مقالات وجدانية

دواعٍ كثيرة

مزعج الشعور الذي لا أجد له مبرر، الضجيج الذي يُربك هدأة قلبي على غفلة من نهاري العادي، ما الشيء الذي أفلت من ذاكرتي القديمة وأحدث هذه الفوضى..؟ أحاول أن أُعنونهم تباعًا علّي أمنح كل واحد منهم كفايته ليأخذ دورته كاملة في نفسي.. ثم يغادر تاركًا خطوط المستقبل في قاع فنجانه. ذاكرتنا القديمة؟ هممم مصطلح أدبي يُعطي شكلًا بلاغيًا للنص أكثر من ندوب مثلًا.. على اعتبار أن الندوب قد تعطي صاحبها صفة العطب بينما الذاكرة القديمة إيحاء للتخطي باختيار حين رُكنت! حسنًا لن أخوض كثيرًا في المصطلح الأنسب الذي يجمع دهشتنا من أنفسنا حين عشنا أكثر مما خمّنا أثناء مرورها وبين آثارها المتبقية في أزقة الروح الضيقة حيث غياب الضوء بصورة متقطعة، مشاكل ضواحيها أقوى من الصوت.. وأكثر تعقيدًا من البوح.. تحوي صورنا الحقيقية وتحفظ صدى اعترافاتنا المقموعة.. المبررات التي نكره من خلالها أولئك الذي يدعون محبتنا وندّعي تصديقهم، تحتفظ أيضًا بمحاولاتنا التي باءت بالفشل وعجز اللغة أمام بركان الوصف، تذكرتنا بجهلنا بذواتنا في لحظات الصفاء لكنها أيضًا اليدين التي تصفق لنا بحرارة مع كل إنجاز.. هه تُضيء ساعةً دون أن يلتمس كهربها! 

على فرض أن في العقل قبو يدفن فيه المرء انفعالاته.. رغباته وأفكاره التي إن نطق بها سيحكم عليه المجتمع بالنبذ حتى وإن كان المجتمع يتفق معها لكنها موجودة لتُضمر.. وفرض أن في الروح دهاليز وأزقة مُظلمة يطوي فيها المرء صوته وهزائمه وتُخفي عتمتها ما خطه الزمن على جدرانها، مَن هي الأنا الحقيقية؟ ومتى تظهر؟ إن لم تكن نتاج كل هذا؟ تبدو المفارقة مزعجة في العطوب التي تجعل من الفرد صالحًا رغم أنها خربته! يعني أن الخراب يُصلح اعوجاج ما! الفكرة لا تعجبني وتعجبني في نفس الوقت، لا تعجبني في أن الصلاح مُكلف وتعجبني في أن الخراب ليس سيئ بالضرورة.

في عامٍ من الأعوام لا أذكر متى بالضبط اكتشفتُ نوعًا جديدًا من العجز المُسبب للبكاء.. عجز لا يصدقه المُتلقي وحدك تشعر به.. وسأعترف دون ادعاء للتواضع أنني لا أدري سبب العجز فأحيانًا أُلصق التهمة بالوحدة وباتساق المرء مع ذاته ما يجعل الكلام عن أشياء تكدست أمر غير مجدي لأنه لو كان كذلك فلم اعتناق الصمت منذ البدء؟ لأن لا آوان لها؛ هي أشياء حدثت ولن يعلم عنها أحد نوع من أنواع الأقدار لن تفلح نظريات علم النفس التي تنادي بالكتابة وبالكلام معها.. حتى أنه يخيل إلي بأن فعل أي مما سبق قد يزيد العقدة كفتاة تحاول فك عقد سلسلتها الذهبية بينما ينتظرها الجميع في السيارة فصار لزامًا عليها أن تتنازل؛ إما أن تتخلى عن جزء من زينتها وتتركها وإما أن ترتديها بعقدتها على أمل أن لا يلحظها أحد وإما أن تفقد صوابها فتقطعها إلى نصفين لتكسب معركةً في حرب الندم المؤجل لحين عودتها إلى المنزل. آه كنت أكتب عن اكتشافي لنوع عجز جديد أو سأسميه دافع للبكاء! حين تنوي أن تُفصح.. أن تخبر أحدهم عن  كل الحياة الأخرى التي لا يعلم عنها أحد.. ستتفوه بما لا يقوى على أحد الشعور به، وحدك تفعل.. تفتح فاهك فتندفع الحروف مرة واحدة وبطريقة لا تعلمها تتبعثر وتصطف على هيئة غيرهيأتها الحقيقية وتقول أشياء ثانوية لا تشبه ما بداخلك في شيء والأدهى من ذلك أنك ببداهة تُبرر للكلمات المشوهة فتأخذ طابعًا حقيقيًا.. لكنه ينتهي بالبكاء! بكاء فحواه ليس هذا ما أردتُ قوله. وتجفف دمعك على مناديل مواساتهم التي تهز رأسك لها باستسلام!

في اعترافٍ غير مهم ولكنه غير مُسبق أيضًا.. رغم ثرثرتي وكتاباتي وعُلو صوتي واندفاعه.. رغم الأعوام التي سمعتُ فيها صديقاتي وتحدثتُ فيها مع طالباتي لم أقل يومًا عبارة: أعرفك.. غريب صحيح؟ أو ربما لا.. لكنني لم أفعل لا بالصدفة وإنما بقصدٍ محض، لا أجرؤ على أن أتفوه بكلمة كهذه، أتخيل صاحبها يسخر مني حين أقولها باختزال مبتذل لتاريخ الفرد الماثل أمامي أو لصوته الذي عبرته المواقف لتتشكل نبرته على هذا النحو الذي أسمعه، ورغم ذلك أزعم بأنها أكثر عبارة قيلت لي وأجزم بأنها ستقال كثيرًا ولأصدقكم الشعور، يعجبني سماعها.. تضعني في منطقة آمنة؛ منطقة مريحة لا أخشى فيها محاولات اقتحام دوائري، سيكون من دواعي سروري أن يعرفني الجميع كما أحب وأريد.. وسأكون دائمًا أرى فيهم ما يدعو للاكتشاف وللتأمل!

 

مقالات وجدانية

عنفوان الصحة

تأتيني الفرص على طبقٍ من نحاس -درءًا للكذب- وأفوّتها خشية أن أفقد أمانيّ الحقيقية تباعًا، تأتيني وتعبر من أمامي لا من خلالي وأبقى أتأملها في منطقة اللاشعور، لا أنا السعيدة ولا البائسة، لا النادمة ولا المطمئنة، لكن قلبي ينقبض في مرورها وتلاشيها وأتساءل أأمانيّ تخونني إذا نظرتُ في غيرها، أم تُشفِّع فيني نُبل غايتي؟

أن تُشارف على الثلاثين وصُرَّة أحلامك الكبيرة فارغة، تُكيَّف الحُلم حسب الظرف الراهن فإذا بالظرف الراهن يستبّد ويفرض سُلطةً تبتر وريد الحياة وتمضي سنونك بجانبك تتأملها في رحيلها الأبدي تحمل معها رقمًا محسوب عليك لا لك..!

تمد لك الأشجار ظلالها الوارفة فتخشى أن تمكث طويلًا وصفصافك على ضفة النهر تذبل انتظارًا! لكنك على أية وسواس تمكث اقتناعًا بنظرية المحطات إذ لابد أن تأخذك محطة ما إلى حيث تصبو، لكن هل ستصل إليه في الموعد إذ أن آخر ما تودّه تأخيرأكثر مما أنت عليه الآن! في هذه المحطات ترى وجوه كثيرة تُشبهك باختلاف الوسيلة التي قادتهم إلى هنا، تتحدث إلى أفواه بيضاء ناشفة مُتشققة تُخبرك عن لذة الإستسلام المُرة، عن لونه الباهت، عن رائحته الصمّاء وعن حراشِف قشرته! بعد هذا الوصف المُميت يناصحوك لتستسلم: آن الأوان لكتفيك بأن يرتخيا.

آه سؤال جيّد: هل من المفترض أن ترتخي أكتافنا بعد ثباتها؟

نختنق بالتفاصيل التي لا نملك من أنفسنا حق البوح بها، الحقوق المدهوسة بفضل أشياء لا تستطيع معها بتغيير، لكنها الحالة العامة المفروضة ولأنها مفروضة فلا سبيل لك معها سوى التسليم، ما الفرق الآن بين الاستسلام والتسليم؟ التسليم أن تعيش في حدود الممنوح مذعنًا لقوانين غير منطقية، أما الإستسلام يعني أن تعيش في حدود الممنوح مذعن لقوانين غير منطقية. 

الإذعان معضلتنا التي نحاول عبثا أن نتأقلم معها، في أيام الصفو نُصفق للتكيُّف ولقوانا المُبهرة التي أثبتت صلابة مفاصلها ولم تركع خنوعًا وحين تقترب عجلة الامتحان، وتطأ جزءًا منا.. نعيش مُدنفين تحت سياط عقارب الوقت الحادة، ونشعر بالعجلة تسحق ما بين أضلاعنا فلا نحن الذين تقيأنا الوجع بالصراخ ولا نحن الذين احتملنا مرور الهواء ليكهرب ضيق الحيز المتبقي وبالكاد يصل الرئتين.

تقول صديقتي: الزواج هو الحل، دوامة الزوج والطفل لا عقل معها.

يعني أن الزواج اختيار وارد في بناء الذات عن طريق هدمها أو تذويبها في شخصيات أخرى ثم تستبدل كتابك المفضل أبدًا بكتاب الرجال من المريخ والنساء من الزهرة”، لكنك لستِ من الزهرة أنتِ لم تعودي موجودة على الخارطة الإفتراضية في تحقيق النفس” وتعزيز الطموح، ثم تُعيدين دورة حياتك المُفرغة إلا من ماضي المحاولات غير المكتملة في كائن جديد لا ذنب له سوى أن والدته أرهقها النحت في صخر المستقبل فأنجبته! طرأ لي الآن أن أسميها دورة مجتمع غير صحي!

  • أنتِ تُفاقمين الأمر بفرط التفكير.

أضحك وأتذكر سِرًا مقالة صافيناز كاظم التي لم تنشر أبدًا: “تفسير أحوال عدم القدرة على الكتابة بعرض عينة بينة” حين سمّت التمحيص في الأمور بمرض عنفوان الصحة. فعلًا أنا مصابة بعنفوان الصحة ولا أخجل من تشخيصي بهذا المرض ولو أن الإمتناع عن الشفاء منه مُكلف كثيرًا لكنني سأحرص أن أورثه لأولادي أيضًا.  يتعبنا الجهل، هل نحن مسلمين راضين، أم مُدعين نُمنّي النفس بانقضاء مرحلة هي الحياة. أنا التي تُداوي الأيام بدندنة: مالي.. وأنا مالي وأنا مالي؟ (أضحك) من لي إن لم تكن أنا؟

مقالات وجدانية

ثالثنا أرق

اختفى بغير الطريقة التي جاء بها!

انبلج الصُبح يُحْييني بعد أن أسكر نفسي بلذّتهِ وأذاب بقدومه حواجزها وألغى وعودها وأيمانها! وتسللتْ الشمس إلى الداخل مُستغلَّةً غياب ستائر النوافذ قبل أن ترتفع وتعانق هامات المنازل الإسمنتية! 

قبل قدومه بيومين فقط، جلستُ مع نفسي وثالثنا أرق، يتودد إليها فتأبى، يقترب منها فترتعد هلعًا وتضم يديها فوق صدرها خشية أن يقتحم قلبها وينفض مخاوفها فلها قلبٌ تعْقِل به وتودعه أصول أعوام ابتلعتها وحيدة ولم تكشف منها ورقة واحدة  آثرت العقوبة على الفصح.. فالأولى تبدأ باتهام وتنتهي بندبة لكنها تنتهي على الأقل، أما الثانية فإن بانت جردتها أعين الناس وسجلتها ذاكرتهم بعُريها البريء! 

أُخبرها بجدوى الأرق كرفيقٍ مناسب في حضرة سكون الوحدة، مادام النوم قد غادرها أيام دون أن يُكلِّف نفسه ببضع غفواتٍ تسدُّ بها رمقها. أليس ظُلمًا أن يدفع الطرف المُلتزم ثمن تصرفات الآخر الطائشة؟ ثم هو من بدأ ونكث الميثاق فالأرق في هذه الحالة حاجة وليس تطفلًا في علاقةٍ بائسة بين اثنين! وأخيرًا، بعد جهودٍ حثيثة وافقت على مضض أن تحتويه كرفيق ربما أقل لكن قطعًا ليس أكثر. بعد أن أنهيتُ حمامي الدافئ ليل البارحة، وجئتُ بقدح الشاي ووريقات النعناع حتى يسترخي الأرق بينما يفضح أمامها الفِكر والنوايا دون أن ينقطع نفسه أو يفقد أعصابه نتيجة عنادها.

 أقبل!

أقبل على غير هيأته؛ بلا بِزَّة نظيفة وأنيقة، بلا رائحة العطر الزكية، بلا تسريحة الشعر التي توحي بأنه قضى وقتًا يرتبه خصلةً خصلة! جاء يسحب قدميه بإعياء، كتفيه ضامريْن ووجهه شاحب وتبدو على جسده مشقَّة الخطيئة، لم يكن يزفر كان يتنهد، جاء فوثبتْ إليه تعانقه قبل أن يسألها العفو! هه.. لابد أنها تحتفظ له مع بقية أوراقها التي خافت عليها بصك غفران بلا شروط ولا تاريخ انتهاء! عانقته بعينيها ليسكُن إليها ويُسكنها، ولفرط الإشتياق والتعب لم يُقحم وساوسها بينهما كحُلم. عاد إليها بلهفة المرةِ الأولى!

واختفى الأرق بغير الطريقة التي جاء بها!

صحيح! الأمر الأهم.. من قرن الخير بالتحايا؟ 

مقالات وجدانية

خيرة

الخيرة هي الطريق الوحيد المتاح، وهي الغنائم المُتبقية من معركة لم نخضها بعد، ونتائج خسائر المكاسب التي استثمرناها.

الخيرة هي الفرج في مأزق مواساة مكروب، وهي اللقمة الناشفة في فم الذي ترك في منامه مائدة.

الخيرة عكاز كتفين هبطا بعد عِزة، ولبِنة أولى على أرض نوالها بعيد، والخيط المتبقي من حبلِ مشدود

 الخيرة هي الجواب المفقود لكل الأسئلة، والذنب المغفور، وهي غفوة الفرح الطارئة وصفعة اليد المبسوطة على ذهنٍ شارد

تُقبل مبادهة فتمنع الحنق وتُمسك الرضا! إن أنت اعترضتْ كفرت، وإن قبِلتْ جثم جيش الهزيمة على صدرك وأطاح بدمعك، إن أنت بكيتْ فرّطت بهدايا التجلد، فيتحول الدمع غصة عالقة تُعيق الهاء عن الخروج، الآن وقد طحنت جيوشها داخلك وأوصدت عساكرها منافذ  التعبير وأحبطت محاولات التنهيد للهروب وتكدّس النصب والوصب الذي لو ثار لملأ حُلوق الأرض وأغرق حياضها صراخًا وماءً، تتحول منافقًا باطنه عارِض وظاهره قانع.

 في وسط الحيرة، أبحث عنها.. عن بوصلة تُشير إلى قِبلة المآل المنشود، أيهما سكن وأيهما محطة، أيهما طريق لا نهاية له وأيهما خط عودة، أيهما تعريف مُكمّل للهوية وأيهما أُحجية مُضللة. 

أبحث عن الخيرة لتكون فيصلًا فلا أهتدي إليها، كأنها اختنقت بسموم ثائرٍ قرر أن يكفر ويرفع راية سخطه.

مقالات وجدانية

ثرثرة (4)

مكتبي

الكبرياء لا ينزع من العمر بهاءه فقط، ولا يكتفي بمنع استمرارية العلاقات العذبة، الكبرياء ليس حِكرًا على عدم التفوه بكلمة شكرا وآسف حين تجب، بل تمنع المرء من تلقي المعارف كما يجب! حينها نلجأ للدروس العملية، بعد أن تلْقى الطرق النظرية حتفها.

أطرقُ الباب وأقف بحزم، أتأمل فيهن بينما تُخرجن الكتب، أضع كتبي وأقلامي على الطاولة، أرفع كشف الأسماء، أختار واحدًا عشوائيًا.. اسأل سؤالا وبعد برهة من الانتظار تخرج من فمي ببرود وباللغة الانجليزية كلمة: صِفر!

ثم يهبط قلمي على الورقة بشكل عامودي راسمًا الصفر بدون أي مجهود.

كان هاجس العشر دقائق الأولى من كل محاضرة لي معهن ينمو ويتفاقم تدريجيا، أما أنا فأطلق عليه الهاجس الصحي.

وزعتُ عليهن أوراق الاختبار القصير بعد أن أنهيتُ تصحيحه، جاءتني خولة كما توقعتُ، سألتني عن خطأها الذي أضاع عليها نصف درجة، وحين علمتْ أن كتابة اسمها باللغة العربية في صف اللغة الانجليزية هو خطأها الوحيد رفعت صوتها بكلمة: حرام.

أجبتها بتوضيح وبنبرة هادئة تستفز اندفاعهن أحيانًا: الحرام قضاء وقت لتعلّم لغة ثم يأتي الاسم بلغة أخرى، وأظنها لم تفهم ما قلتُ من فرط قهرها.

عادت لمقعدها وانخرطت في البكاء بينما بدأتُ الدرس كمن لا يسمع ولا يرى…

في آخر يوم لهن معي، وقرابة الساعة الثالثة عصرا، طرقت خولة باب مكتبي وبلهجة مسقط رأسها سألتني عن النصف درجة بخجل..

ابتسمتُ بوداعة وقلتُ: درجتك المرصودة كاملة..

  • يعني أن المكتوب في الورقة غير حقيقي؟
  • أجل..

اتسعت عينيها ثم قالت بفرح مفرط: أقسم بأنني حفظتُ اسمي بالانجليزية ورقمي الجامعي تحسبًا لأي سؤال منكِ!

احتاج الأمر فصلًا دراسيًا كاملًا لتدرك فيه بأنني لا أمارس السُلطة لأُنزل عليها ما هوت نفسي المضطربة من عقاب بل أحببتُ أن تخرج من هذه المرحلة بأكبر قدر من الإلتزام ولو بدا لها الأمر تافهًا.

أظن -وقد يكون ظنًا خائبًا كظنون كثيرة أودعناها شخوص فشخصت ولم تُصب هدفًا قطّ- بأننا نطمئن إلى المسافات التي تفصلنا عمن نثق بهم لأننا لا نثق بأنفسنا ولم يقترب منا أحد إلا وأضرم نارًا تأكل أطراف القيمة التي نتشبث بها حتى تصبح رقيقة تُقطع من الشدّة الأولى والرجاء الأخير.

طُرق باب مكتبي، المكتب الذي تصفه حصة طالبتي المشاكسة: مِس مكتبك المفروض مكتب العميد.

أطلت أماني بملامحها الوديعة ونظراتها المتوجسة، التوجّس الذي يحملانه كتفيها علامة مميزة. أعرف أن طالبةً لم أعد أدرسها تأتي إلي بدوافع أخرى لا تشبهها حين أمتلك سُلطة “الدرجات”، دافع أكثر حساسية وإنسانية.

في منتصف الحديث المكتظ بالتعب أسيت لحالها الدموع فواستها بمشاركة لم تلبث طويلًا، حاولت أن تتماسك وتبتسم، لكنها الظروف تُحاصر زوايا ابتسامتها فتقوسها، بعد أن أنهت حديثها وأفرغت شيئًا مما تشعر، طُرق الباب ثانية.

خرجت أماني تجرّ وداعتها وكتفيها، ودخلت خولة، خولة التي بكت بسببي مرتين حين كنت أدرسهم!

  • مِس أبيك شوي.

دخلت تفرك يديها وتجول بنظرها في أركان المكتب لكنها لا تستقر إلى شيء.

سألتها السؤال القصير، أسهل الأسئلة في اللغة وأصعبها في النفس سألتها ماذا بها؟ حجم السؤال أصغر من أن تلتقطه أفئدتنا وتدفنه دون أن يلحظ أحد فوضى (ما بنا)، لكنها الحياة إن تراكمت في الفؤاد استعمرته ومنعت عنه أيادي الصادقين البيضاء.

انهار جسدها الصغير على الكرسي القريب منه، وتدافعت الشهقات في حنجرتها، لم تكن قادرة على منع البكاء، كان أقوى منها بكثير.

  • ابكي، خُذي راحتك.

بينما في الواقع كان يفصلني عن اختبار طالباتي عشر دقائق فقط.

الحيرة والوحدة شيطانيْن رجيميْن يسكنان في قلب لم يبلغ عامه العشرين بعد، الحيرة من المستقبل والشك في القدرة على المواصلة مضاف إليهما شعور بالوحدة إذ أن الغربة علقمٌ يصعب ابتلاعه مرةً وهي تبتلعه في كل دقيقة منذ عام ومضافٌ آخر لكنه ثقيل نوعًا ما، إن أقبل تمكّن وإن أدبر فروحك قد صعدت أخيرًا وتلاشى عرشه كوميض نجمة، الشوق، السيّد الذي يسكننا جميعًا باختلاف ليس له أربعين، يفتك بقلبها المغترب المحتار الشوق لوالدتها التي توفيت منذ شهر فقط.

شهر وتجلس على مقعدها الدراسي تُدوّن المحاضرات وبصرها شاخصٌ نحو فاه يتحدث دون تعب مدة ساعتين!

إن كنت تظن بأنك تعرف أحدًا فأنت لا تعرف شيئًا!!! في داخلهم مقبرة تُخفي أكثر مما تدعي معرفته في جملة مبتذلة يظن قائلها بنفسه عُمقًا وفراسةً: “في عيونك كلام”. وفي عينيك فراغ.

قضيتُ بقية يومي عاجزة عن محاصرة تساؤلاتي: ما هي الحاجة التي تدفع شخصًا أن يختار نفس الذي أبكاه يومًا ليبكي له دون أن يخجل من ضعفه؟

مقالات وجدانية

فِكَر

ماذا لو أن الفِكَر كائنات حية تتخذ شكلا محددًا لا وحيًا منسوبًا إلى مواضيع، لو خرجن في صف تُمسك كل واحدة بخاصرتيْ الأخرى أما الأولى فتغرس أنيابها في عقلك.

يُتاح لك أن ترنو فيهن وتأنس بحضورهن وقد يُضحكك غُلب واحدة وشقاوة أخرى، ويتسلل العطف من جيب مشاعرك بدلًا من الغضب الذي يلكم أفواههن فتسقط ثناياهن ويسيل الدم خيطًا من ناصيتك إلى صدرك فيتكوّم على شكل تنهيدة تفلت من فاهك بينما أنت مستغرق في عملك!

التبرير الذي لا تنفك الأفواه تنطق به إن حلّ الصداع ضيفًا أو سافر الخاطر في شرود سريع: أفكر.

بينما الفكرة يخيّم عليها الملل تنتظر أن يُنفض السجاد من تحتها لتُتاح لها فرصة ترتيب نفسها، تتوق لأن تتهندم بفستان أبيض قصير يشي بفتنةٍ تأبى على شهواتك وتُزين عنقها بعقد له بريق يمتد أعوامًا مقبلة؛ ولشقائها هرمت في رأس ذاك الذي لا يأبه إن هبط الظلام أو بقيت الشمس تفضح ملامح المندفعين بعكس ملامحه التي ترتدي عباءة الوجوم الوقت كله لا أكثره وتستر غضبه وهدوءه، فرحه وترحه، كآبته وحيويته. لا يُعرف إلا قابلًا راضيًا ولو كان ادّعاء فلم يترك مجالًا لتفاوض أو حتى لسؤال. يُمرر أصابعه على أوتار آلته فلا يُصيب إلا الصَبا. اهترأ الوتر وتكدّس الوقت على خاصرة الفكرة وبدأت تحتضر.. احتضارًا لم يعد له ابتداء فقد فات آوان الدفن وهو مازال يبعثها!

يعاقب نفسه بشمطاء أصفى لها وداده وترك مليحة ترجوه ويرجوها

مقالات وجدانية

ثرثرة (3)

Snapchat--1225262588113197713

أذكر كيف مضت الشهور الثلاث الأولى في الوظيفة بدءا من أغسطس 2015، كأن نفسي تضيع مني في الساعات الثمانية التي أقضيها مع الطالبات والموظفات. كان غريغور رفيقي الدائم في كل صباح على مكتبي يقرع ذهني على هيئة سؤال: ستتحولين إلى حشرة!

سأتحول إلى مسخ كافكا قريبًا هذا ما اعتقدته لأنني وللمرة الثانية يتم قبولي في وظيفة كمعلمة رغم إصراري على السُلم الإداري إلا أن الوعود تسبق رفضي لتوقيع العقود: جربي فقط.

السابعة صباحًا أجلس على المكتب المخصص لي في غرفة تجمع ثلاثة عشر مكتبًا قبل أن يتم افتتاح المبنى الجديد لأحظى بمكتب يجمعني مع زميلة واحدة فقط. على يساري مشرفة القسم، سيدة كبيرة، من جنسية عربية، هادئة وصوتها بالكاد يُسمع، تلتزم الصمت أغلب الوقت، تمتلك هاتفًا نقالا قديم الاصدار وله نغمة تصدح بمبالغة، يرن هاتفها في ظهيرة كل يوم فيثير انزعاجنا وإذا ما قررت إحدانا خفض صوته يتوقف من تلقاء نفسه، بطيئة الحركة وتأخذ وقتًا للاجابة على الاسئلة، تُفضّل تجنب الأشياء الجديدة، شخصيتها مُقادة إلا على من تُشبهنها في الريبة!

 بينما أرتشف قهوتي وأقرأ صحيفة الرياض المحلية كانت هي تقضم خيارةً وتأكل خبزا محشو بالجبنة أو اللبنة كالعادة.

على يمين المشرفة مكتب زميلة -كانت صديقتي كثيرًا قبل أن ينفرط عقد لؤلؤ صداقتنا ونتناثر كلٌ في بقعة ينأى بها عن الآخر- تكون وقتها تضع مكياجًا لأنها استغلت الطريق للعمل بالاستغراق في النوم.

  • وزير الصحة الإيراني يُصرح بأن حادث التدافع كان أمرًا خارجًا عن الإرادة ونسلم لمشيئة الله وقدره.

تُطل زميلتي برأسها من فوق حاجز المكتب القصير بعين مغمضة وعين مفتوحة وبيدها قلم كحل أسود: النذل يتبرأ من قتل الحجاج!

تغمغم المشرفة بلهجتها الشامية: “الله لا يسلم فيه شيء”.

أتبادل مع زميلتي نظرات الذهول بالمداخلة غير المتوقعة ونصمت!

الساعة الثامنة من كل يوم اثنين يجمعني بطالبات المستوى الثاني، تعتقد الطالبة وقتها أنها ألمّت بكل اللوائح الأكاديمية والقوانين الصفية حتى اكتساب سمة الفراسة ومعرفة المعلم من المحاضرة الأولى لمجرد أنها اجتازت المستوى الأول!

كان من نصيبي الصف الأكبر، مكتظ بخمس وأربعين شخصية وأنا السادسة والأربعين! كنتُ أدخل عليهن بحماسةٍ وأخرج بعدهن منهكة بطاقة شبه معدومة وخِلق ضيّق. امتاز هذا الصف بإلقاء التُهم بتحذلُق لا مثيل له! حين ترمي الواحدة بشرر، ترفع الأخريات حاجبًا كنايةً عن المُساندة.

في كسر لرتابة المحاضرات وللتخفيف من وطأة الملل، سألتهن عن مشاهير وسائل التواصل الاجتماعي، أبدينَ حماسة للسؤال وانطلقت الأفواه بأسماء أعرف بعضها وأجهل الكثير منها، وأعلق على كل اسم وأدع مجالًا للتعليق، قلتُ: بذكر لجين الهذلول، أتؤيدن قيادة المرأة للسيارة؟

وتفاوتت الاجابات بشكل لم أتوقعه، وفي محاولة لإدارة الحوار، جعلتُ لكل فريق فرصة للإسهاب، كنتُ أستمتع بمحاولاتهن في التحدث بالانكليزية وخيانة المفردات لهن في ذروة حماسهن، جلست على طرف الطاولة المخصصة للمعلمة وأرهفت السمع لأرائهن. هذه البضع دقائق تعمل كمنشط لأذهان الطالبات، عادت دفّة الحديث إلي، كنتُ مستغرقة في شرح قواعد القراءة وأجزاء الكلمة الانكليزية، استمتع بأداء الواجب وإن كان رفع الصوت إحدى عيوب المهنة الواضحة.

رن هاتف لينا بأغنية في مطلعها كلمة أحبك…

ارتبكتْ وخفضتْ الصوت بينما انطلقت ضحكات زميلاتها وإيحاءات الاعجاب بما حدث التي يعتقدن بأنني لا أراها.

بعد خمس دقائق ربما أقل، رن هاتفها مجددًا ….

مقالات وجدانية

ثرثرة (2)

Screenshot_20180601-233159

بعض الروتين يأتينا مُحملًا باللُّطف في جنباته، الخِفة التي تجعل في تكراره متعةً لا تُمل وفي حدوثهِ قداسة كشيء خاص، كالسر الذي لا نبوح به بصوتٍ عالٍ حتى لا تسمعه أذاننا.

السادسة والنصف أخرج للصباح، أملأ رئتاي بالنسيم العليل، أُنصت لأصوات الطبيعة، حفيف شجر الجيران، وتغريد العصافير.

 أُطل من نافذة غرفتي وأستمتع بتكرار مشهد جارنا يمسك بمعصم طفلته التي لم تكمل عامها السادس بعد، الطفلة تبكي وتستجدي والدها بينما تشد ثوبه، والأم تنظر إليهما من وراء الباب وتتبادل الابتسامات مع زوجها، تُلوح له وتغلق الباب. 

ما يثيرني أن العائلة الصغيرة نفسها حين تخرج لنزهةٍ ما مساءً، تُمسك الطفلة بثوب والدها وتتبادل معه أحاديث لا يمكنني سماعها، لكنني أستطيع تمييز السعادة في ملامحهم.

يجيب الأب ابنته ثم يلتفت إلى زوجته يتحدث معها ويضحك.

أتنهد بسرور، وأتأمل في فنجان قهوتي وصوت أحمد بخيت يملأ وِحدتي:

في شارع الدنيا انكسرتُ غمامةً سمراء

تبتز العذاب.. لعلّه..

عُذباك يا وجع الخيال

براءتي ظنت مراهقة السؤال.. أدلة

في القلب تندلع القصيدة بغتةً

ويهب نعناع وتلثغ نحلة…

 

أمرّ بدكان التموين الغذائي في طريقي للعمل، البائع رجل يبدو في الستين من العمر، احنى الكدح ظهره وملأ الشيب رأسه.

بعد أن ألقيت التحية كروتين عادي غير آبهة في حال رد التحية أو لم يفعل، لكنه فاجأني بتعقيبهِ: مبكرة اليوم!

سألته وأنا أًشير إلى رف الصحف المحلية: صحف اليوم؟

لم تأتِ الصحف بعد، أقلعت الناس عن قراءة الصحف، ليتك تفعلين ذات الشيء.

برامج التواصل الاجتماعية تلتهم الواقع. مددتُ له ريالا مقابل حليب الشكولاتة.

راحت تُحدثني نفسي أيعقل أن شيخًا كالعم البائع في الدكان الصغيرة الذي تظهر تجاعيد جبينه طيلة الوقت من فرط الهم يلحظ مواعيد فتاة عادية مثلي! ألستُ عابرة من بين مئات المستهلكين يوميا..؟ هل يلحظ جميع الوالجين إليه..؟ هل يعمد ترك تساؤل في أذهان الخارجين..؟

قصيدة رام الله للشاعر أحمد بخيت.

مقالات وجدانية

ثرثرة(1)

 

Screenshot_20180602-002805

كنتُ أعلم جيدًا أنه سيحدثُ، غير أنني لم أتوقع حدوثه بهذه السرعة!

لأول مرة أضع فيها يدي على زجاج النافذة العريضة ولا أجده دافئا، دقائق الوقت التي تمشي على مهل كانت تركض في مارثون الستين ثانية لتقطعها في أقل جزء ممكن!

أجمع الذكريات مع كل جُسيم أدفنه داخل الصندوق، وباب مكتبي موارب أسترق من المارة ابتسامات تصنع معنى مما تبقى من الزمن!

أستجدي ذاكرتي التصويرية لتخزّن حبًا ما استطاعت إلى ذلك سبيلا؛ ملامح تعيش أزمنةً داخل رأسي المكتظ بألف فكرة!

بدايةً رغم أنني اجتزتُ البداية بسطور، إن كنتَ تقرأني في الصباح؛ فصباح الخير والياسمين ارتباطًا بياسمين الطالبة التي لم أنل شرف تدريسها لكنها ما انفكت يومًا بإلقاء التحية علي مع صديقتها سامية.

تُذكَرني بأخرى في مستوى متقدم نسيَت هاتفها النقال في القاعة التي أُلقي بها محاضرتي، ونشأت بيننا علاقة لم تتجاوز الأسبوعين طرقت فيها باب مكتبي يومًا وسألت بصدق: كيف حالك؟

الصدق؛ العهد المُستتر الذي يُبرم بين المعلم والطالب في أول اختبار إنساني يُخضِع أحدهما الآخر فيه. كتبَتْ ثلاثُ ورقات في تعبيرها عن نفسها ودسّت اعترافًا بين السطور ظنًا منها أنني لن أقرأ لأننا تعلمنا أن المعلم لا يقرأ سوى كتب الوزارة الدراسية!

كتبَتْ: أحبُ جميع معلماتي في الكُلية، ماعدا المعلمة الجديدة لأنها تكرهني!

أذكر أن الساعة تجاوزت منتصف الليل قد دبّ خلالها الإرهاق في كل خلايا جسدي، لكن اعترافها أوقف الزمن وجمّد التعب!

قلبتُ الصفحة وكتبتُ لها تعبيرًا آخر عنها وذيّلتُه بعبارة “أنا أحبكِ أكثر من معلماتكِ التي تحبينهن، ثم ابتعدي عن مشروبات الطاقة أرجوكِ.” يستحيل أن أنسى دهشتهن وقت المحاضرة وهنّ يقلبن واجباتهن بين أيديهن ويتبادلن الأوراق بالخفاء حتى لا أراهن، خاصةً دهشة سارة! سارة التي قلتُ لها: سأتحدى بكِ نفسك، وستحصلين على العلامات الكاملة في مادتي! وفعلت!

عدتُ إلى مكتبي بعد محاضرة طحنّا فيها جيوش الجهل وحرّرنا ما أمكن من آفاق واسعة، وجدتُ على مكتبي كوب قهوة وقطعة كعك ورسالة مُوقعة بأسماء قريبة جدًا إلى الروح.

وضحى ومها…..

مقالات وجدانية

دمية

على مسرح الحياة،

تستطيع بلا تكلّف أن تُمثّل لك أتعس القصص بطريقةٍ تُميت قلبك ضحكًا، هه وستميته فعلا لأن الضمائر صارت شبه معدومة يضحكها ما يُتعس غيرها.

حياتها البائسة كوميديا لا يمل الآخرون من الضحك عليها، حتى أنها تصف صورتها وهي تبكي فتُبكيك أنتَ ضحكًا، وتتوسل إليها أن تعيد المشهد، وتفعل ذلك مستمتعةً بصوت ضحك جمهورها التافه، رغم أنه في تلك الليلة القاتمة من حياتها سرى الخذلان في أوردتها ومزّق آخر وتر إيمانٍ تعزف عليه آمالها.. وهاهي تسترجع صورة ذلك اليوم بقهرٍ يشوي داخلها ويخرج لك في حبكة كوميدية تكاد تفقد صوابك المفقود سلفًا وأن تضحك عليها.

لا تستطيع عزيزي المعجب بها وبحس فكاهتها أن تتخيلها حزينة، منكفئة على نفسها، أو حتى منعزلة في سواد غرفتها مكتفيةً بأبجورة تنير صفحات الكتاب بين يديها بل يستعصي على إدراكك الضيق الأفق أن تُصدق بأنها تقرأ.. طبعًا لن تصدّق لأنك اعتدتَ التكذيب وتصديق أنك آخر محاور الكون وأن الحياة ما اجتمعت إلا لتضرك وحدك ولم تحترم أنك مثقفها الوحيد وأنك حين تقول رأيًا فعلى جميع العقول أن تخر لك ساجدة رغم أنك تنادي بالديموقراطية إلا أنه يسوءك ألا يرضخ العالم أمام فطانتك وفصاحتك وحجم عقلك الفذ.

عمومًا، هي ليست حزينة لم تكن كذلك مطلقًا، هي حُرةً تلعب مع حياتها لعبة “عدمية التوقعات” الحياة تصفعها فجأة وهي تنسج نكتة عوضا عن البكاء.. راق للحياة منطقها وهي كذلك راقت لنفسها.

لا أبدًا معاذ الله هي ليست مغرورة، لكنها الوحيدة القادرة على إضحاك نفسها، القادرة على نزع طبقات الضيق من صدرها، القادرة على أن تجعل من نفسها مصدرًا لضحكتها.

راودتها مرةً فكرة أن يفعل لها جمهورها ما تفعل لهم، أن يضحكوها.

اختلطت بهم، نزعت عن نفسها ثوب التفرد وارتدت ثوبًا يشبه ثيابهم، كان ضيقًا لا يحتمل حركاتها الدرامية على المسرح.. لم تضحك.

كان لزامًا حينها، أن تخلعه.. تتساءل لم لم تقم بتوسعته..؟

خلقها ضيق يشبه مدارك جمهورها *ضحكتُ* صبرها قصير يشبه نفس الحياة معها.. لا مجال للتعديل، التحرر هو السبيل الأنجع في هكذا حال.

جمهورها أحمق.

حين يقومون بشتمها خِفيةً، تجدهم حذرين في عرض مسرحيتها الجديد، يخشون يومًا يتقلب فؤادها عليهم وتلقنهم عرضًا في التراجيديا، تُضحكها نظرات الريبة منهم وصوت الصلوات “وجعلنا من بين يديها سدا ومن خلفها سدًا، اغشها يا الله” التي تصعد وتعود لأن باب السماء موصد دائمًا عن قلوب الخائنين.

تستلذ بحقارتهم، تُحب اللون الأسود وهو يفوح من رؤوسهم المتمايلة لفرط ما ضحكوا.

حتى الذين أقسموا لها بالولاء والحب المديد، حنثوا وصاروا بلا شرف، كانت تتحرك وتقص قصتها التعيسة وتضحك نكايةً في الحياة التي أسمعتها ضحكات عديمي الولاء..!

قالت مرةً، على سبيل التواضع يعني، تناجي نجمةً في ليل أصمّ: إذا متُّ اصرخي بصوتٍ عالٍ: توقفوا.

حتى تكتمل مسرحية حياتي، وأسدلي ستارًا إن وجدتِ.. ممم لا عليكِ لن أخرج لكِ في هيئة انفجار سديمي إن لم تفعلي.. وسقطت من الضحك.