مقالات وجدانية

العاشرة والنصف مساءًا.

على غير العادة سأبدأ بتدوين تحذير أن الاستمرار في قراءة الهرطقة أدناه قد تزيد من تعاستك عزيزي القارئ وستُهمهم ناقمًا: لم يكن ينقصني مزيدًا من البؤس!

كنتُ نصيرة الساعات الأولى من الصباح، حتى شرعتُ في كتابة هذه التدوينة؛ الساعة العاشرة والنصف مساءًا، ابتسمتُ ساخرةً بماذا أعنتنا النهار حتى نحتاج لمساحة فارغة يخلقها الرب من أجلنا فنمارس البؤس من خلالها؟

مساحتنا الفارغة لم تكن بيضاء، كانت حالكة السواد تُمكننا من تعاطي الحُزن خِلسةً!

الآن يقفز إلى ذهني عنوان رواية غادة السمان الشهيرة: ليل الغرباء!

وليل المتحاملين ضد الساسة والقُضاة، وليل المتنازلين عن مبادئهم التي تتنافى مع متطلبات العيش بكرامة، هه!

وليل الذين تجاوزتهم أحلامهم، وليل السارق الذي أوجعته كرامته ولم يتنازل عن مبادئه، وليل المتأملين في سنينهم العجاف، وليل المحزونين الذين استبشروا كثيرا وضحكوا كثيرا كثيرا.. زاحمنا الغرباء في ليلهم! 

تأجيل الحزن، يشبه محاولة إغلاق خزانة ملابس فوضوية وغير مرتبة، ستفلح بإغلاقها، لكن سيزعجك أن الملابس في الداخل غير مرتبة ويقينك أن فتح الخزانة سيتسبب بسقوطها!

وتأجيل البكاء.

وتأجيل رفع استقالتك في وجه مديرك المتغطرس!

وتأجيل شتم مسؤولك! 

وتأجيل ابداء رأيك حول مطعم صديقك المفضل!

وتأجيل مصارحة زميلك في أنه منافق جيد!

 رغم ذلك لن أؤجل إخبارك بأنني أكتب بلا هدف حقيقي، وسأخبرك  وأعلم أنك غير مهتم، أنني من جمهور الكتابة لأجل الكتابة.. فقد أعيتنا المُثل والقيم التي نقرأها ونحفظها ولا مجال لتطبيقها! 

متعب الشعور بالخوف، حين يكون السيد والمسيطر، أن تقفز إلى ذهنك فكرة مرعبة وتوافق شخصًا آخر.. يمنعك من تكذيب نفسك ومن تجاهل كل ما يرد حول هذه الفكرة.

تنكفئ حول نفسك، وتبدأ بالهلع.. تبكي لحظةً وتهدئ من روع نفسك لحظةً.. تتحيّر وتصلي لتتسع خاصرتك وتختبئ بداخلها.. تختبئ حتى يمضي الوقت؛ يمضي إلى ما لا نهاية!

ستضحك حين أناقض ما كتبتُ أعلاه في أن الهلع يزيد مع   فكرة مُضي الوقت، فتبتهل مجددا أن يتجمّد الزمن وتتحقق الأبدية لقصصك المفضلة.. أن يعيش صديقك عُمرًا أطول من عُمر الحياة، ألا تكبر.. وفي الوقت عينه أن يشيخ شريك حياتك بين أحضانك، أن ينظر في عينيك فتجد اللمعة نفسها في عينيه، أن تحبه دائمًا.

على العموم، حتى لا أكون سببًا في شقاء مؤقت لك، الخوف ينتهي بانتهائك! ولو أبصرتَ هناءةً في طريقك الطويل حاول قدر استطاعتك ألا تخسرها فتتكبد ندمًا يسرق ما تبقّى لك من سنون تحاول أن تُعمّرها ما استطعت.

 كنتُ على موعد مع بكاء، اغتبطتُ بسببه، الآن الله وحده يعلم أين انصرف ذلك الشعور! هه.. تأجل! 

مقالات وجدانية

أضجرتها

“أضجرتُ نفسي”.

أضجرتها لفرط ما ركنتُها جانبًا وهمستُ في أذنها: سيحينُ دورك، فقط ليس الآن.

وكنتُ حين أحتاج مساعدةً لأغفر مثقال ذنب أحدثهُ صديقٌ ما، اسألها: هلّا أعرتني غُفرانًا من لدنك..؟ بارك الله فيكِ سيغفر الله لك.

– يغفر لي ماذا؟

– ممم قصدتُ إن أذنبتِ..

– وهل تتيح لي فرصة أن أقترف ذنبًا.

– ليس الآن، ليس الآن.

أضجرتها وهي تقف مُسندةً ظهرها على حائط الانتظار، يُزين كتفيها وشاح أبيض، تحاول استراق دقيقة تضحك فيها، لأنها تريد أن تضحك!

أسحب طرف وشاحها: اضحكي..

تتساءل بدهشة: لِمَ أضحك؟

– لأن صديقي مستاء ويجب أن أخفف عنه.

– ما المضحك؟

– لا أدري، فقط افعلي ما تؤمري..

ضحكت، وضحك صديقي..

بارك الله فيك، ستعود إليك هذه الضحكة ضِعفًا، فقط ليس الآن.

أضجرتها، يوم تراكمت المواقف، ووضعتها مجتمعةً في صندوق واحد، وأجبرتها على حمله!

– لكنه ثقيل.

– لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.

– لكنك لستَ الله، وقد كلفتني ما لا أُطِق!

– سأُخلصك من حمله، لكن ليس الآن.

أضجرتها بجملي المتكررة:

– ما يحدث طبيعي جدًا، لا يوجد ما يستحق أن تبكيه.

تدافع عبراتها:- لكنني أشعر بالرغبة في البكاء!

– ليس الآن، تماسكي من فضلك.

تُمسك طرف وشاحها وتدعك عينيها، في محاولة سريعة لأن تبكي ما استطاعت في بضع ثوانٍ!

أضجرتها يوم ألزمتها بأن تُحاكي مشاعر الآخرين أو حتى تُربت عليها؛أن تضحك حين يضحكون، وتُضحكهم حين يبكون، وتحزن حين يحزنون، أن تلتزم الصمت في غضبهم، وأن تلتمس سبعين عذرا وواحد.

أضجرتها في كل مرة تأتيني بشعور، وأُكذبها أو تطرق باب أفكاري بحدس ما، وأنهرها.

حتى وهن جسدها، ومال ظهرها، صار رأسها مطأطئا دائما، واستحال وشاحها الأبيض، أسودًا!

– نفد عفوي وغفراني، لم يعد هناك متسع لاقتراف ذنبٍ ما، صرتُ أنا الذنب!

اهترأت أسناني، لم تعد ضحكتي مغرية كما في السابق، رغم أني لم أضحك بعد!

لغتي التي تُسعف المحزونين، باتت ركيكة تزيد المرء تعاسةً.

عشتُ نظيرةً لأقرانك، أن أشعر كما يشعرون فقط!

أجلتني كثيرًا، لزمن غير معلوم، قامت ساعتي، وزمنكَ لم يحن!

هه! الله أعدلُ من أن يحملني ما لا أُطق، أن يمنعني من الحياة!

ثم تقوقعت على نفسها.. تراها من بعيد فتحسبها نقطة سوداء تشوّه المنظر العام!

مقالات وجدانية

“الامتنان يمنح شعور الخفة”

ضربٌ من مبالغة حين أعترف أنني أصبحتُ معلمة للمرة الثانية وبصدفة تسببت بها الصدفة الأولى. قرأت تغريدة نشرتها @seen_seen :

“الامتنان يمنح شعور الخفة.”

كان امتناني بالوظيفة أول الأشياء التي تبادرت إلى ذهني، وبكل التذمر الذي ألحقته بالوظيفة منذ أول يوم حتى ظهيرة الأمس شعرتُ بالخفة أخيرًا!

سبعة أشهر ازدحمت بالوجوه التي تُشبهني، لم تعد الملامح صغيرة والكلمات متقطعة، ولا عادت نفس العقول بيئة خصبة ازرعها بما شئت.

في معنى أن تكون محاطًا بيافعات تترواح أعمارهن ما بين التاسعة عشر والسابعة والعشرون!

أن تناقش إحداهن في قصيدة لمحمود درويش، وتلمح بقية الصف يُدون اسم القصيدة أعلى الكتاب!

أن تتنهد إحداهن وتخبرني بأنها على استعداد بأن تتخلى عن الأشياء في سبيل تجربة الأمومة، أفهم جيدًا حديثها ويصلني شعورها!  تنهرها زميلاتها.

ابتسم كيف للعمر أن يغيرنا؟

أُقلّب صفحات الدرس المُطعّم ببريق الألماس، تُحرك الخاتم في يديها وتجيب على سؤالي فيم إذا يعتقدن أن محبس الزواج تعبير مهم للحُب؟

–  ميثاق أن هذا الزواج ما كان ليستمر لولا هذا الحب الذي يجمعنا.

هه! هل يُعقل أن محابس رجالنا تشعر بخفة الحب، أم أنها  مُثقلة بواجبات الزواج!

أقطع المسافة مُرهَقَةً بين مبنى القاعات الدراسية ومكتبي.. أردد: “وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا”

تُثقل الأمانة عنقي، لم يعد كتفي صالحًا لكل هذا الحِمل، عضلة القلب واهنة بجلد الضمير.

أُغمض عيني أحرك رقبتي بعفوية، وأتذكر ضحكة طبيب القلب وصوته يوم قال: معلمة! عليكِ أن تعتادي هذا الألم!

أصعد السلالم، أرد على الأصوات التي تُربت على كل هذا التعب: صباحُ الخير مس هياء.

ابتسم كثيرًا: صباحُ النور.

– والبنور يا مس؟

أضحك: صباحُ النور والبنور.

ما معنى أن تحفظ الطالبات الجُمل التي أرددها؟

أصل لمكتبي وأشهقُ فور رؤيتي لعلبة بيضاء مليئة بالجوري الأحمر، مُوقَّعة باسم طالبة!

أجلس، أُسند رأسي على الجدار: أين هي بقعة الصلاح؟

لم يكن التعليم يومًا نقل معلومة من رأس واحد لرؤوس جماعة!

التعليم هو أن تصل لقناعة العطاء في كل شيء، في حرف، في معلومة وفي شعور!

ما ضرّ لو صبّت هذه الصغيرة همها في أذني بدلا من أن يخنقها وحيدة!

تطرق الباب: مرحبا مس هياء، مشغولة؟

– تفضلي يا صغيرة، لا أبدًا.

أضع أوراقي على جنب وأتفرغ لها تماما، أعرف أن حساسيتها مفرطة، تحتاج أكثر من مجرد أذن تسمعها، تحتاج أن توقظ حواسك الخمس من أجلها.

هذه الصغيرة صريحة، تبصق ما يزعجها دَفعَةً واحدة، تختم حديثها عادةً: أشعر أنك مالكة هذا المكان، نرتاح كثيرًا حين نتكلم معكِ.

أبسط لها كفيّ: تعلمين أن يدايَ خاويتين؟

– أعلم ذلك، لكنني ألجأ لك دون تفكير!

تخرج وأتنهد. بسيط هذا الانسان، لا يطلب كثيرًا، مجرد أذن تسمعه وقلب يهتم له، بسبب من تعقدت الحياة إذن؟

أتصل بأذن تسمعني، وتقطع حديثي الوديعة جدًا.

– مس هل لي بدقيقة أرى فيها علاماتي.

– بالتأكيد.

ثم قررت بكل ما أوتيت من حيرة أن تنطق أخيرا: مس، أجد صعوبةً في الافصاح عن مشاعري، حتى حين أبدأ بالبوح تضيع اللغة وتفسد!

– أحبكِ كثيرًا وأحب حضورك، الكل يفعل ذلك.

اندهشت: حقًا؟

– وأكثر، قوليها مرةً وستقولينها كثيرًا.

– سأحاول.

– تعالي دائما لمكتبي.. أسمعك جيدا.

– أحقا تفعلين؟

– أجل أفعل.

هذه اللطيفة التي احتار في حقيقة مشاعرها اتجاهي، أرقُّ من أوراق الخريف وأكثر منها هشاشة.

الساعة السابعة وأربعون دقيقة، أمام باب الكلية، تنهيدة واحدة تنقلني من البسيطة إلى الجسور!

تقول بانبهار: مس أنتِ الوحيدة في هذا المكان التي نشعر أنها قوية، مس هياء أنتِ البطلة خاصتنا!

مشيتُ في ذهول، الهادئة جدًا، تكاد لا تنطق في حضوري، كيف لها أن تهزّ دواخلي بجملة! وبأي عين تراني؟ أنا الخائفة من كل شيء، المُهددة بالعواقب والواقفة أمام شبح الندم.. أنا المتعبة التي تستجدي الحياة رشفةً باردة وتلهث وراءها لا إلى وجهة واضحة.

تقول لي زميلتي بحماسة وامتنان: هياء أنتِ بقوة ألف رجُل.

أضحكُ غير مصدقة.

أخرجُ من مكتبها، أتنفس عميقًا: بقوة ألف رجل.. بقوة ألف رجل.

من ذا الذي يُبصرنا حين نبلغ من التعب أقصاه، من يقرأ سطور حكاياتنا الحقيقية دون أن نُزينها بما نريده ونرجوه.

من يسمع صوت ضحكاتنا حين تختلط بنحيب يجتزّ ربيع العمر.

تضحك وتبكي في الوقت عينه.. تقول: استحلتُ مجنونا يا الله، سقط محارب آخر  يا الله.

تصمت برهة: إن كنتُ مجنونا، أنّ لي أن أفكر؟

تجثو على ركبتيك مُتعبًا: الصبر الصبر.

تُشرق الشمس من جديد، ذات الزيّ، الشعر المسدول، خط الكحل فوق العين، وأحمر الشفاه.

أشق طريقي بينهنّ.. أحييهن وأستقبل تحاياهن.

الصغيرة بظيفرتها الشقراء تنكفئ على هاتفها في نفس المقعد يوميا.

بعد ثلاثة أشهر من ملاحظتها قررتُ أن اسألها فأجابت: اقرأ كتابا الكترونيا!

أصل للمكتب أضع حقيبتي على نفس الكرسي، نفس عطر الشعر والملابس، نفسها رائحة البخور أيضا.

كوب قهوتي في يدي اليمنى، وعلى ساعدي الايسر كتابي.

المحاضرة الأولى صديقتي المفضلة من بين المحاضرات. اجتياز باب الصف يعني أن ألبس شخصية أخرى، الحازمة والمزاجية غالبًا.

– أرتبك في حضور مس هياء، عيني لا تُبارح الكتاب خشيةً منها.

تدخل للصف متأخرة: افتقدت وجودك الاسبوع الماضي.

– لا أشعر بذلك مس هياء.

– أنتِ تعرفين يا نبراس هذا المكان أن القسوة باعتدال تعني اهتماما، عدا ذلك ما كنتُ لآبه بك!

طأطأت رأسها وابتسمت: صحيح!

الساعة الثالثة مساءًا، في طريقي للمكتب تعترضه المتوجسة من الحياة والتي تخوض نقاشًا حادًا معها في صمت.

– مساء الخير، لا تُغالبي الحياة وحيدة، تعالي نخوض الحرب سويًا في مكتبي.

تهمس صديقاتها من على بُعد قدم: نأتي جميعًا يا مس.

طالباتي بالصدفة؛ طالباتي في حضرة خصومة مع الحياة!

– لا تأخذيها على محمل الجد.

– المشكلة يا مس أنني لا آخذها على محمل الجد، المشكلة في هذا التبلُّد الذي يمتد من نواصي العقل لجذور القلب! ما عدتُ قادرة على اتخاذ موقف حتى!

يا رب كيف لنفس الفاه أن يضحك بعذوبة ويتحدث بأحرف مثقلة بالضيق!

الأيام تزدحم والله وحده عليم بذات الصدور، تطرق الباب وتُطل كالعادة: فنجان قهوة؟

– طبعًا.

أنظر في عينيها مليًا، تخجل وتسأل مابي.

– أنا الشخص الذي تبحثين عنه.

جحظت عينيها ثم أردفت: أنتِ مرعبة يا مس.

ضحكتُ: كيف هو قلبك.

سكتت متأملة فنجان القهوة في يدها.

يخبرنا الصمت ما تعجز اللغة صياغته..

– قديمة أنتِ يا مس، عتيقة أزمنة الحب، اندثرت.

– ألا يتعب قلبك من الجهاد؟

احتقن وجهها واحمرّ، عقدت جبينها، طأطأت رأسها وسمحت لدموعها بمغادرة عينيها.

قالت بنبرة مهزومة: بلى!

ثم رفعت عينيها، وليتها لم تفعل.. أقرأُ في الفضاء الضيق بين عينيّ ونظراتها:

آن أوان معجزاتكِ، اخلقي واحدة تجعل من قلبي الرقيق صلبًا لا يشعر بأحد.

مدي يديكِ وانتشلي هذا الشعور، منهكة خلايا جسدي، لم تعد تطيق صبرًا، أنتِ تعين ما تقوله عيني؟ مديها، يديكِ.. أتوسل لهذا فقط.

كنتُ أضعف من أن أمدها، كنتُ عاجزة..

أن تكون معلمًا لجيل الشباب، يعني أن تمتلك حضنًا لكل شعور، أن تمد يديك لتنهر الخوف وتربت على الاكتاف خالقًا اطمئنان..  يعني أن تسمع دون أن تعطي تعليقًا لكل جملة، أن تحفر بئرًا لا قرار له تدفن فيه الاسرار، ألّا تحفظها، لكن لا تنساها.

أنقر كتفها: أنتِ جميلة.

تبتسم وتصمها الدهشة..

– أحب رؤيتك كثيرا.. وأردتُ أن أخبرك بمدى سعادتي بذلك.

شكرتني بلهفة وبكلمات متلعثمة: أنا أحب رؤيتك أيضًا يا مس، لطالما رغبت بالحديث معك.

حملت إلي بكوب قهوة في صباح اليوم التالي، وضعته على مكتبي وقالت: يا رب يعجبك.

غادرت تُزين ملامحها ابتسامة عذبة، تُضيف للصباح لون السلام.

تفوح رائحة قهوتها في مكتبي، أتنفسها عميقًا: الحياة جميلة، تُغدق عليك بمجرد كلمة!

الساعة الثالثة والنصف مساءًا، تفصلنا ثلاثون دقيقة  عن الانصراف، الكل منهك، النفس قصير، والمزاج متعكر..

أُجيب حيرة زميلتي بينما ألمّ شعري: لا ملامة عليك وعلينا، نحن نتاج ثقافة مجتمع بنى بيننا وبين من نحب ألف جدار!

تمت تنشأتنا على سلوك الحذر من كل شيء، حتى صرنا نخشى لحظات الرخاء، توجسًا بما سيعقبها! حقك في هذا العالم أن تقوليها وأن تشعري بها.

– معكِ حق، سأجرب.

أرتدي عباءتي، أُطفئ الأنوار وأُغلق باب المكتب.. كل هذا التعب الذي يعقبه لذّة هو في معنى أن أكون معلمة!

مقالات وجدانية

في ذكرى الطيّبة.

علّقت مقالي على لوح التعبير المتميز في مادة الانشاء وقالت: هياء أنتِ موهوبة وأنا على استعداد أن اقرأ كل ما تكتبين.

كنتُ أكتب تحت تأثير مديحها لي ووجودها بجانبي كلما دعتني حاجة السماع لثناء!

في صف يحوي ما يقارب الثلاثين طالبة.. تقرأ ملامح كل واحدة منهن على حدا.

نظرت إليّ وقالت: أنا أعرف ما يدور بداخلكن!

كنتُ أعلم يقينا أنها لا تدري شيئا، ولكنها دعوة محب لحديث يُخفف عن النفس.

غريب أن يكون في محيطك إنسان يقدم نفسه لك، يفتح قلبه من أجلك، يتقبل أفكارك الغير عادية .. وتفرط بذلك!

– أخبريني يا هياء ما يُستفاد من قطعة اليوم؟

– من كانت لديهِ حيلة فليحتال يا أستاذة.

ضحكت بدهشة ثم قالت: لا يجوز يا هياء أن نأكل حق الآخر باسم الحيلة.

– وهل يجوز أن يُغفر للغبي غباءه؟

ابتسمت وهزت رأسها كأنها تقول: ستكبرين يا هياء وتعرفين أن قلة الحيلة ليست غباءًا.

كنتُ أتجاهل حقيقة وفاتها صبيحة هذا اليوم، القهوة تغلي على الفرن أمامي وأنا أدافع عبراتي.

رفعتُ طرف ردائي لأغطي به وجهي، وبكيتُ بسرعة.. وبسرعة كشفتُ عن وجهي ومسحت عليه كثيرا..

ابتسمتُ لأخي في غرفته وقلت: القهوة.

في موسم الانفلونزا الموسمية، قالت: سأعلمكنّ على شراب.. اصنعنه بحُب وحاربن به الانفلونزا بإذن الله.

ليمون أبو زهرة.

ملعقة عسل.

وملعقة حبة سوداء.

اغلينهُ في ماء، ثم اشربنه بعد تصفيته وتركه ليبرد.

قبل شهرين وتحديدا في موسم انفلونزا نوڤبر ٢٠١٥، صنعتُ نفس الشراب لزميلاتي في العمل على مدى ثلاثة أيام.

– هياء، نتائج شرابك سحرية، أين قرأتِ عنه؟

– لم أقرأ، لقنتنا وصفتهُ معلمتي في الثانوية.

– منذ الثانوية!!!!!!

كنتُ مشاكسة وضحوك، وكانت تؤمن بمحبتي للعربية وبإنصاتي لكل ما تقول، حينَ تستعصي على زميلاتي إجابة سؤالٍ ما، تختارني لأنقذ الموقف ثم تُغرقني بالثناء والمديح، تجعل من إجابتي عملا بطوليا رغم أنها المصدر!

قالت مرة لإحدى طالباتها: هياء طالبتي التي لا تكذب أبدا.

هه! ليتكِ تدرين كم كذبةً على نفسي كذبت منذها.

أسرّت إلي يوما: ستصبحين كاتبة ذات شأن في المستقبل.

وبخلتُ بمشاركتها  ما نشرَته لي المجلة الثقافية التابعة لجريدة الجزيرة.

كانت ستفرح مرتين، مرة لأنها تحبني ومرة لأن نبؤتها صدقت؛ صرتُ كاتبة!

وكنتُ سأفرح الضعفين؛ لأنني وجدتُ من يشاركني الفرح بقلب مفتوح وصدر رحب.

في آخر يوم لنا بالمدرسة نظرت إلي وقالت: هيونة أنا زعلانة منك.

بخوف وبسرعة سألت: – ليش؟

– جميع زميلاتك طلبن رقم هاتفي عداكِ، ولكني سأعطيك إياه.

لو كنتُ أُصدق أنك لستِ بخالدة وأنك سترحلين بعد ست سنوات من ذاك اليوم، لما كان آخر تاريخ لمحادثتنا ٧ يونيو ٢٠١٥

اليوم الأول من هذا العام قاسٍ جدا، أستجدي ذاكرتي البصرية؛

شعركِ القصير المُسرح بعناية، بريقُ عينيكِ، ابتسامة الرضا على شفتيك، العقد حول عُنقكِ والأساور تُحيط بمعصمك، سخاءُ مشاعركِ وكريم عطاؤكِ.

أعزي نفسي بفقدك وأشتم سذاجتي يوم ظننتُ أنك ستبقين دائما بطاقتي الرابحة في هذه الحياة، قِبلتي حين ينفضّوا من حولي.

سأقصُ عليكِ قصتي كل يوم، سأنظر إلى السماء وأخبركِ أنني تركتُ المدرسة التي عملتُ بها كأستاذة ومشرفة، وأنني الآن معيدة ولازلتُ متحفظة حول فكرة كوني معلمة رغم إجادتي للدور.

سأقص عليك أحاديثي المملة التي لا أقولها لأحد.

(نقطة في غير مكانها.. أغالبُ الحُزن والذكرياتُ تغلب.)

رحمة الله عليكِ معلمتي عائشة الغروي.

هياء .

ثالث / ٢ أدبي.

مقالات وجدانية

عام جديد وإنسان قديم.

أغراني شكل التاريخ للكتابة، اليوم الأخير في العام الأسرع من بين الألفين عام.

سأكتب أنني لازلتُ أحلم بإقامة ثورة على مستوى شخصي، أن أنشر كتابا عميقا يُبهر عمالقة فن البلاغة ولكنني حتى الآن لم أجرؤ، انتصرتُ على وِحدة الوقت ولم يتغير خوفي، بل صار عزيزًا ومنيعًا.

زادت الفجوة بيني وبين الواقع، الفواصل الذهنية تتمكن مني دون وعي.. تضحك زميلتي في العمل على سرعة شرود ذهني في وسط حديثٍ ما.

أما الأخرى فأبدت إعجابها لأنني انتبه لتفاصيل لا تخطر في بال الشخص العادي!

أمست معادلة فلسفية؛ الشخص العادي وأنا!

لن أكتب عن خسائرنا الفادحة، فهي أشبه بكيس لا قاع له ومع هذا مزدحم.

سأكتب عن الحياة التي يبدو أنها تختصرنا في شخص واحد مات منذ أكثر من الالفين وخمسة عشر عام..

كيف يحيا الانسان فينا قبل أن يموت؟ هل يُدرك شيخنا شيخوخته؟ وهل تستوعب أمهاتنا أننا حدث غير عادي في حياتهن؟ نحنُ عداد أعمارهن الذي أفنينه مع رجال -لا يملأ أعينهم سوى التراب- من أجلنا؟

يُجيبني والدي وهو يرتشف شايا أحمر في كوب زجاجي بلا لون: أنى لي أن أسافر لوحدي وأترككم؟ ماذا أفعل في السفر يا ابنتي؟

– عِش.

– أنا أعيش الآن.

ويرفع صوت الرائي على أخبار عدد القتلى والشهداء وانتصارات الرجل الابيض في الوطن العربي!

آه صحيح الوطن العربي، أهرع لخريطته وأبدأ بطمس الدول التي ما عادت تصلح للزيارة..

مصر، سوريا، ليبيا، اليمن، لبنان…. وانتهت الخريطة بيضاء بلا ملامح، وبقيت كلمة فلسطين.

فلسطين لم تُهزم؛ وُلدتُ وفلسطين تقاوم، لذا سأزورها قريبا إن شاء الله.

ينتهي عامي وأنا لازلتُ أقتات على الاكتفاء الذاتي، سنين عجاف أمضيتها أنظر عن أهمية الذات، حتى أنني ابتاع الورد بنفسي، أدسُّ وجهي في الباقة وأستنشق، أرفع رأسي ثم أزفر الهواء: رائحة الحياة!

ولكني لا أخجل الآن أن أعترف أني أضعتُ ذاتي!

في يدي اليسرى أثر حرق، يثير فضول كل من يراه، في البداية أعجبني وانصرفت أفكاري لقصائد الشعراء في مديح هذا النوع من الجروح، حتى استيقظتُ ذات صباح، ورحتُ أدعك يدي بقوة لإزالة الأثر لكن الأمر لم يفلح!

تخيل أن تعيش حياةً بطلها أثر جرح على يدك؟ تخيل أن تبتسم لغريب، والغريب مُكفهرا ينظر إلى يدك!

في جلسة هادئة نوعا ما، تأكدتُ أني ولله الحمد غير مريحة، أجل، شوط من العمر، وربع قرن، ثم الناتج ماذا؟

أن الآخر يرتشف قهوته بسرعة حتى ينصرف من أمامك!

أن الآخر يتحدث باختصار وبسرعة حتى يُنهي مكالمة هاتفية تخص العمل!

أن الآخر لا يبادر بفتح حديث لانه يخاف انزعاجك، يخاف من طريقة تفاعلك!

أن يكون الآخر زميل؛ جيد نوعا ما؛ فتقنين بعض العلاقات محمود، لكن أن يكون الآخر أحد أفراد عائلتك فهذه هي المصيبة الأعظم.

مؤسف؟ صحيح، لكن الوقت لا يتسع لأن نشعر بذلك، وإلمَ يتسع الوقت؟ للمزيد من السخرية عليه؟ لتزييف الحقائق التي لا تعجبنا؟ ولتكذيب أصوات ضمائرنا وتجاهل الحزن.

أن تتجاهل الشعور أسوأ بكثير من مواجهته، ولأن المواجهة فيها حقيقة صعب الاعتراف بها، فالتأجيل إذن الأنسب.

يتكدس الحزن، حزنا فوق حزن، وهما على هم، وتمسك عجوزٌ بيدي تقول: من يطلب يدكِ للزواج يا ابنتي وبها أثر جرح؟

أضحك، وكأن اهتمامات العالم انطوت بين طبقات جلدي!

الجيد في العمر أنه يعلمك كيف تسخر من مشاكلك وتقضي معظم وقتك تقهقه!  

تصيح بي: توقفي عن عادة السخرية، الموضوع جاد جدا.

كل المواضيع جادة يا أختي، ثم أن السخرية هي العادة الوحيدة الجيدة وما عداها سيئ.. ستصدقيني في يوم ما وستضحكين مرتين، مرة على المشكلة ومرة لأنها عادة جيدة.

مقالات وجدانية

في أفضل حال، وأنت؟

– مرحبا.

– أهلا.

– ما أخبارك؟

أخباري؟

“توظفتُ حديثا كمعلمة مرة أخرى، القدر يأبى إلا أن يجعلني مربية للأجيال، يبدو أنه فيّ من الصلاح ما أجهله.

طالباتي يصغرنني بسبع سنوات أو ربما أقل، من هنّ الأم والحامل والمرتبطة حديثا والمطلقة أيضا.

أكملتُ شهرين في وظيفتي الجديدة، وأعتقد بأنني مستقرة إلى حدٍ ما.

وعلى الصعيد النفسي سأكمل شهرا من الشهرين، وفي قلبي رقعةُ غضب وشيء من حزن.

الحزن الذي يلبس بدلة تهريج ويقف أمامك مستعرضا حركاته وأنتَ تقهقه وتتحدث والعالم يضحك من حولك.

أشعر بأن كتفي عارٍ، ومزخرف، يسرُ الناظرين، يلتهمون منه بجشع ما طاب لهم وما لم يطب!

أحاول أن أستتر ما استطعت، لكنني مؤخرا بتُ أراني في منامي عارية والعالم ينظر إلي، أفيق فزعة، أشد لحافي إليّ وضربات قلبي لا تكف تنتحب.

ما عدتُ استمتع بالصباحات، ولا عادت خطوات الليل الأولى تغريني.

تحولت الشمس لبر أمان في نفسي؛ يُبقي العالم مستيقظا معي، والليل جاثومٌ يطبق على صدري كما يطبق على كبد السماء، لأنه فقط يجعلني في مواجهة مع النعاس!

استقطع من وقتي مؤخرا لأتنفس بصوت عالٍ!! أتنفس أجل أتنفس.

ماذا يعني أن تشهق وتزفر الهواء، لكنك لا تشعر بالحياة؟

ثُمَّ أخبرني أليس من حقنا أن نحب ونكره، نقبل ونرفض.

رويدك، تجاهل سؤالي هذا فالاجابة يسيرة، وأجبني: متى صار كف الاذى جريمة نُعاقب عليها؟ ولم غدى الصمت خُرقة تُمسح بها كرامتنا؟

دعني أتوسل إليك؛ هلّا سألتَ العالم رؤيتنا؟  اكتب لهم أن الرفق ليس ضعفا، وأن أفواهنا التي أغلقناها أبدا.. لا تعني بأن لا نفس لنا تشتهي وترغب!

وأننا حين نضحك نزداد صلابة، وأن الألسنة المعقودة تنحل عقدتها مع المحاولة والتكرار، وأن لنا قلوب توصد أبوابها في حين غفلة.

واعلَم أنك حين تكتبنا لن يقرأنا أحد! ومن يقرأ آخرًا كره فيه ما كره، وحاول جاهدا أن يلبسه ثوبا لا يليق به متجاهلا كينونته!

قلتها سابقا وسأعيدها حتى نحفظها عن ظهر غيب، العالم لم يعد يطيق بعضه بعضا!

ولك في أول تنهيدة ضيق تصدر منك، لتتهافت الأصوات من حولك: ما عهدناك بهذه الصورة!

تضحك مجاملةً وتُحدثك نفسك: متى عهدوك أصلا، ولم قننوك في صورة واحدة رغم أنك كائن حي ولستَ صورة تم التقاطها مرة وظلت كما هي!

أعيش هذا الشهر استجدي البكاء، أصبحتُ ثقيلة جدا من الداخل، والحياة لا تكف عن إدهاشي.

نبت في صحراء قلبي القاحلة صبّار، ضمأ قلبي، وضمأ الصبّار ولازلتُ أحاول أن أبكي.

لعلك تضحك الآن، فمن السخرية أن تمثل البكاء، لان العالم اعتاد تمثيل الضحك فقط!

في أوقات معينة، أشعر بنفسي تغص، أنكفئ عليها ولكنني لا أبكي!

لا تُربت على ظهري ولا تمسح بشفقة على رأسي، لا تتعب نفسك في تمثيل دور المهتم، ولا تُمطر علي بوابل من الكلمات الايجابية ولا حتى بالسلبية!

دعني أحزن، دعني أمارس حقي في الانسنة، لا تجعل لنفسك سُلطة على مشاعري.. نحن نحزن بهدوء تجنبًا لمثالية الآخر.. لا نهذي حتى لا نسمع!”

أخباري؟ الحمدلله في أفضل حال.. وأنت؟

مقالات وجدانية

اربعمائة وخمسين يومًا من الحُب.

أربعمائة وخمسين يومًا من العطاء المعنوي والحصاد المُجزي.

أكتب مُودعةً وظيفتي التي ماكنتُ يومًا أطمح إليها, وامتهنتها في محض صدفة؛ من عاطلة لمدة ثلاث أسابيع تتناول وجبة إفطارها في ساعة مبكرة إلى اتصال هاتفي أنهى وجبة الافطار وإذا بي معلمةللصف الخامس في العاشرة من ذات الصباح!

مجتمع المدرسة الذي عشتُ أمقته في حديث المعلمات, وظيفة تُشبه مقاعد الحرير المريحة والكثير من تفاهات الفتيات بمختلف مراحلهن!

أما المحيطين بي فهتفت أصواتهم بالتهاني والتبريكات وجُملة: لحسن  حظك, وظيفة سهلة وإجازات لا تُعد ولا تحصى!

في شهوري الثلاث الأولى والتي توافق الفصل الدراسي الثاني, كانت الأصعب والأكثر إرهاقًا.. لم يعد بعدها التدريس شيئًا سهل الممارسة وعاديًا, ولا المعلمات نساء محظوظات, انكشف غطاء الهيكلالمدرسي ولم يعد في نفس الصورة النمطية المتداولة عند الآخرين.

ثلاثة أشهر حاولتُ فيها أن أجدني ما بين الفتاة الطائشة والمعلمة القدوة حتى ضعتُ في أوامر المشرفة وتعليمات الوكيلة وسجلات المتابعة والتحاضير اليومية وخطط الضعف وجدولة المنهج وتصحيح كُتب, دفاتر, أوراق عمل وأوراق اختبار.

حتى شخصيتي ما عادت تشبهني وصرتُ أُوجس خيفةً من المرشدة الطلابية لكثرة تكدس خطابات الشكوى من الأهل!

تغيرتُ أنا الانسانة البسيطة ولم أتغير كمعلمة, كنتُ أتجاهل التعليقات التي لا تعجبني كأنني أعاقب الآخرين على حساب المرشدة المغلوب على أمرها.

وفي الجانب الآخر, ذبتُ في أول رسالة لُفت بعناية شديدة وخُطَّ في أولها كلمة: أحبك.

كان لي النصيب الوافر من ثرثرة الطالبات ومن تلويحهن في الأسياب حتى صارت جُملة: “أتوق لتكوني معلمتي” من أكثر الُجمل ترديدًا على مسمعي.

وأسأل نفسي في كل مرة إن ماكنتُ حقًا معلمة جيدة، أم أن طالباتي فُقنني خُلقًا وتجاوزن عن سيئاتي في أحاديثهن!

أربعمائة وخمسين يومًا ولا أعلم ما سر صفاء النفس الذي يغشاني بينهن، في صف رُصت مقاعده بترتيب واستحالت فوضوية بفضلهن.

ستٌ وستين شخصية تنوعت مابين الهادئة والمشاكسة، الضحوك والمتذمرة، المجتهدة والمهملة وشخصيات كثيرة لا أعرف لها مصطلحًا.

اربعمائة وخمسين يومًا كنتُ فيها أختًا لهن، لم أكن أمًا لأنني لستُ بالقدر الذي يجعلني أنزل هذه المنزلة المُقدسة.

ولأن الحاجة للأخت ذو أهمية بالغة فقد حطّت في صدري مشاعرهن السلبية والايجابية وأسرارهن البسيطة والمعقدة حتى لم أعد أطيق تعليقًا سلبيًا في حقهن.

خضتُ نقاشات جدية مع الزميلات في سبيل الدفاع عن شغبهن، ودخلت في مشاجرة مع أخريات من أجل رضاهنّ.

بذلتُ كمًا من الشعور في غير تفكير، كان المنطق يستحيل لمعادلة لا فائد ولا عائد منها في حضورهن.

صار طريق المدرسة ممهدًا بأسمائهن، ومع كل اسم موقف يبعث عالابتهاج.

اربعمائة وخمسين يومًا عشتها في كنف الحب.. أُغدقت بكمية اهتمام ومفردات ركيكة من الغزل.

ليان السديس وتسريحة شعري التي جعلتها يومًا تنطق معبرة أخيرًا: الله شكلك مرة حلو اليوم.

وصوت شادن تهتف من آخر الممر: مٍس هياء.. سلامتك.

ونوف تُخبر زميلتها التي سألتني أي الألوان أُحب فأجابت: مس هياء تحب اللون الأصفر.

اربعمائة وخمسين يومًا اسألني فيها: أي صلاة من أجلي أُجيبت على هيأتهن

ّ

!

اربعمائة وخمسين يومًا اختصرتها عيني إحداهنّ اليوم، ولازلتُ أستجديها في رأسي أن لا تبكي يا صغيرة فما أنا إلا مغلوبٌ دعا ربه فكنتِ

أصلح الله القلوب الصغيرة التي جعلت مني أكثر مرونة وتقبّلا, وملأها بحُبه وذكره.

هو وحده يعلم أني أحببتها  حتى وإن أخفقت في التعبير أو العمل بذلك الشعور.

وهو أيضًا يعلم أنني وجدتُ الحب لأول مرة في أعينهن.

رافقهن التوفيق وبارك تخرجهن من الصف السادس.

“إن أصبت فمن الله وأن أخطأت فمني والشيطان”

مقالات وجدانية

ثلاثةٌ ورابعهم هوية.

” لن أبدأ رسالتي برجاء أن يكون مساؤك خيرًا لأنني بحق لم أعد أعلم في أي البقاع تجلس ولا على أي الشواطئ تقف لتُودع أحزانك.

كنتُ قد عاهدتكَ في رسالتي الأخيرة أن أكتب إليك كما كنا قبل عهد ازدواجنا.

الآن أخط رسالتي إليك كما لم أفعل من قبل, فلم تعد أنت المادة المثيرة لكل سؤال يختبئ في حيرة.

أعتقد أن الفلسفات التي ننظمها لا تتعلق بنا كأفراد إنما هي مسألة وقتية تتعلق بالعمر, ففي إحدى الدقائق تنتفض هوية الواحد منا, لتصفعنا بلظى التيْه حيرتنا في أمرنا.

أتساءل هل نحنُ المُختارون في كتاب الأقدار لنجلس في هيئة سلسلة تنتهي كل عقدة بسؤال يبعث في النفس غيبيات لا علاقة لها بسوانا.

في بداية الحلقة تجلس أنت وأجلس بجانبك في فخر كاذب, لتُملي علي كلامًا كنتُ أكاد أجهل معظمهُ وأشعر بالباقي منه يخنق الروح بوشاح أبيض يستحيل بلا لون مع كل غروب.

أما وأنا أكتب لك في هذهِ اللحظة فلستُ أُقرؤك البشائر بأن عددنا ازداد واحدًا, أمسينا ثلاثة ورابعنا هوية بيضاء بلا ملامح واضحة.

البشائر ستأتينا حين تُشرق نفس الشمس دون أن تستيقظ نفس الاستفهامات.

في أول جسر اللقاء كانت ثقيلة , عينيها تَشي بالكثير, في صورٍ عفوية كتلك التي اعتدتَ أن تلتقطها لنفسك.

للواحد منكم ذات الطقوس, وكأن عهدًا كُتبَ عليكم بأن تلعبوا بمعايير الوِحدة عينها.

وأنا أتأمل من زاويةٍ فقيرة وأحاول أن أترجم فكرةَ لماذا يجب أن يكون التائهون بصورة جمالية مكتملة , تصلُح أن تُعرض في إحدى متاحف العالم الشهيرة.

ثمَ ألم أخبرك بأن الكبرياء ينزع من ربيع العمر بهاءه.؟

أراني في ساحة جريمتي المباحة, أُمسك مطرقةً وأدك الكبرياء دكا, ليسقط الضنك كلفائف حرير من أعلى رفٍّ عتيق, ينتشر غبارها في الأعلى وتصل الأرض لترقد بسلامٍ آمنة.

وأنتم كيف تكبرون؟ ألا يموت الشعور حتى يختفي رويدًا رويدا, وتطول زوايا البرد في الافئدة لينبت في أطرافها جليد؟

ما معنى أن تضحك طيلة اليوم وفي آخرهِ تزفُر ضيقًا وتهمس: أشتاق أن أضحك.

سأختم رسالتي وأنا أعلم أنك تمتلئ بالكثير لكنك لا تشتهي الحديث, أو ربما بلغ التيْه مبلغ أن تقف في المنتصف وتبحث عن البداية وتتجاهل فكرة أن تكون قدمك تطأ البداية فعلًا!

أنتم يا صديقي تنهيدة أزفرها كل يوم وتكبر في داخلي, وكأن الزفير يعود من حيث خرج.

على كلٍ طبتَ سالمًا , ولا تأمن لزبد البحر, فقد يتقيأ حديثكَ يومًا ويملأ الأرض حُزنًا يُشبه حزنك, ويغدو العالم تائهًا بلا خارطة.”

مقالات وجدانية

المسخ.

قد كتبَ التشيكي كافكا يومًا عن قصة رجُل غرق في روتينهِ وواجباتهِ وتفاجأ بنفسه يومًا وقد تحوّل إلى حشرة.

ماذا لو استيقظتَ صباحًا وحدث لك ما حدث لـ (غريغور) إذ بعد أن تحسس جسدهُ اكتشفَ أنهُ لم يعد بشرًا بعد الآن.

ستُخرج أحلامك من دُرج التأجيل وتقذف بها من أعلى نافذة في أعلى حجرة وتراقب تحليقها المؤقت حتى تتناثر في الشوارع وعلى الأرصفة وتعرقل المارة وتُضحك المشردين.

ستحاول أن تشاركهم الضحك على حماقات التأجيل لكنك ستبكي الوقت الذي غادرك دونهم, ستحاول أن تمسح دموعك التي لا تعرف من أين انزلقت لكنك لن تجد يديك وستضيع محاولًا اللحاق بقرني الاستشعار اللذيْنِ يقودانك إلى حيثُ لا تعلم.

ستطوف حولهما عبثًا وكل ما تفكر به هي أحلامك اليتيمة بعد الآن , مَن سيحتويها ومَن يفتح ذراعيه لها.

وتسمع في رأسك المدبب الصغير صوت دقات عقارب الساعة وترى مكتبك الصغير الممتلئ بأوراق  تربطك بها المادة وفي أسفل المكتب دُرج ودفتر صغير تسكُن عاطفتك بين أوراقهِ.

وتسأل نفسك هل غادرني العُمر أم غادرتُه؟

وسلسلة أحلامك الواقفة تباعًا تسيرُ وحدها وتتعثر في منتصف الطريق , تحاول الوصول إليك , تلفت انتباهك بوميض  , تراها بتثاقل وتُلوح لها قائلا: ليس الآن.

ومتى يحينُ أوان تحقيقها؟ وهل سيأتيها وقتها المناسب أم أنه مرّ بجوارها ولم يراها؟

ولو أنك بسطتَ يدكَ لوجدتَ الوقت المناسب يرقد في منتصفها.

مؤخرًا أصابني هاجس أين الكتابة مني

وأين رنين الكلمات الفصيحة عن أذني؟

ووجدتني في معضلة العُمر الكُبرى؛ هوَس الحُلم.

كتبتُ خوفًا من هربَ الكتابة , ولم أكتبُ شوقًا للكتابة, ولازلتُ أسألني مَن يهرب مِن مَن؟

مقالات وجدانية

نصف حائط.

فكرة أن العالم يضيق ليخنقك.

وأن سديمًا يتكثف فوق رأسك ليمنع عنك الضياء.

وأن غولًا يزفر ثاني أكسيد الكربون في أنفك حتى لا تعود قادرًا على التنفس.

فكرة أنك صفرًا على يسار أرقام كثيرة في حياتك.

وأنك حاشية تحت خطٍ رفيع في أسفل كتاب.

فكرة أنك صورة مؤطرة بإطار قديم على رفٍ يعشعش عليه الغبار.

وأنك تائهٌ بين أشخاص لم يعد لديهم متسعٌ لك.

وأن المحيط أرفق بك من اليابسة وإن أماتك غرقًا أو قدمك قربانًا لمثلث برمودا.

فكرة أن ثقبًا في وسط صدرك يتسع ويتسخ.

وأنك جمادٌ مجرد من المشاعر أو عامودٌ في وسط سوقٍ قديم يُتكأ عليه.

فكرة أن يخرج أمانٌ من صدرك وتتأمل خروجه بخوف ورهبة.

وأنك عاجزُ عن الحديث أو الحراك.

فكرة أن تكون نصف حائطٍ , لا يحجب شيئًا ولا يكشف كل شيء.

وأن جاثومًا يُمسك بقلبك تارةً ويتركه تارةً أخرى.

فكرة أن تكون مهرجًا عظيمًا سيّد كل كرنفال.

وأن تبكي ويضحك الجميع لأن دموعك لا تليق بك.