مقال وجداني

ثرثرة

لأكون صادقة ليس لديّ ما أقوله لكنني سأثرثر بأشياء قد تكون مفهومة وقد تكون طلاسم ساحرة كتلك التي نراها في الأساطير.

ذات حديث مع امرأةٍ تكبرني بسنين قلتُ : كيف تأقلمتِ مع التغيرات التي حدثت لكِ , كيف انسجمتِ مع كونك فتاة صاخبة في يوم و أم تتحمل المسؤولية في أيام أُخر , ألا تعاتبين السنين وتتسائلين بأي حال كنتِ وماذا صرتِ.

أجابت بتساؤل : لا.

ربما يقول أحدكم لنفسه في نفسه أنني كثيرًا  ما أتحدث عن الكبر , حسنًا سأعترف بأنني أعاني من هاجس تأمل يلازمني طيلة الوقت , لا أكف عن مقارنة هياء الآن بهياء الصغيرة. أُعدد الحماقات التي فعلتها وأنسى أكثرها.

مؤخرًا – ليس جدًا – بدأت أؤمن بأننا نكبر دون أن نشعر , وأننا نكبر حين نرغب بذلك أحيانًا , ونكبر حين يريد لنا القدر أن نكبر أحيانًا أخرى , نحن نكبر في اليوم الدراسي الأول حين تُخرِّج البيوت أطفالًا جُدد في سنتهم الدراسية الأولى , نكبر والأطفال يدخلون أفواجًا أفواجًا من خلال بوابة مدارسهم المتهالكة , نكبر في اليوم الذي نعلم فيه أن الأباء يعانون من ضوائق مادية أحيانًا ومن لهفتهم على أطفالهم , نكبر حين نعلم أن أمهاتنا غير معصومات من الخطأ وأنهن يبكين خفية كما نبكي علنًا أمامهن , نكبر حين نشارك أصدقاؤنا ضوائقهم وحين تضيق بنا معهم.

نكبر في أيام تغافلتنا دون أن نشعر بها , نكبر صدفةً وفجأةً.

لذلك يتوشحني رداءٌ من هاجس عن الراحلين من أصدقاء الطفولة , وعن زميلةٍ ربطني بها موقف , وعن أخرى كانت تضحك معي كثيرًا وكنتُ أشعر بها تشبهني.

أفكر في صديقٍ ستأخذه الأقدار يومًا ويغيب خلف غسقٍ لا شروق بعده , سيغيب في يومٍ قد غبتُ فيه , أختفي ويختفي بالمقابل , لن ألحظ غيابه ولن يلحظ غيابي , سيمتليء رصيف أرواحنا بندوب وسيطأ الكثير من العابرين عليه , سيبحث عني لأرمم تلك الروح المندوبة وسأبحث عنه ليعيد بناءها , لن أجده ولن يجدني ,حينها سنكبر وقد اهترأ الرصيف ولن يعود مكانًا خصبًا يرتادهُ الآخرين.

عمومًا , بعض الأصدقاء يعيدوننا صغارًا بأحاديثهم , والبعض الآخر يجعلنا ندرك تعاسة الكبار بحديث.

اللهم ارحم و اغفر لعبادك : محمد , إيمان , ريم الثنيان , سارة الهليّل.

مقال وجداني

لا تَمت قبل أن تكون ندًا.

لن أكتب لك عن الحياة في صورتها الاجتماعية ومتاعبها, ولا عن الناس وما آلت إليه النفوس مؤخرًا.

سأكتب لك في معنى أن تكون عربيًا.

عن سنوات المراهقة الضائعة في صفحات الجرائد المحلية التي تستجدي عواطفك في مقالة عن شعبك المنكوب وأرضك المُغتصبة, تعلوها صورة الكاتب في أبهى حُلة وابتسامة كئيبة تجعل من قهوتك أكثر مرارة.

عن صور أطفال ترتشف الأرض دماءهم, يعقد الخذلان جبينه على وجوههم, وعلى نفس الوجوه يتجلى الانتصار في أبلغ فلسفاته.

ناهيك عن كلمة “دولة” اسرائيل الكلمة التي تُزهق روحك وتستحث الشتائم أن تخرج منك على هيئة كلمات وأفعال مثل أن تغرس سكينًا حادًا في كَبِد الحروف.

عن أن تبحث في تاريخ اسرائيل فلا تجد له مأرب! ثم تتساءل في أي البقاع تقع هذه المُنحلة الساقطة الخارجة عن كل عُرف إنساني سويّ.

تكبر وتتآكل قهرًا أن عدوك يعيش في أرضك, يقاسمك الخريطة؟ يأكل مما تزرع, ويشرب من نفس  البئر الذي أدمى يديكَ حفرهُ حتى الوصول لقاعهِ.

القاع!

القاع هو موقعي في الشعور بالهزيمة.

أن تقض الكوابيس مضجعك, تستيقظ وتقرر الاقلاع عن قراءة الجرائد وكأنها الجلاد الذي يُدمي قلبك بسوط الكِلم.

أن تشتم نفسك ثم تتقوقع عليها وتُغني ببكائك سيمفونية العجز.

أنا العربي العاجز عن كل شيء, حتى عن التجاهل, أردد : من يشتري عروبتي؟

وأنا البائس أشتريها بعد كل سؤال.