول، الهادئة جدًا، تكاد لا تنطق في حضوري، كيف لها أن تهزّ دواخلي بجملة! وبأي عين تراني؟ أنا الخائفة من كل شيء، المُهددة بالعواقب والواقفة أمام شبح الندم.. أنا المتعبة التي تستجدي الحياة رشفةً باردة وتلهث وراءها لا إلى وجهة واضحة.

تقول لي زميلتي بحماسة وامتنان: هياء أنتِ بقوة ألف رجُل.

أضحكُ غير مصدقة.

أخرجُ من مكتبها، أتنفس عميقًا: بقوة ألف رجل.. بقوة ألف رجل.

من ذا الذي يُبصرنا حين نبلغ من التعب أقصاه، من يقرأ سطور حكاياتنا الحقيقية دون أن نُزينها بما نريده ونرجوه.

من يسمع صوت ضحكاتنا حين تختلط بنحيب يجتزّ ربيع العمر.

تضحك وتبكي في الوقت عينه.. تقول: استحلتُ مجنونا يا الله، سقط محارب آخر  يا الله.

تصمت برهة: إن كنتُ مجنونا، أنّ لي أن أفكر؟

تجثو على ركبتيك مُتعبًا: الصبر الصبر.

تُشرق الشمس من جديد، ذات الزيّ، الشعر المسدول، خط الكحل فوق العين، وأحمر الشفاه.

أشق طريقي بينهنّ.. أحييهن وأستقبل تحاياهن.

الصغيرة بظيفرتها الشقراء تنكفئ على هاتفها في نفس المقعد يوميا.

بعد ثلاثة أشهر من ملاحظتها قررتُ أن اسألها فأجابت: اقرأ كتابا الكترونيا!

أصل للمكتب أضع حقيبتي على نفس الكرسي، نفس عطر الشعر والملابس، نفسها رائحة البخور أيضا.

كوب قهوتي في يدي اليمنى، وعلى ساعدي الايسر كتابي.

المحاضرة الأولى صديقتي المفضلة من بين المحاضرات. اجتياز باب الصف يعني أن ألبس شخصية أخرى، الحازمة والمزاجية غالبًا.

– أرتبك في حضور مس هياء، عيني لا تُبارح الكتاب خشيةً منها.

تدخل للصف متأخرة: افتقدت وجودك الاسبوع الماضي.

– لا أشعر بذلك مس هياء.

– أنتِ تعرفين يا نبراس هذا المكان أن القسوة باعتدال تعني اهتماما، عدا ذلك ما كنتُ لآبه بك!

طأطأت رأسها وابتسمت: صحيح!

الساعة الثالثة مساءًا، في طريقي للمكتب تعترضه المتوجسة من الحياة والتي تخوض نقاشًا حادًا معها في صمت.

– مساء الخير، لا تُغالبي الحياة وحيدة، تعالي نخوض الحرب سويًا في مكتبي.

تهمس صديقاتها من على بُعد قدم: نأتي جميعًا يا مس.

طالباتي بالصدفة؛ طالباتي في حضرة خصومة مع الحياة!

– لا تأخذيها على محمل الجد.

– المشكلة يا مس أنني لا آخذها على محمل الجد، المشكلة في هذا التبلُّد الذي يمتد من نواصي العقل لجذور القلب! ما عدتُ قادرة على اتخاذ موقف حتى!

يا رب كيف لنفس الفاه أن يضحك بعذوبة ويتحدث بأحرف مثقلة بالضيق!

الأيام تزدحم والله وحده عليم بذات الصدور، تطرق الباب وتُطل كالعادة: فنجان قهوة؟

– طبعًا.

أنظر في عينيها مليًا، تخجل وتسأل مابي.

– أنا الشخص الذي تبحثين عنه.

جحظت عينيها ثم أردفت: أنتِ مرعبة يا مس.

ضحكتُ: كيف هو قلبك.

سكتت متأملة فنجان القهوة في يدها.

يخبرنا الصمت ما تعجز اللغة صياغته..

– قديمة أنتِ يا مس، عتيقة أزمنة الحب، اندثرت.

– ألا يتعب قلبك من الجهاد؟

احتقن وجهها واحمرّ، عقدت جبينها، طأطأت رأسها وسمحت لدموعها بمغادرة عينيها.

قالت بنبرة مهزومة: بلى!

ثم رفعت عينيها، وليتها لم تفعل.. أقرأُ في الفضاء الضيق بين عينيّ ونظراتها:

آن أوان معجزاتكِ، اخلقي واحدة تجعل من قلبي الرقيق صلبًا لا يشعر بأحد.

مدي يديكِ وانتشلي هذا الشعور، منهكة خلايا جسدي، لم تعد تطيق صبرًا، أنتِ تعين ما تقوله عيني؟ مديها، يديكِ.. أتوسل لهذا فقط.

كنتُ أضعف من أن أمدها، كنتُ عاجزة..

أن تكون معلمًا لجيل الشباب، يعني أن تمتلك حضنًا لكل شعور، أن تمد يديك لتنهر الخوف وتربت على الاكتاف خالقًا اطمئنان..  يعني أن تسمع دون أن تعطي تعليقًا لكل جملة، أن تحفر بئرًا لا قرار له تدفن فيه الاسرار، ألّا تحفظها، لكن لا تنساها.

أنقر كتفها: أنتِ جميلة.

تبتسم وتصمها الدهشة..

– أحب رؤيتك كثيرا.. وأردتُ أن أخبرك بمدى سعادتي بذلك.

شكرتني بلهفة وبكلمات متلعثمة: أنا أحب رؤيتك أيضًا يا مس، لطالما رغبت بالحديث معك.

حملت إلي بكوب قهوة في صباح اليوم التالي، وضعته على مكتبي وقالت: يا رب يعجبك.

غادرت تُزين ملامحها ابتسامة عذبة، تُضيف للصباح لون السلام.

تفوح رائحة قهوتها في مكتبي، أتنفسها عميقًا: الحياة جميلة، تُغدق عليك بمجرد كلمة!

الساعة الثالثة والنصف مساءًا، تفصلنا ثلاثون دقيقة  عن الانصراف، الكل منهك، النفس قصير، والمزاج متعكر..

أُجيب حيرة زميلتي بينما ألمّ شعري: لا ملامة عليك وعلينا، نحن نتاج ثقافة مجتمع بنى بيننا وبين من نحب ألف جدار!

تمت تنشأتنا على سلوك الحذر من كل شيء، حتى صرنا نخشى لحظات الرخاء، توجسًا بما سيعقبها! حقك في هذا العالم أن تقوليها وأن تشعري بها.

– معكِ حق، سأجرب.

أرتدي عباءتي، أُطفئ الأنوار وأُغلق باب المكتب.. كل هذا التعب الذي يعقبه لذّة هو في معنى أن أكون معلمة!

مقالات وجدانية

في ذكرى الطيّبة.

علّقت مقالي على لوح التعبير المتميز في مادة الانشاء وقالت: هياء أنتِ موهوبة وأنا على استعداد أن اقرأ كل ما تكتبين.

كنتُ أكتب تحت تأثير مديحها لي ووجودها بجانبي كلما دعتني حاجة السماع لثناء!

في صف يحوي ما يقارب الثلاثين طالبة.. تقرأ ملامح كل واحدة منهن على حدا.

نظرت إليّ وقالت: أنا أعرف ما يدور بداخلكن!

كنتُ أعلم يقينا أنها لا تدري شيئا، ولكنها دعوة محب لحديث يُخفف عن النفس.

غريب أن يكون في محيطك إنسان يقدم نفسه لك، يفتح قلبه من أجلك، يتقبل أفكارك الغير عادية .. وتفرط بذلك!

– أخبريني يا هياء ما يُستفاد من قطعة اليوم؟

– من كانت لديهِ حيلة فليحتال يا أستاذة.

ضحكت بدهشة ثم قالت: لا يجوز يا هياء أن نأكل حق الآخر باسم الحيلة.

– وهل يجوز أن يُغفر للغبي غباءه؟

ابتسمت وهزت رأسها كأنها تقول: ستكبرين يا هياء وتعرفين أن قلة الحيلة ليست غباءًا.

كنتُ أتجاهل حقيقة وفاتها صبيحة هذا اليوم، القهوة تغلي على الفرن أمامي وأنا أدافع عبراتي.

رفعتُ طرف ردائي لأغطي به وجهي، وبكيتُ بسرعة.. وبسرعة كشفتُ عن وجهي ومسحت عليه كثيرا..

ابتسمتُ لأخي في غرفته وقلت: القهوة.

في موسم الانفلونزا الموسمية، قالت: سأعلمكنّ على شراب.. اصنعنه بحُب وحاربن به الانفلونزا بإذن الله.

ليمون أبو زهرة.

ملعقة عسل.

وملعقة حبة سوداء.

اغلينهُ في ماء، ثم اشربنه بعد تصفيته وتركه ليبرد.

قبل شهرين وتحديدا في موسم انفلونزا نوڤبر ٢٠١٥، صنعتُ نفس الشراب لزميلاتي في العمل على مدى ثلاثة أيام.

– هياء، نتائج شرابك سحرية، أين قرأتِ عنه؟

– لم أقرأ، لقنتنا وصفتهُ معلمتي في الثانوية.

– منذ الثانوية!!!!!!

كنتُ مشاكسة وضحوك، وكانت تؤمن بمحبتي للعربية وبإنصاتي لكل ما تقول، حينَ تستعصي على زميلاتي إجابة سؤالٍ ما، تختارني لأنقذ الموقف ثم تُغرقني بالثناء والمديح، تجعل من إجابتي عملا بطوليا رغم أنها المصدر!

قالت مرة لإحدى طالباتها: هياء طالبتي التي لا تكذب أبدا.

هه! ليتكِ تدرين كم كذبةً على نفسي كذبت منذها.

أسرّت إلي يوما: ستصبحين كاتبة ذات شأن في المستقبل.

وبخلتُ بمشاركتها  ما نشرَته لي المجلة الثقافية التابعة لجريدة الجزيرة.

كانت ستفرح مرتين، مرة لأنها تحبني ومرة لأن نبؤتها صدقت؛ صرتُ كاتبة!

وكنتُ سأفرح الضعفين؛ لأنني وجدتُ من يشاركني الفرح بقلب مفتوح وصدر رحب.

في آخر يوم لنا بالمدرسة نظرت إلي وقالت: هيونة أنا زعلانة منك.

بخوف وبسرعة سألت: – ليش؟

– جميع زميلاتك طلبن رقم هاتفي عداكِ، ولكني سأعطيك إياه.

لو كنتُ أُصدق أنك لستِ بخالدة وأنك سترحلين بعد ست سنوات من ذاك اليوم، لما كان آخر تاريخ لمحادثتنا ٧ يونيو ٢٠١٥

اليوم الأول من هذا العام قاسٍ جدا، أستجدي ذاكرتي البصرية؛

شعركِ القصير المُسرح بعناية، بريقُ عينيكِ، ابتسامة الرضا على شفتيك، العقد حول عُنقكِ والأساور تُحيط بمعصمك، سخاءُ مشاعركِ وكريم عطاؤكِ.

أعزي نفسي بفقدك وأشتم سذاجتي يوم ظننتُ أنك ستبقين دائما بطاقتي الرابحة في هذه الحياة، قِبلتي حين ينفضّوا من حولي.

سأقصُ عليكِ قصتي كل يوم، سأنظر إلى السماء وأخبركِ أنني تركتُ المدرسة التي عملتُ بها كأستاذة ومشرفة، وأنني الآن معيدة ولازلتُ متحفظة حول فكرة كوني معلمة رغم إجادتي للدور.

سأقص عليك أحاديثي المملة التي لا أقولها لأحد.

(نقطة في غير مكانها.. أغالبُ الحُزن والذكرياتُ تغلب.)

رحمة الله عليكِ معلمتي عائشة الغروي.

هياء .

ثالث / ٢ أدبي.

مقالات وجدانية

عام جديد وإنسان قديم.

أغراني شكل التاريخ للكتابة، اليوم الأخير في العام الأسرع من بين الألفين عام.

سأكتب أنني لازلتُ أحلم بإقامة ثورة على مستوى شخصي، أن أنشر كتابا عميقا يُبهر عمالقة فن البلاغة ولكنني حتى الآن لم أجرؤ، انتصرتُ على وِحدة الوقت ولم يتغير خوفي، بل صار عزيزًا ومنيعًا.

زادت الفجوة بيني وبين الواقع، الفواصل الذهنية تتمكن مني دون وعي.. تضحك زميلتي في العمل على سرعة شرود ذهني في وسط حديثٍ ما.

أما الأخرى فأبدت إعجابها لأنني انتبه لتفاصيل لا تخطر في بال الشخص العادي!

أمست معادلة فلسفية؛ الشخص العادي وأنا!

لن أكتب عن خسائرنا الفادحة، فهي أشبه بكيس لا قاع له ومع هذا مزدحم.

سأكتب عن الحياة التي يبدو أنها تختصرنا في شخص واحد مات منذ أكثر من الالفين وخمسة عشر عام..

كيف يحيا الانسان فينا قبل أن يموت؟ هل يُدرك شيخنا شيخوخته؟ وهل تستوعب أمهاتنا أننا حدث غير عادي في حياتهن؟ نحنُ عداد أعمارهن الذي أفنينه مع رجال -لا يملأ أعينهم سوى التراب- من أجلنا؟

يُجيبني والدي وهو يرتشف شايا أحمر في كوب زجاجي بلا لون: أنى لي أن أسافر لوحدي وأترككم؟ ماذا أفعل في السفر يا ابنتي؟

– عِش.

– أنا أعيش الآن.

ويرفع صوت الرائي على أخبار عدد القتلى والشهداء وانتصارات الرجل الابيض في الوطن العربي!

آه صحيح الوطن العربي، أهرع لخريطته وأبدأ بطمس الدول التي ما عادت تصلح للزيارة..

مصر، سوريا، ليبيا، اليمن، لبنان…. وانتهت الخريطة بيضاء بلا ملامح، وبقيت كلمة فلسطين.

فلسطين لم تُهزم؛ وُلدتُ وفلسطين تقاوم، لذا سأزورها قريبا إن شاء الله.

ينتهي عامي وأنا لازلتُ أقتات على الاكتفاء الذاتي، سنين عجاف أمضيتها أنظر عن أهمية الذات، حتى أنني ابتاع الورد بنفسي، أدسُّ وجهي في الباقة وأستنشق، أرفع رأسي ثم أزفر الهواء: رائحة الحياة!

ولكني لا أخجل الآن أن أعترف أني أضعتُ ذاتي!

في يدي اليسرى أثر حرق، يثير فضول كل من يراه، في البداية أعجبني وانصرفت أفكاري لقصائد الشعراء في مديح هذا النوع من الجروح، حتى استيقظتُ ذات صباح، ورحتُ أدعك يدي بقوة لإزالة الأثر لكن الأمر لم يفلح!

تخيل أن تعيش حياةً بطلها أثر جرح على يدك؟ تخيل أن تبتسم لغريب، والغريب مُكفهرا ينظر إلى يدك!

في جلسة هادئة نوعا ما، تأكدتُ أني ولله الحمد غير مريحة، أجل، شوط من العمر، وربع قرن، ثم الناتج ماذا؟

أن الآخر يرتشف قهوته بسرعة حتى ينصرف من أمامك!

أن الآخر يتحدث باختصار وبسرعة حتى يُنهي مكالمة هاتفية تخص العمل!

أن الآخر لا يبادر بفتح حديث لانه يخاف انزعاجك، يخاف من طريقة تفاعلك!

أن يكون الآخر زميل؛ جيد نوعا ما؛ فتقنين بعض العلاقات محمود، لكن أن يكون الآخر أحد أفراد عائلتك فهذه هي المصيبة الأعظم.

مؤسف؟ صحيح، لكن الوقت لا يتسع لأن نشعر بذلك، وإلمَ يتسع الوقت؟ للمزيد من السخرية عليه؟ لتزييف الحقائق التي لا تعجبنا؟ ولتكذيب أصوات ضمائرنا وتجاهل الحزن.

أن تتجاهل الشعور أسوأ بكثير من مواجهته، ولأن المواجهة فيها حقيقة صعب الاعتراف بها، فالتأجيل إذن الأنسب.

يتكدس الحزن، حزنا فوق حزن، وهما على هم، وتمسك عجوزٌ بيدي تقول: من يطلب يدكِ للزواج يا ابنتي وبها أثر جرح؟

أضحك، وكأن اهتمامات العالم انطوت بين طبقات جلدي!

الجيد في العمر أنه يعلمك كيف تسخر من مشاكلك وتقضي معظم وقتك تقهقه!  

تصيح بي: توقفي عن عادة السخرية، الموضوع جاد جدا.

كل المواضيع جادة يا أختي، ثم أن السخرية هي العادة الوحيدة الجيدة وما عداها سيئ.. ستصدقيني في يوم ما وستضحكين مرتين، مرة على المشكلة ومرة لأنها عادة جيدة.