مقالات وجدانية

تكبّر ثم نسى!

ننسى أن نبكي حين نعتقد بأن الظرف الذي مرّنا تافه وفقير.

وبعد تدافع السنين ، نتفاجأ بهِ كبيرًا وغنيًا ، غنيًا بالألم ، ومحشو بالوجع.

ننسى أن نبكي يومَ تُلقى على عاتقنا مسؤوليات ، بمُوجبها نتخلى عن حقّ الرغبة بالبكاء حتى لا نخذل من يستظلِّون بظلالنا.

وفي لحظة تأمُل قصيرة ، تعود فيها إنسانيتنا وينبت بين الأضلاع ظلٌ يُشبهنا مشينا فوقه زمنًا.

ننسى أن نبكي ليلةَ يُخبرنا فيه الجميع بعظمتنا وجبروتنا ، ونغدو القُدوة التي يسير على نهجها الكثير.

تأخذنا العزة بالكمال ، فنضعف ونجفّ حتى لا نعود قادرين على العطاء.

ننسى أن نبكي على الحوادث لأن الآخرين أجمعوا على سخافتها.

وانصعنا لتقييمهم ، دون أن نُدرك أهمية التفاصيل التي قد تعني لنا عزفًا من أنينٍ صامت.

ننسى أن نبكي لأننا شخنا أعوامًا مسبوقة الآوان!

ننسى أن نبكي لأننا أعتدنا على السخرية من كل شيء ، حتى لم نعد نميّز بين ما يُبكينا وما يُضحكنا.

تشابهت علينا المشاعر واختلط حابلها بنابلها.

ننسى أن نبكي لأن نزعة الكبرياء لا تسمح لنا بممارسة هذا الحق أمام الجميع.

نحتفظ به لوقت إنفرادنا ، ويحالفنا الحظ الغير الموفق بطول الأمد.

ننسى أن نبكي لأن الأطفال وحدهم من يبكي ، وتجاهلنا أننا قطعةٌ من طفل قد كان يصيحُ يومًا باكيًا دون أن يخجل.

حزمة المواقف تلفُ نفسها وتنكمش داخل نواةٍ يتيمة مُلقاةٌ على أطراف الذاكرة.

تنمو ثمرة فاحشة البهاء ، مُكتظة بالبغيّ ، تفوح حُزنًا ، مزهوقةً ومعطوبة الأطراف حيث لا بداية لها.

وقتها فقط ، نبكي!

نبكي ظُلمًا.

نبكي حماقةً.

نبكي كُرهًا.

ونبكي إهمالًا.

نُدرك كم كانت المواقف أصعب من أن ننسى البُكاء حينها.

ونبكي مرتين ، مرةً للشعور الذي عشناهُ وقتها ، ومرةً لأننا تغيرنا منذ ذلك الحدَث.

إزددنا صلابةً وبالمقابل أصابتنا الهشاشة.

نبكي ويُبحر العمر في عصور الظلام ويتوغل!

يستخرج صغيرًا ، عاريًا ، وُلد ذات مخاض وبكى فلما كبُر تكبّر ونسى.