
اعتدتُ فيما مضى أن أصف مكان منزلنا في جملة واحدة: “ثاني لفة بعد المطعم يمين” ولم يحدث أن تاه القاصدون إلينا مع هذا الوصف البسيط حتى أن زميلتي في الحافلة في السنة الثانية من الجامعة كانت كلما شارفنا على سلك طريق بيتنا تقول بصوتها الجهور: “بيت هيا ثاني لفة بعد المطعم يمين.. خلاص حفظناه” بقيت هذه الصفة تميز منزلنا الصغير العادي المشابه لبيوت كثيرة عنوانه قصير والوصول إليه يسير حتى اكتشفت اليوم بالصدفة وأنا في طريقي عائدة من العمل أن موقع بيتنا تغيرّ! ولم يعد ثاني لفة بعد المطعم يمين! أدرتُ جسدي من على المقعد أحاول أن أرى بعد أي لفة انعطفنا لأكتشفت أن منزلنا صار محاطًا بالكثير من البيوت التقليدية، وأن الطريق الرئيسي المؤدي إلى بيتنا صار خدمة وأن الكثير من المحلات التجارية قد شُيدت حتى انصهرت بقعة منزلنا المميزة وصار موقعا عاديا يشبه موقع بيت زميلتي ذات الصوت الجهوري وبدأت تمطر الملاحظات التي لم ألقي لها بالا في السابق، صار المسجد الصغير جامعًا، والطريق الترابي اسفلت وباتت حركة المرور صعبة بعد أعوام من جهادنا في البحث عن وسيلة توصلني إلى الجامعة مما اضطر والدي لأشهر بأن يستأذن من عمله ويقطع المسافة من وسط المدينة إلى آخرها ثم يعود مرةً أخرى إلى عمله ويعود إلى البيت متأخرًا يعوّض الوقت الذي استغرقه في مشواري لانعدام وسائل النقل في حينا الترابي آنذاك! وابتسمتْ لفكرة لو أن زميلتي مرّت من طريق بيتنا ستحظى بنفس الدهشة وستذكر مكان بيتنا القديم بخير قبل أن تسرق خرائط قوقل الوقت لأن ندرك أن الكثير من الوقت مضى وأن الكثير من الأشياء لم تعد صالحة للاستخدام.
يمكن مستقبلا أفكر أوثق هذه الأوقات التي قضيناها في الطريق وكانت ممتلئة بالحياة كأنها حياة في وسط حياة.



