مقالات وجدانية

عنوان بيتنا

Blurred Yellow School Bus On A Country Road In Autumn" by ...

اعتدتُ فيما مضى أن أصف مكان منزلنا في جملة واحدة: “ثاني لفة بعد المطعم يمين” ولم يحدث أن تاه القاصدون إلينا مع هذا الوصف البسيط حتى أن زميلتي في الحافلة في السنة الثانية من الجامعة كانت كلما شارفنا على سلك طريق بيتنا تقول بصوتها الجهور: “بيت هيا ثاني لفة بعد المطعم يمين.. خلاص حفظناه” بقيت هذه الصفة تميز منزلنا الصغير العادي المشابه لبيوت كثيرة عنوانه قصير والوصول إليه يسير حتى اكتشفت اليوم بالصدفة وأنا في طريقي عائدة من العمل أن موقع بيتنا تغيرّ! ولم يعد ثاني لفة بعد المطعم يمين! أدرتُ جسدي من على المقعد أحاول أن أرى بعد أي لفة انعطفنا لأكتشفت أن منزلنا صار محاطًا بالكثير من البيوت التقليدية، وأن الطريق الرئيسي المؤدي إلى بيتنا صار خدمة وأن الكثير من المحلات التجارية قد شُيدت حتى انصهرت بقعة منزلنا المميزة وصار موقعا عاديا يشبه موقع بيت زميلتي ذات الصوت الجهوري وبدأت تمطر الملاحظات التي لم ألقي لها بالا في السابق، صار المسجد الصغير جامعًا، والطريق الترابي اسفلت وباتت حركة المرور صعبة بعد أعوام من جهادنا في البحث عن وسيلة توصلني إلى الجامعة مما اضطر والدي لأشهر بأن يستأذن من عمله ويقطع المسافة من وسط المدينة إلى آخرها ثم يعود مرةً أخرى إلى عمله ويعود إلى البيت متأخرًا يعوّض الوقت الذي استغرقه في مشواري لانعدام وسائل النقل في حينا الترابي آنذاك! وابتسمتْ لفكرة لو أن زميلتي مرّت من طريق بيتنا ستحظى بنفس الدهشة وستذكر مكان بيتنا القديم بخير قبل أن تسرق خرائط قوقل الوقت لأن ندرك أن الكثير من الوقت مضى وأن الكثير من الأشياء لم تعد صالحة للاستخدام. 

يمكن مستقبلا أفكر أوثق هذه الأوقات التي قضيناها في الطريق وكانت ممتلئة بالحياة كأنها حياة في وسط حياة.

مقالات وجدانية

نصيب الأباء

كارتباط شَرطي؛ التقدم في العمر واستيعاب ما كان غير قابل للفهم. حدث قبل قليل وأنا أتناول شريحة توست بجبنة وزعتر وفي كل مرة أتذوق الزعتر أتساءل هل هو فعلا الزعتر الفلسطيني أو عبارة تسويقية فقط ولازال في الحياة زعترا ألذ وكوب شاي تفوح من بخاره رائحة أوراق النعناع وبيدي الأخرى أقلب صفحات “التكتوك” حتى بلغتُ مقطعا يقول صانعه أن والده كان يخبره أنه إن نجح فنفع النجاح من نصيبه وحده، وإن فشل فضرر فشله يقع عليه وحده. وكان على ذاكرتي أن تعود فورًا إلى الماضي لأن إلحاح والدي على نجاحي ما كان عاديا لتتخطاه ذاكرتي دون نقش، كان في وقت صفوه يحدثني عن أهمية العلم والشهادة بلغة حنونة وفي غضبه كانت كل أوامره أن أنصرف للدراسة والمذاكرة، وفي كل الأحوال كان يجد صمتي وامتثالي البارديْن ردًا على حرصه غير المبرر بالنسبة لابنته وقتها، حتى أني كنتُ أقارنه بأباء آخرين يتركون لبناتهم حرية اختيار ما يفعلن وقت فراغهن. لم يخبرني أبي أن نجاحي لنفسي رغم أن هذا ما حدث، كان يُصر ألا أفشل مع أنه يعلم يقينا أن فشلي على نفسي كما هو الحال مع النجاح، لكنه يحمي ما استطاع ابنته من احتمال الفشل وانعدام الخيارات، أذكر لما جاء قبولي الجامعي في التخصص الذي اخترته منذ طفولتي، عمل على إيجاد مقعد دراسي لي في تخصص وجامعة معروفيْن بسمعتهم الجيدة أيامها، وقابل تمسكي المستميت بتخصصي ورفضي للفرصة بتفهم أُدرك الآن كم كظم في نفسه من مخاوف عن المستقبل لخاطر “التربية الإيجابية”. ما أصعبها الأبوة حين تختار أن تزج براحتك في كيانات أخرى يفرحك ما يفرحها ويحزنك ما يحزنها ويهمك ما لا تبالي به حتى، كأنك تشد حبلا يعبرون من خلاله من فوق وادي لا يرى عتمة عمقه سواك وتراهم يتأرجحون من فوقه دون مبالاة بالوقوع، تشهدهم عينيك يخطون بأقدامهم الضعيفة تارة، ويعبرونه بأيديهم الرقيقة تارة، ويضربون عن المشي ثانين ركبهم حول الحبل ورؤسهم تتدلى إلى جوف الوادي تارة.. ويمضي العمر بينما تقف متفرجًا على أكثر مشاهد حياتك رعبًا.

يا لسوء حظ الأباء الجيدين حين يُرزَقون بأولاد لا يبصرون الحُب في ثنايا القلق.

مقالات وجدانية

1

إنها منذ مدة تختبر ما وصفه محمود درويش في قصيدته “حفيف”: “أَسبح خارج ذاتي في ضوء بلا شمس بعد غفوة تشبه الصحوة، أو بعد صحوة تشبه الغفوة”

كانت تطمح لكتابة مقالة تشرح فيها كل هذا الزحام غير المنظم في داخلها، أن تُخبر بكل الذين بدأت تعترف بهم كشخصيات اعتبارية تعيش بداخلها، حتى أن رئيستها بالعمل سألتها مرةً عمن تُشير في عبارتها: جئنا! وأجابت: أنا ومشاعري وأفكاري، أتحبين أن أعرفك على مشاعري الحاضرين معي الآن؟ شجن وعاطف وأمل وحائر ونضال أما أفكاري فشخصيات سرية يتعذّر الإفصاح عن هوياتهم. لكنها في نفس الوقت تتجنب كشف حقيقة ما تشعر به، كأنها تحمي شعورها من أي حكم قليل التقدير مما سيفاقم الخط الفاصل افتراضيا بينها وبين الآخرين والذي تجاهد منذ أعوام لأن تجعله خفيا كجرّاح تجميل ماهر يُخفف من أثر قطب جُرح في جسد مريض لكنها مرة أخرى من آلاف المرات التي خشت أن تلحق بها الأحكام إن استخدمت الضمير المنفصل “أنا” قررت أن تستريح في ظل ضمير الغائب “هي” كما يحلو لها دائما وهذا الأمر يثير الضحك لأنها ستكتب في هذه المقالة عن خوفها من أن تدركها الحياة بينما في الواقع لا تفعل شيء عدا أن تستظل بضمير الغائب.

كانت قد قرأت قبل مدة للكاتب الألماني “إيريك ريمارك” عن أن ذاكرة الإنسان تشوه القصص التي حدثت له بالفعل فمثلا تضيف على القصة دورًا بطوليا أو تمنح الشخص دور الضحية، لذا، اختار أن يحكي قصته ليحتفظ الآخر بالنسخة الصحيحة من القصة عن النسخة المُحسنة في ذاكرة الكاتب ووصف عجز الذاكرة البشرية في جملة: “ذكرياتنا ليست تحفة عاجية معروضة في متحف محكم ضد الغبار. بل حيوان يعيش ويلتهم ويهضم.. إنها كالتنين في الأساطير، تلتهم نفسها لأنها الطريق الوحيد الذي تستطيع من خلاله الاستمرار.” وهذا ما دفعها للكتابة، خوفها من أن تصبح بعد كل هذا نسخة غير واقعية من ذاتها الحقيقية أو أن يتساقط كل الذين تركوا بداخلها شعورا ويظل وجدانها يسترجع أطياف الوجع كلما هبّ نسيم أو انتشر عطر أو أرهفت مسمعها إلى صوت ثم تأبى ذاكرتها على تفسير الشعور وفي أسوأ سيناريو أن تحكي قصتها وتضطر لتلطيفها حتى لا يصفها أحد بالمبالغة أو شديدة الحساسية.

هي، تتذكر الموتى بشكل دائم، كأنهم حين غادروا الحياة دُفنوا في ذاكرتها بدلًا من المقابر، تذكرهم في صفو مزاجها وتذكرهم وسط المحافل لكنها لن تخبرك أبدًا بذلك لأنهم في ذاكرتها أحياء أكثر مما كانوا أبدا وتخشى أن تبتذلهم شفقة ولا تستطيع معها منعا. حين تسمع رأيها عن الموت تشعر بأنها أكثر الذين آمنوا بالقضاء والقدر وقد يستفزك أسلوبها حين تتكلم بمنطقية عن أكثر الأمور المبهمة في الكون، لكن قوتها مؤخرًا تتداعى بشكل متقطع كأن مشاعرها تأذن بالانهيار وكأن دفاعاتها النفسية سدّ من حضارة قديمة، فقد تصف لك بأسلوب أدبي شكل الألم الذي تشعر به حتى يتهيأ لك بأنه تجذر فيها ونمت له أفرع في صدور المنصتين لحديثها ثم تختم حديثها ساخرة كأنها تنتزع الألم من جذوره كما ينتزع فلّاح من أرضه الفاسد من النباتات المغروسة.

يتبع…

مقالات وجدانية

ذكرى يوم ميلاد

أثناء شرح مشهد هروب أوفيليا في مسرحية هاملت، توقفت دكتورة المادة وسألت: واي آر يو ذات هابي هيا؟ وأجبت من بين ثنايا ابتساماتي التي وزعتها خلال المحاضرة: آم أولويز هابي! ولعل إجابتي أصابت في طياتها دكتورة المادة بالعدوى فضحكت وقالت: قولي الحمد لله. كان العام وقتها 2009 لكنه لم يكن مشهدًا عابرًا يحدث في عام فتتركه في ذاك العام وتكبر أنت وأبطاله ويصغر هو، لا، كان مشهدًا حيْ في طيْ مشهد يوضح دوافع ما كتبه شكسبير في القرن السابع عشر من الميلاد. هل مرّك برطمان زجاج صغير يحوي مجموعة إضاءات صغيرة يضيء في العتمة بطريقة لطيفة تبعث على الابتسامة، لا هو المتكلف ولا هو الذي منع العتمة لكنه يشع أينما نظرت من خلال تلك العتمة، هذه الذكرى أشبه بهذا البرطمان المضيء في ذاكرتي خلال الأعوام وأرجو أن يحتفظ بضيائه بقدر ما كافحت صداقتي بـ”منى” رفيقة مقاعد الجامعة التي فضحت بضحكاتها سخريتنا المخبأة فيما نظن عن أبطال المسرحية لو كانوا بيننا وقتذاك – بصرف النظر عن الزمن الذي عضّ طرف ثوبه وعجّل حتى خرجت أوفيليا من مشهد مسرحية في القرن السابع عشر لشوارع القرن الواحد والعشرين-.

أتذكر المشهد من محاضرة المسرحية لأنه تحول إلى طوق نجاة في الأيام الضبابية، رغم أن ردي على معلمة المادة ما كان سوى عبارة اعتباطية أداري بها شغبي إلا أنها مع الوقت تحولت إلى نسيج يقي وجداني من زمهرير مُر الحياة إلى أن تعود مواسم الربيع..

حين يمضي عام، نعرف ذلك بتواريخ اجتهد السابقون في وضعها لنؤرشف بين درفاتها أعمارنا، فتعرف أن عامًا مضى عند كل رأس سنة، وتعرف أن عامًا مضى حين يرى الراؤون هلال العيد، وتعرفه أيضا مع كل تاريخ يرتبط بحدث لا تتجاوزه عاطفتك، وتعرف أن عامًا جديدًا بدأ في ذكرى يوم ميلادك حين قررتْ أول مرة أن تجازف بحياتك وتختنق بأكسجين الحياة.. ثم تبكي! حيث كان بكاؤك الأول هو أعذب البكاءات وأكثرها ترقبًا، أما بقية أحزانك اللاحقة لهذا البكاء ستقابلها عبارات كثيرة مثل: “خلاص كبرت”، كأنك تبكي أول مرة ثم تراقب مراحل رفض بكائك إلا أن تختصه لنفسك.

جئتُ هنا لأوثق ابتساماتي التي وزعتها اليوم، تشبه ابتساماتي تلك التي كتبت عنها أعلى المنشور، حين اقترب منتصف الليل الذي يُشير إلى خط نهاية وبداية يوم -تخيل رقم فيْصل بين يومين أحدهم يأخذ منك فرصة وآخر يمنحك إياها- تحركت ستائر الحجرة تدفعها نسمة ليل باردة وهادئة، وعلى غير عادتي في كل عيد ميلاد أشعر بهدوء وأقرر أن أقضي أول ساعتين في تأمل السماء حالكة السواد في الخارج ووضاءة في روحي بينما أستمتع بمشروب ساخن- ضحكت رغم أن لا شيء مُطلقا يحرض على الضحك لكنها دهشتي بأفكار كثيرة تتدافع عند بوابة الشعور ومشاهدًا بالكاد تتذكرها كأنها صور من ألبوم قديم حين كنت تقاوم وتحاول أن تبلغ بأطراف أناملك أطراف النجاة، لم يطرأ في تصورك على الإطلاق شكلًا آخر لشكلك القديم.. وحين كبرت وتمددت أجزاؤك وغطت التجربة هيكل دواخلك الهزيل.. ظلّت الصورة عالقة وبقي الجزء الهش مصاحبًا لكل ذكرى ميلاد كأنها لوحة يرسمها الزمن وهو كل جماهير اللوحة.

أمنياتي كثيرة وأخجل أن أطلب الله لفرط كرمه معي، ولكنني مملؤءة برجاء دائم أن يعاملني برحمته لا باجتهادي.. يا رب أعوام من الحفظ والقوة والغِنى والعطاء والحُب.. أعوام مليئة بالطمأنينة والرضا والفخر.. أعوام يصاحبني فيها اليقين وتقترن بي القوة والرحمة والسلام.

مقالات وجدانية

مقالاتي في الجزيرة الثقافية

أنا أحق بالتأريخ. (08 سبتمبر 2018)

http://www.al-jazirah.com/2018/20180908/cu6.htm

في أفضل حال.. وأنت؟ (نوفمبر 2015)

http://www.al-jazirah.com/culture/2015/28112015/nsuas42.htm

اسئلة لا تجد جوابًا (22 يناير 2021)

http://www.suhuf.net.sa/2021/20210122/cm19.htm

سؤال! (05 نوفمبر 2016)

http://www.al-jazirah.com/2016/20161105/cm8.htm

أزمهريري أشدّ أم هو. (26 نوفمبر 2016)

http://www.al-jazirah.com/2016/20161126/cm20.htm

ما لم أقله قبلًا! (16 فبراير 2019)

http://www.al-jazirah.com/2019/20190216/cm23.htm

ذاكرة الحنين (02 مارس 2019)

http://www.al-jazirah.com/2019/20190302/cm11.htm

حياة جديدة هانئة (13 يوليو 2019)

https://www.al-jazirah.com/2019/20190713/cu8.htm

ليلى (16 نوفمبر 2019)

https://www.al-jazirah.com/2019/20191116/cm8.htm

نمو عكسي (19 أكتوبر 2019)

https://www.al-jazirah.com/2019/20191019/cm4.htm

في طريق البحث عن معنى (22 أكتوبر 2021)

https://www.al-jazirah.com/2021/20211022/cm14.htm

منتصف الزمن (12 فبراير 2021)

https://www.al-jazirah.com/2021/20210212/cm25.htm

الخطأ: نية أم دافع (04 سبتمبر 2020)

https://www.al-jazirah.com/2020/20200904/cm25.htm

مقالات وجدانية

قرار حظر التجول

This image has an empty alt attribute; its file name is 48234-e1586630476482.jpg

راودتني فكرة أن أكتب تقرير عن هذه الأيام التي تعبر الزمن بينما نحن محتجزين في منازلنا، منازلنا التي ولأول مرة نختبر الشبه بيننا وبينها، ولأول مرة نشعر أن أجسادنا عالقة على أرائك لا تناسبها! كنتُ أحاول أن أنتهي من كتابة تقرير الأسبوع الرابع من العمل عن بُعد وأتساءل إن كنا قادرين على إنجاز كل هذا وأطراف المعنيين مترامية فعلام تغص مدينتنا الترابية بمبانٍ خرسانية أكثر مما تفعل شجرة.

حظيتُ بأسبوع عمل ميداني وشهدتُ مدينتي المكتظة دائمًا وهي تودع أولادها تدريجيًا، تذكرتُ فكرةً ألقيتها قبل عامين في أذن فنانة تشكيلية، فكرة كانت تراود خاطري وتؤلمه بشكل غامض، بأن ترسم المدينة خالية، أن ترسم لوحات الدكاكين ومواقفها برمادية، وأن تترك لوحة صفراء لدكان قديم صغير، صار هذا الدكان القديم أغلى ثمنًا من أغلى علامة تجارية وبات الشعور الغامض واضحًا، يرسم بخناجره على سور محبتك لأرضك، ولا يكتفي بحدود مدينتك، يسحب على بساط الخوف شُرفتك التي وقفتَ بها طويلًا في مدينة أخرى من مدن أرضك، وتتذكر سواحلها التي يغطيها البحر مدًا وجزرًا كأنما يمتد إلى فؤادك ويصيب بملوحته شؤونًا داخلية.

انتهي اسبوعي بقرار جمعتُ فيه كل أوراقي وملفاتي التي لا تزال تحت الاجراء، كان باب مكتب مديرتي مفتوحًا، لوحتُ له مودعة وسألتُ إن ما كانت تحتاج لأي شيء، لكنها أجابت: الله يعين! من الغريب أن نُجبر على فعل كهذا وتراودنا رغبة في عدم التنفيذ كنوع من إنكار الحدث أو تفاؤل.. ربما! وأنا التي قبل فرض الحظر كنتُ أنوي التقديم على إجازة سنوية! ما أن اشتكت أرضي ألمًا حتى صار التوقف عن العمل فيها مؤلمًا! كأن تربتها التي فينا اشتكت وتألمت! كنتُ أتأمل بهو الخروج خاوٍ على عروشهِ، نحن الوباء الذي يجب أن ينحسر حتى لا تفقد الأرض كل إمكانيات العيش فيها، نحن الوباء الذي حمل حقائبه واختفى من على السطح!

تحكي لي زميلتي عن شكل الحياة في سن التقاعد، وأخبرها عن شكل الحياة الحقيقي الذي نفر منه صباحًا إلى العمل ومساءً بالنوم، وأعلم بيقين عن أشكال كثيرة للحياة تراود رؤسًا أخرى متأملة، غابت الظروف التي غيّبت معظمنا عن أهله ليكتشف بأنهم أغراب من البداية وعليه أن يألف العيش معهم كأنه ما أمضى أعوامًا يفعل ذلك بطريقة آلية. مؤسف، أن تضطر لمواجهة واقعك الذي جاملتَ فيه عمرك القصير، وإن فكرتَ للهرب منه سيقتلك ميكروب لا يُرى. لا يمكن أن تختار هذه المواجهة لو لم يجبرك عليه جُرح ينزف في أرضك، شفاؤه في أن تضمد جراح حياتك التي ما انفكت تنزف بعد كل مرة تُنكأ من مكان تخثرها!

أستريح في غرفتي التي أحبها وأشرع نوافذها المُطلة على فناء السطح لتستريح نسائم الليل الكئيب بالداخل، أحسبُ ميزانية مشروع، أكتب تقرير، وأتصفح البريد الالكتروني، أرسل رسائلًا تخص العمل في وقت متأخر من اليوم أو مبكر، لكنه وقت يقع بين شدة الوقوع في النوم وبين اقتراب ساعة العمل، واتساءل عن التوقيت السيئ! وأتذكر كلامًا قرأته على إحدى منصات التواصل الاجتماعي عن زوجين قطعا أميالًا لأسبوعين عسل، ووقعا في الحظر ليكتشفا بعضهما كَرهًا! أنعتبره أسوأ توقيت لأن المعرفة جاءت في غير مكانها، أم يُعد توقيت جيد يختصر أعوام التجاهل التي يعيش تحت وطأة زوالها آخرين! ثم نقول عن ميكروب بأنه وباء! يبدو أننا مصنع أوبئة خاملة تفاعلت مع بعضها حين أعلنت الأرض أنها ما عادت قادرة على حضانة كل هذه الميكروبات.

مقالات وجدانية

عابر رصيف

هل أنت من الذين يطرأ في أذهانهم تساؤل: لماذا أبدو بالتبسّط الذي يجعل غريبًا يفشي لي سرًا؟ أنا فعلت.. مرارًا.

كان شيخًا من السودان الشقيق، يقف بمسافة عني بينما أنتظر السائق أن يصل إلى نقطة وقوفي، قال: أنا والله شهدت معنى دعاء المظلوم ليس بينه وبين الله حجاب.

نظرتُ إليه وعلى ملامحي تبدو علامة استفهام.. أكمل: تعرفين.. اسمك الكريم بالله عليكِ لأجل المخاطبة فقط.

ثم أكمل: تآمر عليّ مجموعة من باكستانيين مقيمين في عملي السابق، كنتُ أسمعهم بينما يُفرغون أكاذيبهم في آذان الجميع، لم يكن الأذى الذي لحق طردي من عملي نفسيًا فقط، طال استقرار عائلتي وتكاليف دراسة أولادي في جامعة الخرطوم.. كنت أصلي وأدعو عليهم تباعًا، كلنا نؤمن بعدالة المساءلة في الآخرة لكنني كنت أطمع بأن تشهد عيني عقابهم في الدنيا. تصدقين؟ الأول: أصيب بمرض تآكلت معه عظامه ويرقد حاليا في المستشفى.. أما الثاني فأكل الهم عقله، يُخبرني البعض بأنه صار موهومًا.. تعرفين معنى موهوم؟ يعني يتخيل أشياء غير موجودة وأحداث لم تحدث..

مرّت سيارة يقودها راكب أقرع الرأس، قمحي اللون.. برزت عينا محدثي وراح يهرول خلف السيارة ويلوح بيده القابضة على هاتفه المحمول علّ الراكب أن يراه.. ثم عاد إلى حيث المسافة الفاصلة بيننا وهو يلهث.. نظر باتجاه السيارة ثم رفع رأسه وابتسم مذهولا.. قال: هذا مسعود.. كان زميلي، لما يقارب ثلاثين شهرًا لم أسمع عنه ولم أره! ثم ألتقيه اليوم بينما أحكي لكِ قصتي معهم! الحياة هذه…

لم يكمل جملته، ردّ على هاتفه بسرعة وغيرت كلماته وجهتها إلى مسعود: أين شعرك يا مسعود؟ آه مبارك لك العُمرة والعقبى لنا.. كيف حال أكرم؟ لا حول ولا قوة إلا بالله، لماذا لا يعود إلى باكستان كي يموت بين أولاده؟ مال؟ ماذا يريد كهل تجاوز السبعين ومريض بمرض عضال  وأولاده كلهم أصحاب رؤوس أموال وبناته تزوجن بالمال؟

غاب صوته بينما ترجلتُ سيارتي.. فتحتً نافذتها ولوحتً له أن إلى اللقاء.. أجل من الممكن أن يكون إلى لقاءٍ.. ألم يلتقي هو بزميله بعد عامين وستة أشهر؟

مضت بي سيارتي إلى المنزل وأنا أقطع طرقاتها أفكر بهذا الشيخ الذي ما بردت نيران قهره حتى بعد أن شهد العقوبة بنفسه، كان يعتقد بأن العدالة نزلت كاملة، لكنه ما لبث أن أفصح عن حقده وهو متأكد بأن أكرم سيموت قريبًا.. كأن العدالة ستكتمل إذا مات أكرم.

وأي شكل من أشكال العقاب التي نحب أن تنزل على دماغ ظالمينا؟ في الحقيقة، لا أجد الموت عقابًا هو المصير المحقق، هل يعني بأن جميع الذي ماتوا معاقبون؟ بالتأكيد لا، لا طمأنينة تعادل طمأنينة الجسد المُسجّى في سكينة كأنه أخيرًا لمس الأرض التي خرج منها وتكون من ترابها وصار ثابتًا، كلما تفاقم شعوره بالجاذبية داخل تلك الحفرة العميقة المسماة قبر تفاقمت طمأنينة الروح، كأن الأرض بقطريها تحتضنه بدفء تاريخها في المجرة، كأنه أخيرًا يلقى ما أفنى سنينًا عجاف ينتظره ويتأهب لاستقباله، ثم أنه يعود إلى أصله، هذا العود الأبدي الذي نسي ميلان كونديرا أن يخبرنا عنه.

مقالات وجدانية

القلب يحب مرة

رائحة الحنين لا تنتشر عبثًا، تنفض الذكرى وشاحه وينشر رائحته.. هذا المساء كانت فيه شادية تشدو على إحدى القنوات.. وتُقر بشجن “دا القلب يحب مرة.. ما يحبش مرتين..” شادية رفيقتي في أول عام جامعي.. أقطع الطريق في سيارة مشتركة مع ابنة عمي وثلاث أخريات من تخصصات مختلفة صيّرنا الوقت صديقات جيدات.

أماني تجلس بجانب النافذة وتمسك هاتفها النقال”الكشاف” أمامها في انتظار مكالمة والدتها وتضع أوراق الملزمة على ركبتيها وتهز ظهرها أمام وخلف ثم تغمض جفنيها وترفع رأسها تختبر ذاكرتها الدراسية. أما أحلام تجلس في المقعد الخلفي وتقضي الطريق تتأمل السيارات من خلف زجاج سيارتنا المعتم.. سحر تنحاز للمنتصف.. بيني وبين أماني تغطي وجهها وتغط في نوم عميق فإذا مال رأسها جهة اليسار يسنده كتف أماني وإذا مال جهة اليمين كان له كتفي.. وابنة عمي التي كانت تستغل هذا الطريق في مراجعة الدروس.. تنقذني باسئلتها وأنقذها باسئلتي وندلف إلى القاعة سوية لنواجه نفس الاسئلة ونجيب بنفس الاجابات ونحصل على درجات متطابقة.

فاروق باكستاني الجنسية قائد مركبتنا، بهيئة مُهيبة لكنه بقلب هشّ اكتشفناه حين انهارت أماني باكية لأننا تأخرنا عن الوصول وقد يفوتها امتحان مادة الشِعر مع البروفيسورة نوال.. كنا نهز فؤاد أماني على ركبتيْ الأمل والحِلم كما تهز ملازمها.. وقتها كانت جامعة الأميرة نورة لا تزال كُليات الرياض للبنات وفي موقع جغرافي مزدحم، أذكر حين ضرب فاروق بقبضته على مقود السيارة وصاح: فاروق غبي! وسط دهشتنا جميعًا ضحكت سحر أكثرنا شغبًا وضحكت أماني ولحقناهما.. نضحك بصوت جهور ونُسرّ القلق!

كانت لنا نقطة تجمع تسبق وصول فاروق بدقيقتين أو خمس في أقصى مدة تأخير قد يصلها، إلا في ظهيرة أحد الأيام الحارة التي تعطلت فيها مركبتنا وأمرنا بأن نتوجه إلى سيارة “تاج” وهو سيتكفل بوصف منازلنا له، كانت سيارة تاج تمتلئ بالبنات وزدناهم خمسة.. يعتلينا الحرج وقد حشرنا أجسادنا في ثلاثة مقاعد، كانت البنات لا يتوانين من إظهار استيائهن أما نحن فقضينا المشوار نتحدث بالأعين فقط من باب يا غريب كن أديب! حتى كشفت سحر عن مشاعرها قائلة: الله يعينكم يا بنات زحمة، احنا بس خمس بنات. ما استفزهن للتعبير.

كان لمجمع ركا الكائن بطريق الملك عبد الله نصيب من أيامنا الوردية التي يكون بمقدورنا فيها أن نتشارك وجبة غداء من مطعم شهير، يقف فاروق بالسيارة بعيدًا عن المجمع حتى لا يتطفل أحد على سيارة تعج بالبنات.. يُحضر لنا ما نطلب ويكون له نصيب يشاركنا لذة الأكل.. نتقاسم الأكل حتى نتذوق أشكالًا مختلفة من الوجبات.. ما إن نفرغ من الأكل حتى نبدأ بلعبة الاسماء.. كل واحدة منا تأتي باسم يبدأ بما انتهى الاسم السابق من حرف..

الأيام جعلت أماني المتحفظة تضحك بصوت عالٍ حتى تدمع عينيها، وأحلام الشاردة تشاركنا أفكارًا ظريفة تنسج منها سحر نكتة.. صرن “بنات المشوار” الملجأ المناسب لحلّ الازمات المادية والمعنوية.. وترك الطريق في ذاكرتنا الوجدانية مواقفًا نحتفظ بها لأيام مثل هذه.. اسألهن: هل القلب يحب مرة فقط فعلا؟

وتجيب سحر بثقة تفتقر إلى التجربة: لا. أما أحلام فتُسهب بإجابات طويلة لا تنتهي بحسم واضح بل تتركك دائمًا بين احتمال الموافقة والرفض. كانت شادية ترافقني ساعة الصبح الأولى قبل أن يصل فاروق إلى دارنا فأرسل رسالة إلى ابنة عمي بأن فاروق وصلني فتترقب وصولنا. بالنسبة لامتحان مادة الشِعر.. كان من حُسن حظ أماني أن الازدحام عرقل برفيسورة نوال كذلك.

مقالات وجدانية

علاقة نسب

إن كان لك قريب مستيقظ في نقيض الحياة أي الموت فعليك أن تؤمن بأن بينك وبين الموت علاقة نسب يفترض بأنها جيدة، أي أن لا تُصاب بالذعر إذا ذُكر أمامك، أو في أبسط تقدير أن لا تستبعد زيارته لك.. إن أردت فاعمل على استقباله خير استقبال إذ سيكون من غير الجيد أن تذهب إلى هناك بكتاب فارغ من المحاسن! توصلتُ إلى هذه القناعة حين غادر عدد ليس بالهين على قلبي إلى الموت.. الأمر الذي جعلني أحاول أن أوطد علاقتي به بعد أن صار بيننا نسب وربطني به أحباب. في رحلة البحث الشيقة بتفاصيل تعطف على حزني على عكس ما يخزن دولابي الثقافي من مفاهيم مشوهة، أوقفني الهدف من البحث وسأعلك الجملة المستهلكة الآتية: “صفعني بحقيقة” أنني أرغب بأرض خصبة أعيش فيها مع الذين أحبهم.. لكن قائمة الذين أحبهم تتسع وتكبر.. وصلاتي الملحة دائمًا “للمؤمنين والمؤمنات” الذين أعرفهم والذين لا أعرفهم، المؤمنين بالله أيًا كان دينهم.. أنا أصلي لكل هؤلاء بأن ألتقيهم في الجنة، إن كنتُ أدعو لهم غيبًا فلم لا أحبهم الآن بينما أنعم بوجودهم؟ من الذي فرض التوتر علينا وقنن المحبة والابتسامة والسلام! من غير المنطقي أن أعبر من أمام إنسان يحتاج مساعدة دون أن أمد يدي له وأصلي بأن أجتمع معه في الجنة، لا أعتقد بأنه سيحبذ ملاقاة شخص مثلي في الجنة ومن البديهي أن يقول: عبء في الدنيا وعبء في الآخرة.. ما أتعسني!

لا أفعل شيء سوى محبة الساذج في الآخرين؛ البريء الذي تُغريه الضحكة وأذن تُصغي ما يقول، مخاطبة الصغير فيهم قبل أن ينبت الشرير بفعل عوامل الحياة التي مرت بهم ولا أعلم عنها وغالبًا لن تتاح لي الفرصة لمعرفتها. اليوم قلتُ لمراجعة تسألني عن مكانٍ ما بأن ابتسامتها عذبة. وسألتُ البائعة في محل زهور الريف عن أحوالها مما دعاها لأحاديث كثيرة اكتشفتُ معها روح الدعابة الذي تملكه وأخبرتها عن ذلك، وبعد أن خرجت كادت فتاة أن تُصيبني حين شرعت باب السيارة على حين غرة بينما كنت مقبلة نحوها، أطلت بعينيها المحاطة بخطوط الابتسامة الأمر الذي استجبتُ له فورًا وضحكنا سويًا حتى ما إن فرغنا اعتذرتْ هي وقبلتُ أنا ومضينا. كل الأشياء تدعو إلى الجمود.. المدنية تزيد دموية يوميًا، الأخبار تحصي أعداد ضحايا الكوارث، قتلى الإنسان الحضاري، وأثر المجاعات، وتعسف القوانين.. الخ كل هذا مدعاة إلى أن يتسع ظلك ويشمل ما استطاع إلى ذلك مساحةً، يتسع لإفشاء السلام.. لكي يشعر الآخر الذي تدعي له بالجنة بأنه مُرحّب في دنياك وسيُرحب به في أُخراك. أن يطمئن واحدنا للآخر قبل أن يُميت الفتور ما تبقى لدينا من ألفة، فمُحال أن يمشي أعزل في شارع مظلم دون أن يتصور بأن إنسانًا يشبهه على وشك أن يغدر به، هه! مؤشر خطير ينافي آمالنا وما نصلي من أجله.

الخلاصة: نحن الذين تدعو لهم بالجنة، اشملنا بإنسانيتك في الدنيا، لتكون بيننا وبينك علاقة أبدية جيدة إذا سبق واحدنا الآخر.

“كل هؤلاء المئات / الآلاف / الملايين من الأشخاص الذين تقع عيناك عليهم وقت ركوبك لوسائل المواصلات لثانية أو اثنتين ولا تراهم ثانيةً – إنهم بالتأكيد يفعلون أشياء أكثر أهمية من أن يكونوا مجرد كومبارسات يظهرون في حياتك !”  – أحمد صبري غباشي


مقالات وجدانية

هدنة جبرية

هل يمكن أن يموت المرء مختنقًا بنفسه؟ أن يحبس أنفاسه ليبكي وتمضي الدقائق عند باب العين.. الحشد يتدافع والعين أصغر من أن تسمح لهم بالعبور مرة واحدة..

تمضي دقيقة..

ودقيقة..

ودقيقة..

ثم يشخص بصره بدلًا من أن يلين بدمعة! 

مثار للشفقة أن تحيا تُكابر على حاجاتك.. تكظم بكاؤك.. وتدس ذهنك في أنف المسؤولية.. ثم تموت مقيدًا بكل ذلك.. تموت دون أن يعلم أحد أنك كابدت. سيقول المقربون منك بأنك عشتَ قويًا باسلًا، أنك ما خضتَ معركةً إلا انتصرتَ فيها تاركًا للآخر لملمة الغنائم مع بقايا عزة نفسه؛ فنفسك أعز من أن تخرج بشيء كان في حوزة غيرها يومًا، لن يحكي أحدهم أنك انهزمت ألف مرة في الخفاء قبل أن تنتصر، أن دمعك المذروف أثناء ضحكك ما كان سوى يائس أراد أن يخرج حتى لو لم يكن الباب مناسبًا. 

وبالحديث عن المعارك، أعلم والعلم عند الله وحده أن أشد معاركنا ضراوة حين تكون الجبهة المقابلة ما تخزنه ذاكرتنا من مواقف مرّت السنون ولم تمرّ؛ حرب مُعلقة بهدنة جبرية لم يكن لك فيها يد، لك منها كل الأشياء التي شهدتها، الأشخاص.. المكان.. الشارع.. التوقيت.. هندامك.. وشعورك! ضراوتها في شعور الكرامة المسحولة على حين غرة منك.. أن تكون صاحب حق فيها وتخرج منها مغصوب حق المطالبة.. أن ترنو عينيك في اللاشيء رغم أن الشمس ساطعة لكن تبدو الحياة مُبهمة.. تتخدر مشاعرك، صوتك، ورغباتك. تعقد هدنة خلال الهدنة المفروضة عليك مع توقعاتك فتنخفض إلى مستوى قدميك، وفي كل معركة تتساءل مع فارسك الأخير قبل أن يخر صريعًا: ألم يأن آوان إشهار سيـ…؟ وقبل أن تكمل سؤالك يخر الفارس صريعًا ويُسبى حصانه.

وفي لحظة، لحظة لا تدري متى أوانها ولا ظروفها، في لحظة تكون فيها على شفا هاوية لا تنتهي إلى شيء.. ستعبر بك ذاكرتك إلى ذاك اليوم.. إلى الشارع القديم وإلى صورتك القديمة، إلى الذين شهدوا خيبتك، وستتأرجح قدميك الحاضرة بين التعب المعتّق وبين الخوف من المسقبل المتكوّم في الدقيقة التالية، تقف طويلًا تحسب عُمرك الإفتراضي في ثوانٍ برصد كل الخسائر المتوقعة وعلى نفس الغفلة يستيقظ فيك ما تم تخديره ويقطع بحدته الهدنة يواجه الذاكرة القديمة وينتصر! 

ينتصر.. لكنه يفرّ بعد انتصاره بعيدًا فيسقط مهزومًا أمام نفسه منتصرًا لضعفه ويبكي.. أخيرًا يبكي.