مقالات عامة

الحراك الأدبي والأقلام الناشئة

كنتُ قد كتبتُ هذه المقالة سابقا عن #مسابقة_الإبداع_الأدبي هيئة الأدب والنشر والترجمة التي توجّه خطابها “التويتري” منذ أيام لطلبة الجامعة الموهبين والمهتمين بالفنون الأدبية، ومحاولاتهم الحثيثة لاحتضان المواهب الناشئة. وفي كل مرة يُغرد الحساب أتصفح التعليقات والرابط وأشعر بشيء غريب جدا أعجز عن تفسيره وتجاوزه، أشعر بالزمن، أشعر بالحنين، وأشعر أن هذه الروابط تجسيد لأحلامي وأمنياتي قبل عشرة سنوات. في ٢٠١٢ وكنتُ قد بلغتُ من الشهرة مبلغًا لا بأس به في قسمي “الأدب الانجليزي” لأنني من الذين تجاوزوا عام تخرجهم المتوقع، شاركت وقتذاك من باب التجربة فقط التي لا أطمح من وراءها إلى أي امتياز في مسابقة أقامها “مشروع كلمة الإماراتي” عبارة عن ترجمة اقتباس أدبي وكان الإقتباس لـ T.S Eliot. فازت مشاركتي، واحتفى بي قسمي حيث طُبعت الترجمة وتهنئة الفوز وعُلقت على جدارية الإعلانات الخاصة بالقسم، فعلت ذلك مسؤولة الشؤون الإدارية الاستاذة خلود الفضل، وبعد أسبوعين نادتني عند اللوحة وسألتني: “هاه يا هيا أنتِ كذا رضيتي وأنبسطتي؟ نقدر نشيلها الآن؟” كانت سعادتي مضاعفة لأنني وجدت قناة متخصصة في النشر متاحة للتواصل وعرضت عليهم رغبتي في ترجمة الرواية التي إلى الآن أجدها من أروع ما قرأت في تناول تاريخ المرأة الإنجليزية في ذلك الوقت الذي كتب فيها “جورج غيسنيق” روايته لكن خط التواصل انقطع كخطوط كثيرة لا تصل. المهم، أني ترجمت جزءا وبعض فصول من الرواية ثم توقفت، لأني كنت أعرف جيدا مآل المحاولة، وحاولت اليوم بكل جهودي أن أصل إلى نسخ الترجمات والقصص الكثيرة غير المكتملة في حاسوبي لكن للأسف باءت كل المحاولات التي استمرت لأيام بالفشل. كان آخر حلولي هو أن أبحث في بريدي الإلكتروني، ووجدت لغة الطلب الخجلى واختلطت مشاعري، خاصة وأنا أرى الهيئة تهب اهتمامها للراغبين وتفتح ذراعيها لتبني المحاولات بينما في زمنٍ ما كان العكس. متأكدة أن المتابع للحراك الأدبي سيقول: توجد فرص أكثر متاحة للكُتاب المهتمين، صحيح أتفق، لكن الجرأة في النشر تقل مع تقادم الزمن مثلها مثل الشجاعة تتراجع كلما تقدمنا في العمر وهذا موضوع آخر -الحنين للشخص الجسور فينا- وهذا سبب حماستي وتشجيعي للصغار ممن يرون في أنفسهم أدباءً، اقفزوا القفزة الأولى في عمر مبكر وسوف تتعاقب محاولات القفز المتكررة دون الخوف من السقوط. مرروا هذه الفرص لكل طلبة الجامعة الذين تعرفون، قد يكون فيهم المهتم على استحياء.. انشروا الفرص لأنها كبيرة وفي وقتٍ ما كانت مجرد أمانٍ وأحلام.. انشروها طالما هي متاحة الآن! *ملاحظة: عنوان حسابي في تويتر اختلف، العنوان في الصورة قديم. رابط مسابقة الإبداع الأدبي: https://lnkd.in/e24THvEN

مقالات عامة

شهية الكتابة

يبدو أننا عندما نكبر نحرر الآخرين من توقعاتنا وأحكامنا ونقيّد بها أنفسنا بدلا من إتلاف القيود وهدر الموارد حتى وإن كان موردًا فاسدا. اعتدتُ سابقًا على الكتابة بجميع أشكالها؛ الوجدانية، والثقافية وأكثر منهما تدوين ما يجري خلال اليوم. تعاقبت الأيام بعد أول تقاعس وأنبتَ التقاعس آخرين وكبرنا معًا مجتمع غير حيوي يحث أحدنا الآخر على فعل اللاشيء ومراقبة ما يجري، حتى أننا لفرط ما احترفنا وحّدنا ردودنا على كل الذين يقرعون أبواب الاجتهاد فينا على أمل أن يجدوا من يرد عليهم. كنت أظن -على اعتبار أنني ابنة امرأة رسامة وكاتبة سحلت التزامات الحياة موهبتها، ورجل رسّام تشكيلي هاوٍ- أن الهواية تتلاشى مع الزمن وتضمر عضلاتها، لكنها لا تفعل! ليس فقط بدليل أن والدي عاد يمارس الرسم بعد تقاعده من وظيفته، لكن لأنني أجد نفسي أحيان كثير مرغمة على الكتابة كأنني على وشك أن أتقيأ وجداني! وكنت وقتها قد أدركت أننا -الكتابة وأنا- وجهين لنفس العملة أو هي وجهي الآخر الذي أخفي هويته أحيانًا وأنكر وجوده أحيانا ورغم هذا إلا أنها ما انفكتْ يوما تفرض علي كينونتها حتى بات يؤرقني هذا الوجود وحلت المسؤولية محل الهواية! وقررتْ أخيرًا، أن أمرر كل الكلمات التي لا أمانع تمريرها إلى صفحات المدونة، أن أحرر كل الكلمات العالقة في يدي. صحيح، كنت سابقا وتحديدا قبل أربعة أعوام وضعت لنفسي هدفًا أن أكتب! ومرّ عام كامل دون أن أكتب كلمة! 

تقول رضوى عاشور رحمها الله “الكتابة تأتي من تلقاء نفسها فلا يتعيّن عليّ سوى أن أقول مرحبًا وأفسح لها المكان” وعلى عكس رضوى لم تكن الكتابة تأتي وفقا لرغباتي كانت تفرض نفسها في أكثر الأوقات التي يثقل علي فيها كتابة نصّ. 

غالبًا، ستأخذ كتاباتي في هذه المدونة بهيجة الشكل وسلسة الاستخدام طابع التأملات اليومية البسيطة أو ربما أيا كان منعا للتقييد الذي ذكرته آنفا.

“أكتب، لأنني أحب الكتابة وأحب الكتابة، لأن الحياة تستوقفني، تُدهشني، تشغلني، تستوعبني، تُربكني وتُخيفني وأنا مولعةٌ بهـا” رضوى عاشور.

مقالات عامة

حين خضتُ الاكتئاب عامًا

إفصاح: لكل حكاية نتيجتها ونهايتها، قد تفتح حكايات نافذة أمل لآخر لكنها نافذة مُحتملة فقط، المهم أن نحاول أن ننقذ أرواحنا من منعطفات الطريق الكثيرة، ونقاوم….

بدأت الحكاية في عام 2020م كأن العام ينقصه انتفاضة فرد فوق انتفاضاته الكثيرة، وباء عالمي، والسُكان يتساقطون في موتٍ جمعي و2020 تضعف مناعتها في شعورٍ بأنه غير مرحب بها، ومناعاتنا يخترقها فايروس، لا أنكر – بطبيعة التحول الذي سيطر على العام وكأننا نزلنا من منزلق حاد في لعبة “قطار الموت” وقضينا العام في صعود بطيء لمرفأ البداية والنهاية- أنه أصابني يأس في أيامٍ كثيرة مما يجري، وأنني استيقظت من نومي ليالٍ كثيرة أتفقد صوت تنفسي. وإضافةً إلى أنني شخصية تتجنب لمس الأشياء في الأماكن العامة، زاد الحرص أضعاف وفي تعبير من صديقة: “هيا في قمة سعادتها، كأنها ما صدقت علشان محد يقول إنها موسوسة” وقد صدقتْ فيما قالت، لكنها نسيت أن يمارس المرء مخاوفه في وسط جو آمن ليس كمن يمارس مخاوفه في جو يهدد بالموت من عدو لا يُرى، أن تتجنب ما لا تراه وتسخر من نفسك في خفاء: ماذا لو كان الفايروس يستريح على ملابسك وأن تظنه على مقبض باب السيارة. يبدو الاكتئاب وقتها جمعيًا، الجو باعث على الكآبة، والأفئدة ضيقة في كل مكان، الجو العام يخلو من الطموحات، والناس بدأت تسخر من قوائم أهدافها السنوية، الأفراح تأجلت والأفواه لا تلوك سوى التحذيرات. وقتذاك كان مستحيلًا أن يشعر المرء بالاكتئاب ويقول بأنه اكتئاب، ضاعت هويته وسط كل ذاك الزخم من الهم.

في آخر العام، ومع كل أهازيج الفرج، الأحضان بين أولئك الذين انقطع بينهم الوصل ووصلوا، الأفراح التي جاءت كثيرة من بعد أشهر من الظمأ، الإنجازات التي يُحتفى بولادتها من خاصرة الأزمة العالمية، كان يشغلني سؤال واحد فقط: لماذا كل هذا الحزن؟ بلغ الأمر أن أبكي كلما قضيتُ الليلة وحيدة، لم يكن بكاءً مُرفّهًا، كنت أشعر بأن ألمًا في صدري ضعيف البنية ويجهل نسبه، ألم تائه بلا سبب يُمكنني من احتوائه، كأنني أراه ولا أملك خيار التعامل معه، بعيد جدًا. كل القصص التي أسمعها تُثير قنواتي الدمعية رغم أنني من الأشخاص عصيي الدمع! الموسيقى، الدراما التلفزيونية والدراما الواقعية، مواقع التواصل الاجتماعي مكان عملي، كلها أشياء تثير رغبتي في الانطواء. بدأ الماضي يسيطر على حاضري، ولأول مرة في حياتي أشعر بأنني وحيدة! وضاعف الشعور دعوات اللقاء من الأصدقاء والمعارف، فكان البكاء على شعور الوحدة وعلى إدراك أنني لستُ وحيدة! أذكر أنني مرةً في بكاء قضى على طاقتي سألت نفسي: “ليش أحس أني وحيدة وأنا مو وحيدة؟” لم يكن كل هذا الألم مرئيا أو واضحًا، فكنتُ أحتفل مع المقربين بإنجازاتهم وأدير ظهري في نفس اللحظة في حزن معتم كأن أحدهم قابض على قلبي كل تلك الفترة. وبدأت تراودني أفكار معتمة عمن أحبهم، وأختلق أسبابًا لاطمأن عليهم دون أن يكون هذا الوهم همًا مضافًا لما يعانوه إثر الجائحة، وحين التقيتُ بصديقات وكنت أقصّ عليهن كيف تحولتُ لشخصية حساسة يثير بكاءها ما يثير البكاء وما لا يفعل، قالت صديقة: “عين!” في تعبير بسيط أن كل ما قصصته لا يشبه شخصيتي. جاء العام الجديد 2021م، دخول العام كان حدثًا مُرهقًا كزائر يأتي على غفلة، حملتُ هاتفي والتقطتُ صورة لمكاني الذي ما برحته وقتًا في بكاء مرير، ونويتُ أن أتطفل على الماضي في المستقبل، وتمنيت أن أكون وقتها قد تخلصتُ من أحزاني، وعرفتُ أسباب كآبتي، ولأصل لهذه النتيجة اتخذت قرارًا أن أنهي هذا البؤس، وإن كان لابد منه فسأضع له حدًا، هذا البكاء المتكرر بدأ يجهدني، والحزن يتغذى علي إلى درجة أني فكرت في أن أترك عملي.

سجلت في تطبيق “أمريكي الجنسية” للاستشارات النفسية، كان مهما بالنسبة لي ألا أتواصل مع من يتحدثون لغتي، ألا يخبرني أحدهم عن الوازع الديني وألا يكون اسمي في ذاكرته لأي سبب، كان هذا التطبيق (رغم أنه مكلف ماديا) سخيًا معي، حيث يمنح المستخدم مجالا لتغيير الطبيب إذا ما انسجمت أفكارنا، أذكر أنني قضيت أسبوعًا أبدّل الأطباء تباعًا، رغم أني كنت صادقة في كل ما قصصته لكن سؤالًا واحدًا (تافهًا في نظري) لم يستطع أحدهم من الإجابة عليه: why do I feel sorrow? كانت تأتيني الإجابة نفسها: هذا السؤال “وحدك يمكن الإجابة عليه”. وفي كل مرة أُحبط من ظهور هذه العبارة على شاشتي: لو كنت أعلم أسباب تعاستي لما تكبدت البحث للوصول إلى هنا.

وحين كانت معاناتي وأحزاني عصية على أمريكا، فكرتُ فيما لو كانت المشكلة أنني لا أعرف كيف أتعامل مع الحياة بعد كل هذه الأعوام، وكان الحل “مدرب حياة” وتكبدت مبلغا ماليًا آخر لحجز موعد مع مدربة حياة وهذه المرة كانت محلية، لأسمع ما تقترحه علي، أنا التي ما آمنت أن للحياة مدرب، أخذني الحزن المحيّر إلى هناك، لا أنسى تعبيرها عن سعادتها بمعرفتها لشخصي المكتئب وقتها وقالت آخر الجلسة: “هيا ودي أصير صديقتك، أنتِ من الأشخاص النادرين.” خرجتُ أجتر الحزن والإحباط مجددًا، وأبكي، ليس لحاجة، لأن الطريق في السيارة بات وقتًا أملأه بالبكاء، سجلتُ في دورات تدريبية عن الحياة، عن الفرح، عن تنمية الذات، تكدس سجل قوقل الخاص بي بدورات تدريبية أحضرها لأسخر من محتواها، تحولت إلى فيلسوفة وجودية، واعتزلت الخوض في الكلام مع أحد وحساباتي في مواقع التواصل الاجتماعي، أصبحتُ أخاف من أتفوه بفكرة يتبناها من يجهل دوافع أفكاري وقتذاك، خسرتُ وزنًا كلفني أيمان كثيرة بأنني لا أتبع نظامًا غذائيًا، وفي وسط كل هذا الشتات قررت ألا أخسر جسدي ونفسيتي معًا، ليخرج أحدهما سليمًا من هذه المعارك الباردة، أن أعيش العمر بانتصار واحد على الأقل إن كان لابد من الحياة.

قالت طبيبة الأسرة الطيبة: تعالي بكرة يا هيا تكون التحاليل طلعت.

وجاء بي الغد إلى باب العيادة، وفتحت حاسوبها تكتب بخفة حروف اسمي، ثم اتسعت عينيها ونظرت باتجاهي: هيا! أنتِ عارفة أن فيتامين دال منخفض انخفاض حاد جدًا عندك!!!

جاءت عبارتها بردا وسلامًا، بددت بكلماتها ظُلمات كثيرة، أسفرت عن سعادة كنتُ أتشوق أن أضمها بين أضلعي منذ ما يقارب العام: الحمد لله!!!

بعد أن أخبرتها عن سبب سعادتي بما قالته، أجبرتني على تحاليل أخرى تبين من خلالها أن فيتامين ب12 منخفض مما قد يتسبب بأفكار سوداوية للفرد، ويكثر الشرود، والكسل، وفقدان الشهية… الخ.

خانتني صحتي، وتدهورت في ظروف استثنائية واختلط الواقع العام بالشخصي، فصار جُل تفكيري في أثر الازمة على العالم ونسيتُ بأنني جزء من هذا العالم وبأن الجائحة ليست سبب كل شيء لو كانت الأسوأ.

بالنسبة لعرض مدربة الحياة بأن نكون صديقات، لم أفعل. خشيتُ على رأيها فيْ من شخصيتي بعد أن يتجاوز جسدي أوهانه.

مقالات عامة

منهج منتسوري للطفولة المبكرة

في يوليو 2018م كتبت على منصة تويتر عن تسمية منهج منتسوري بهذا الاسم، عن دوافع المنهج وأهدافه. أترككم مع التغريدات.

الأغلبية سمع عن أسلوب “منتسوري” في التدريس لأن المدارس بدأت عندنا بتطبيقه في الأعوام القليلة المنصرمة لكن للأسف يندر تجد مدرسة تُطبق النظام بحرفية وأمانة بعيدًا عن الجانب التجاري التسويقي والمحتوى روضة أطفال عادية مع معلمات لا يجيدون استخدام وسائل منتسوري.🌹

أولا: سبب تسميته منتسوري؟ نسبةً لماريا منتسوي المولودة في سبعينيات القرن التاسع عشر في إيطاليا، ذاك الوقت كان الأوروبيين يؤمنون بأن المرأة لا يصح أن تتعلم وتعمل، بل تتزوج وتُنجب وتُدير منزلها. (مثلنا قبل كم سنة يعني) التحقت ماريا بالمدرسة الإبتدائية في روما وعمرها خمسة أعوام، كانت معظم المدارس قذرة وتُقدم طريقة تعليم باردة وغير محفزة، يعني المعلمة تقف أمام الأطفال وتُحاضر عليهم. وكانوا يركزون على إعداد ربات بيوت محترفات بتعليم البنات إتقان الأعمال المنزلية، لكن ماريا كانت طموحة وواثقة إن عقلها يستوعب أكثر مما تتعلّم بالإضافة لشغفها بالعلوم والرياضيات وعندها تصوّر للإنسان .الذي تحب أن تكونه في المستقبل؛ سابقة أوانها

بعدما كبرت، قررت تلتحق بالكلية التقنية علشان تدرس العلوم لكن الكُلية ما تقبل إلا البنين. كانت قوية وواثقة من نفسها وصارحت أبوها بعدم رغبتها بالعمل كمعلمة مثلما يطمح لها ويأمل لأنها تطمح بأن تكون مهندسة، لكن والدها عارضها بشدة وقال: معلمة يعني معلمة.

حققت ماريا البالغة٢٠عام درجات عالية في الكلية التقنية فضمنت مقعد في كلية الطب في جامعة روما وكانت نقطة تحول في تاريخ المرأة الإيطالية بشكل خاص والأوروبية بشكل عام وقتذاك؛قليلات اللاتي التحقن بالكلية وما كان متاح لهن سوى العلوم الإنسانية، اللغة الإنجليزية والتاريخ ويتخرجن معلمات. عانت ماريا من البيئة المعادية لها في الجامعة من طلاب ودكاترة، فكان البروفيسور منهم يُشدد في محاضراته على أن الإناث ذوات عقول صغيرة يستحيل عليهن التفوق في المجالات العلمية. كانت تذهب للجامعة برفقة والدها على الرغم من تحفظه حيث كان من غير اللائق لامرأة أن تسير وحدها في الشارع، بالإضافة إلى أنه غير مسموح لها بالدخول لقاعة المحاضرات إلا بعد أن يتخذ كل زملاءها الذكور مقاعدهم في الصف، وما كانوا يفوتون أي فرصة لإظهار إزدراؤهم وتحقيرهم لها علانية؛ يشغلون المقاعد علشان تظل واقفة، يضربون مقعدها من الخلف وهي جالسة ..الخ. كانت تحضر المحاضرات النظرية فقط، حيث تم منعها من صف التشريح لأنه من غير المناسب لأنثى تشريح أجزاء جسم الإنسان. فكانت تعلّم نفسها بنفسها في ساعات إضافية. في يوم بينما كانت تشرّح تقول: كنت محبطة جدا وأنا أنظر في الهيكل العظمي وأجزاء الجسم، شعرت بأن ما أحبه ليس في هذا المكان.💔

نقطة التحول: مرّة وهي طالعة من الكُلية وتفكر أنها تترك الدراسة، مرّت بحمّالين حقائب ومن بينهم لفت انتباهها طفل صغير بملابس متسخة وممزقة وبلا حذاء ورغم الفقر الذي يعيشه كان مندمج بقطعة ورق أحمر في يده وكأنه في عالم آخر غير آبه لعوزه وفقره! هذا المشهد البسيط أثار اسئلة في عقل ماريا ما كانت تجد تفسير لقدرة الطفل على التركيز رغم سوء الحال، هل هي رغبة مكبوتة في الطفل للتعلم؟ لكنها أدركت بأننا كبشر مُناطين بمهام وهي اللي تحركنا هذا الموقف ولّد دافع قوي بداخلها ورجعت للدراسة قوية، وصارت ما تتجاهل الذكور الوقحين بل ترد عليهم: كلما نبذتوني أكثر كلما أصريت على البقاء. في ١٨٩٦ تخرجت ماريا كأول طبيبة من جامعة روما، وواحدة من أوائل الطبيبات في إيطاليا❤️ بعد فترة حوّلت ماريا نشاطها وحماستها لأمر جديد وصارت مهتمة (بحقوق المرأة) حول أوروبا وتطالب بحقوقهن في الإقتراع والتصويت وعدم معاملتهن كمواطنين درجة ثانية. وعقد الإتحاد الوطني للمرأة عدة مؤتمرات في عواصم أوروبية مختلفة حيث دُعيَت النساء الرائدات للتحدث وكان من بينهم ماريا البالغة من العمر ٢٦ عاما. بعدها صارت ماريا مُحاضرة في جامعة روما وأثارت الجدل بسبب تثقيفها للنساء عن الصحة الجنسية. كما أصبحت نائب سكرتيرة لمجموعة ناشطة باسم حقوق المرأة، ودُعيت لإلقاء خطاب في مؤتمر عُقد في برلين، وكان خطاب ناجح تحدثت فيه عن حق المرأة العاملة في مساواة أجرها بأجر الرجل.كانت معروفة بطلاقة لسانها وفصاحتها وتلقائيتها في الحديث، كانت مهتمة بنفسها بجانب نشاطها في حقوق المرأة كانت أنيقة ويهمها مظهرها الخارجي. المهم صارت الصحف تتكلم عنها وعن نشاطها في سبيل المرأة، وبعدها أدركت أنها ابتعدت كثير عن مجالها وشغفها، وكتبت رسالة لأبوها: “رأيت صوري في الصحف وقرأت ما كتبوه عني، لكنني أعدك أن لا ترى صوري في الصحف بعد اليوم ولن أدع لهم مجالًا للكتابة عني وسأركز على تخصصي وعملي” عادت ماريا للعمل في عيادة الطب النفسي بجامعة روما، وكان جزء من عملها زيارة المصحات العقلية. كانت المصحات العقلية تضج بأطفال يعانون من صعوبات تعلم لكن تم تشخيصهم بالتخلف العقلي وحُكم عليهم بحياة بائسة داخل المصحات. انصعقت ماريا مما رأت:“من الضروري أن تعود هذه الكائنات البائسة إلى المجتمع الإنساني لتتخذ مكانها في العالم المتحضر وتكون مستقلة عن المتحكمين بكرامة الإنسان”💜

بدأت تكثف قراءتها عن ذوي الاحتياجات الخاصة والتعليم في محاولة لمعرفة سبب تأخر استيعاب الأطفال وبالتالي توجيه قُدراتهم بما يناسبها إيمانا منها بأن الأطفال يمتلكون أدوات نجاح. اجتمعت بنائب مدير مدرسة أطفال يُدعى مونتيسانا يراقبون ويتفاعلون مع الأطفال من الصباح للمساء. كانت تروح للنجارين وتصمم ألعاب خاصة تجذب بها حواس الأطفال وملاحظة إذا ما كان العمل المستمر المُكثّف على المُدخلات الحسية (النظر، السمع، اللمس، الشم، التذوق والتوازن) قد يغير طريقة عمل الدماغ أو على الأقل يساعد الدماغ في العمل بطريقة أفضل. هذا الأسلوب أو المنهج الجديد أحدث نتائجًا درامية، وقد تفوق الأطفال وأحرزوا تقدمًا أكثر من المتوقع منهم، بل أن ماريا شاركت ببعض الطلاب في الاختبارات الوطنية ونجحوا دون أن تُصرح بأن الأطفال كانوا في مصحات عقلية.

كانت الصاعقة الكبرى التي واجهتها بأن الأطفال لم يكونوا من ذوي الإحتياجات الخاصة،بالعكس أطفال رهيبين! كانت تفكر:إذا الأطفال اللي اشتغلت معهم ما يمتلكون(كل)القدرات التي يمتلكها الطفل السليم ومع ذلك استطاعوا فعل ما يفعله إذن ما الذي يحدث في تعليم الأطفال؟ في عام ١٩٠١ وهي تبلغ من العمر ٣٠ قررت تترك المدرسة التي عملت بها وتتفرغ لمسألة تعليم الأطفال في إيطاليا. وانكبّت على عملها ودراستها، حصلت على الدكتوراه في علم الإنسان خلال ٣ أعوام، ودرست مراحل نمو الطفل. ١٩٠٦ جاءتها فرصة لعرض نظرياتها في التعليم للإختبار. حصلت ماريا على فرصة انضمام لمشروع اجتماعي لإعادة بناء مساكن الفقراء في أحد الأحياء الفقيرة في سان لورينزو في روما، والذي تسبب الأطفال المشردين بتشويهه؛ مثل العشوائيات يعني أطفال ضائعين يباتون في أي منزل مهجور.

المهم تولّت ماريا أمر الأطفال وأشرفت على المشروع وأطلقت عليه اسم “منزل الأطفال” وباشرت بتطبيق نظرياتها التي بدأتها مع أطفال المصحات العقلية، وتطورت بشكل أكبر بفضل الملاحظة والدراسة. صممت ماريا المدرسة بشكل مختلف ((تماما)) عن المدارس العادية في روما، ولاحظت إن الأطفال يتعلمون بطريقة مختلفة وهي التلقائية في فضول الإكتشاف والمعرفة، الطفل نفسه يبحث عن السبيل للمعرفة 👏🏼 واستنتجت أن أنجع وسيلة لتعليم الطفل إعطاءه الفرصة لتركيز انتباهه على الشيء بدلًا من تلقينه.

لاحظت ماريا أيضًا -وكانت تلاحظ وتدوّن- أن الأطفال المشاغبين كثيري الحركة ازدهر تعليمهم الذي يعتمد على مبدأ العمل من أجل العمل (ما في بالهم يتعلمون مع ذلك اكتسبوا المعرفة) وكانوا ينخرطون في مهامهم بالكامل. مرة وهي جالسة مع الأطفال لاحظت طفلة مندمجة في نشاط حاولت أنها تشتت انتباهها ما قدرت، طلبت من الأطفال يرفعون أصواتهم ما نفع، قررت تحمل الطفلة من على الكرسي لكن الطفلة ظلّت تقاوم بالعمل وماريا تبعدها! أيضا لاحظت أن الأطفال عندهم حب فطري لترتيب المجسمات:من الأصغر للأكبر، الأطول للأقصر..الخ فخرجت بنتيجة أن الطفل إذا تعوّد على مكان الأشياء سيُعيد كل غرض إلى مكانه؛ يعني الطفل مفطور على الترتيب إلا إذا كانوا أهله فوضويين وأماكن الأشياء تتغير بشكل مستمر في بيتهم.

فكرة منتسوري قائمة على تطبيع الطفل. أي تعليم الطفل قوانين المكان مثل: خلع الحذاء أولا ثم الجورب، رفع الحذاء إلى دولاب الأحذية (لحذاء طفلك مكان محدد هو يختاره) ثم وضع الجورب في سلة الغسيل. ممنوع يقدم خطوة أو يأخر خطوة كل شيء بحاذفيره. التطبيع يستلزم قيام أفراد الأسرة كافة بنفس الترتيب، في المدارس التي تستخدم نظام منتسوري مثلا يعلمون الطفل كيف يلف سُجاد اللعب (سُجاد صغير يُمثل الحيّز المسموح للطفل باللعب فيه) ويعلمونه كيف يفرشها وكيف يشيلها، بنفس هالطريقة بالضبط بكل حركة. أيضا لاحظت أن الأطفال عندهم حس عالٍ بالمسؤولية اتجاه المجتمع، كان كل طفل ينتهي من نشاط يُعيده إلى مكانه بالضبط. علّمتهم ماريا خطوات بسيطة في النظافة الشخصية مثل: كيف يستخدمون المنديل لتنظيف الأنف. يجلس الطفل أمامها وببُطء تسحب منديل إلى فقرة رمي المنديل في القمامة. من الأشياء التي لاحظتها أيضًا، أن الشعور بالكرامة مرتفع لدى الأطفال لذلك منعت استخدام الكلمات السلبية: خطأ، لا، ما تعرف.. الخ. كان الطفل إذا أخطأ في النشاط تجلس بجانبه وتقول: ما رأيك أن أُريَك النشاط مرة أخرى؟ ثم تقوم هي بالنشاط والطفل يراقبها بصمت.

فيه يوم حدث أمر أذهل ماريا منتسوري، وهو أن الأطفال كانوا يحاولوا يقرأون بدون أي تدخل منها، فأدركت أنه عمر مناسب لتعليمهم الأصوات واخترعت حروف الصنفرة، Sand Paper Letters

مقطع فيديو يشرح طريقة عمل حروف الصنفرة
شكل حروف الصنفرة
Movable Alphabets – صندوق بناء الكلمات

هذا صندوق بناء الكلمات الحروف صغيرة لأن الطفل يتعلم الأصوات وليس حروف اللغة. بعد ما يتقن كل الأصوات يبدأ يبني كلمات بهذا الصندوق. دائما المرة الأولى للمعلمة وبصمت بس الطفل يلاحظ. حققت مدرسة بيت الأطفال نجاح باهر وذاع صيتها، صار يجيها زوار أباء ومعلمين ودكاترة لاكتشاب المعجزة بأنفسهم. في ١٩٠٩ نشرت ماريا منتسوري كتاب منهج منتسوري وافتتحت مركز تدريب معلمات منتسوري. وصارت ماريا حديث العالم الأكاديمي مرة ثانية وكانت بداية ثورة تعليمية جديدة

أسست لها حياة مع ابنها ماريو وسخرت وقتها لمنهج المنتسوري،كان عمرها ٤٢، تتنقل بين عواصم أوروبا تنشر منهجها تمت ترجمة كتابها للغة الانجليزية في نفس العام ١٩١٢ الهند واليابان كانوا يرسلون معلمين لأكادميتها في إيطاليا يتدربون. ١٩١٣ اُفتتحت عدة مدارس منتسوري في أرجاء الولايات المتحدة واحدة من المدارس أُسست في البيت الأبيض من أجل ابنة الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون. ١٩١٤ اندلعت الحرب العالمية الأولى، ورغم ذلك ما أثرت على انتشار منهج المنتسوري وتطوره. بالعكس كانت مصرة بأن هناك صلة بين التعليم والسِلم. “يا رفاقي، آن الأوان لنعمل من أجل السلام والإنسانية في خضم أكثر الحروب اللا إنسانية، لنُوجِّه أبصارنا نحو الطفل الصغير ففي المستقبل فقط يكمن الأمل” استجاب العالم لنداءها حول القارات، أُقيمت المدارس في فرنسا وبلجيكا بالرغم من الصراعات السياسية.

حتى ماريا منتسوري تجاهلت الحرب وسافرت إلى هولندا وأسبانيا والولايات المتحدة تُحاضر عن أهمية تعليم الطفل في بناء مجتمع يرفض العنف والحرب. تم الإشادة بها والثناء عليها من قبل مؤثرين مثل: توماس أديسون: مخترع ورجل أعمال أمريكي بيرتراند راسل: عالم منطق ومؤرخ وناقد اجتماعي بريطاني. وسيغموند فرويد: مؤسس علم النفس التحليلي. الذي قال عنها عام ١٩١٧: كشخص يتعامل مع الأبحاث والدراسات النفسية للطفل أُعرب عن عميق تعاطفي مع جهودك المبذولة في تحسين أساليب تعليم الأطفال والتي تشي في نفس الوقت بشغف واضح لفهم الإنسان. مع نهاية الحرب العالمية الأولى عادت ماريا منتسوري لإيطاليا للسير في طريق أكثر رجال إيطاليا طموحًا وقتها، زعيم الحزب الفاشي الإيطالي موسوليني، كان سياسيا شعبيًا طموحًا. تقلد منصب رئيس الوزراء عام ١٩٢٢ فطلب تقارير عاجلة عن مدارس المونتسوري، رأى معجزة القراءة بواسطة أطفال تمهيدي. كان منبهر بانضباط الطُلاب وبراعتهم في مختلف المجالات، فوضع رؤية وطنية تعتمد عليهم. – تم صرف منح مالية لمدارس المنتسوري. – إنشاء دورة تدريبية سنوية لإعداد معلمات منتسوري. – خصص مصنع لإنتاج المواد اللازمة للمدارس. مع تأييد ماريا منتسوري ازدهرت حركة منتسوري في أرجاء إيطاليا.

في عام ١٩٣١ كانت منتسوري في زيارة إلى لندن لتقديمها إلى البلاط الملكي في قصر باكنغهام،واكتشفت بالصدفة أن غاندي زعيم استقلال الهند هناك أيضًا وتقابلا حياها: نحن ننتمي إلى نفس العائلة. ردت: أحمل لك معي تحايا الأطفال من كل مكان. منهج غاندي في الحياة يتفق مع هدف منتسوري في التعليم من حيث الوحدة المجتمعية والعمل على الأطفال في كل الثقافات. أُعجب غاندي بمنهج منتسوري ورأى فيه نافذة لتعليم الأطفال الفقراء في الهند كما تبرع بإلقاء خطاب في إحدى المدارس بلندن إذ قال: “… إن من أعظم دروس التواضع في الحياة استخلاص العلم لا من الكبار المتعلمين إنما من الأطفال الجاهلين” خطابه ألهم وحفّز منتسوري التي كانت مستقرة في امستردام وقتذاك.

نختم المقالة بمقولة منتسوري: “لقد أنفقت عُمري كاملًا أبحث عن الحقيقة من خلال دراسة الأطفال والطبيعة البشرية في أصلها في الغرب والشرق، اليوم أكمل ٤٠ عامًا منذ بدأت ذلك ولا يزال الأطفال مصدرًا للأمل لا ينضب، كما كشفت لي الطفولة أن البشرية واحدة

مقالات عامة

كتبي خلال عام 2018

لطالما وددتُ أن أوثق حصيلة معرفتي من القراءة في مدونتي، أولًا كمرجع لذاكرتي الإنتقائية وثانيًا كوسيلة أسرع لكل الذين يغريهم الإطلاع على ذائقة غيرهم كما يفعل فضولي أحيانًا. هذا العام قررتُ أن أدونهم رغمًا عن عذري الشهير ما أكثر ما أود تدوينه وما أقصر الوقت. سأبدأ بذكرهم عشوائيًا، الترتيب لا يفيد الأفضلية.

رواية لا تقولي أنك خائفة – حاز من خلالها الكاتب الإيطالي جوزبه كاتو تسيلا على جوائز أدبية عديدة من بينها جائزة “كارلو ليفي” أهم جائزة للأدباء الشباب في إيطاليا. ترجمة عربية بواسطة معاوية عبد المجيد. الرواية مقتبسة من قصة العداءة الصومالية سامية عمر، مكتوبة على لسان بطلتها، تحكي قصة كفاحها في بلد متمسك بالأعراف الاجتماعية ويعتبر المرأة مواطن من الدرجة الثانية آنذاك فضلًا عن نشوء جماعات الأخوان والضغوط التي مورست على الجميع من قِبلهم، ثم تنتقل الرواية لتصف خمسة أشهر في ظروف قاسية ومجهولة وهجرة ولجوء وعبور البحر المتوسط، في توصيف حميم لمشاعر البطلة والتي بلا أدنى شك تشبه مشاعر كثيرين من المهاجرين اللاجئين المشهودين في أعوامنا المنصرمة.

تحذير مغري: لا تبحث عن البطلة في محركات البحث حتى لا تحترق الحبكة.. ولو أن هكذا تحذير تعيس بالنسبة لحياة حقيقية لكن وجب التنويه.

“لا تقولي إنك خائفة، أبدًا، وإلا فإن ما تخافينه، سيتعاظم حتى يهزمك.” 

رواية موت صغير للكاتب السعودي محمد حسن علوان، حاز من خلاله الكاتب على جائزة البوكر الدولية للةرواية العربية عام 2017، بصراحة أدهشني الكاتب في هذا العمل ونقل أسلوبه إلى مستوى عالي جدًا، تحكي الرواية عن الشيخ ابن عربي ورحلة بحثه عن أوتاده في أرجاء جزيرة العرب، لعل ما يميز العمل الطرح السلس العذب لحياة المتصوف والذي -شخصيًا- يدخل ضمن اهتماماتي وعلاقة رموز المذهب ببعض وتقاطع الأحداث والشخوص مع المحافظة على عنصر التشويق. من أكثر الروايات التي قرأتها هذا العام تشويقًا وحافظت على انتباهي حتى آخر صفحة.

“الحب.. موت صغير”

الحياة سياسة، كيف يغير بسطاء الناس الشرق الأوسط لعالم الاجتماع الإيراني آصف بيّات. لهذا الكتاب مكانة خاصة في نفسي رغم أنه ليس بالمستوى الذي أملته. الكتاب عبارة عن مقالات نظرية ووصفية للحركات الاجتماعية في الشرق الأوسط ونقد للنظريات الأوروبية باعتبار أن العالم الإسلامي يعيش وضع استاتيكي بخلاف الدول الأخرى ذات الوضع الديناميكي، المقالات مكتوبة منذ عام 2000 وتم التعديل على الكتاب لزيادة ثورة الربيع العربي والحركة الخضراء في إيران. كشخص متابع لآصف بيات لم أجد جديد في الكتاب عبارة عن تكرار لما كتبه سابقًا في الاسلام والديمقراطية وفي المقابلات التلفزيونية من التنظير حول ظهور المابعد اسلاموية وتعريفها، تراجع الخطاب الايدلوجي وفشل الاسلام السياسي. في حال قرأت لآصف بيات لا أجد أن هذا الكتاب يُضيف لما سبق. الكتاب يناسب المهتمين بعلم الاجتماع السياسي.

“ومن هنا نجد أن الشرطة والثوار كانوا يقاتلون من أجل الاستيلاء على على هذه الفضاءات الحضرية، كما لو كان مصير الثورة يعتمد على من يسبق إلى احتلالها.”


النظارة السوداء للكاتب المصري الشهير إحسان عبد القدوس من السهل توصيف رواية كُتبت بواسطة إحسان عبد القدوس كاتب المرأة، لكن من الصعب شرح كيف بلغ إحسان من الإحساس بالآخر ليكتب بسلاسة وكأنها يحمل فؤاد امرأة. الكتاب يحوي قصتين، الأولى: النظارة السوداء، قصة امرأة فولاذية لا تتحرك مشاعرها ولا تدري معنى الشعور بالأشياء، وحين تفعل تصل إلى حقيقة أن حياتها السابقة بلا شعور تُعد أكثر سِلمًا وسكينة منها وهي تتقد بالعواطف. القصة الثانية: راقصة في إجازة، يصف لك كم من المندهش أن نحب شخصًا يختلف عنا. في كلا القصتين ينتصر إحسان عبد القدوس لذكرويته ولتقاليد المجتمع، مهما تحذلق الكاتب ليضع نفسه في إطار المثقف الذي يساوي نصف المجتمع به إلا أنه يرضخ لعاداته وتقاليده ويوقع عقابه على بطلة القصة الخارجة عن العُرف. كقارئة لإحسان عبد القدوس ما وجدت في هذا الكتاب متعة كغيره.

“هذه المبادئ.. وهذه المثل العليا.. هل وضعت لتكون نظما مقررة، ترتب حياة كل إنسان وتحدد تصرفاته وتحكم قلبه وعقله؟ لا.. إنها وضعت لاستعمالها وقت الحاجة فقط، فإن لم نحتج إليها فلا نؤمن بها ولا نستعملها.. إنها العصا التي يستند إليها الضعيف، أما القوي فليس في حاجة إلى عصا ليستند عليها.. إننه يقف على قدميه متحديا، بلا مبادئ وبلا مثل عليا.”

من شرفة ابن رشد للكاتب المغربي عبد الفتاح كليطيو، يفتح منافذ على نصوص عالمية مشهورة ويعيد قراءتها، يسلط الضوء على مناطق جديدة في صياغة المحتوى ويحكي مختزلا صراع اللغة العربية مع بقية اللغات في صفحات لا تتجاوز 80 صفحة. ممتع جدًا.

“الترجمة هي غزو أرض أجنبية، وطرد ساكنيها وإخضاعهم، وامتلاك خيراتهم وكنوزهم.”

حيونة الإنسان لممدوح عدوان، لو مشروعًا لنا التصويت بمنهجة كتاب يُدرس لاخترت هذا الكتاب، لأنك في كل صفحة ستقرأها ستُسقطها لا محالة على كل ما يدور حولك، تتكشف لك إلى أي مدى سيئة النفس في حال حاضنها تيار معين أو تم توظيفها لتحقيق أهداف معينة، بكل بساطة تستجيب كأن بداخل كل إنسان وحش راقد ينتظر من يلكزه فقط ليستيقظ ويحل بغضبه وينشر نفوذه واستبداده، كيف من الممكن لإنسان أن يستخدم إنسان آخر ليتفنن في تعذيب ثالث! الخيط الرفيع الفاصل بين كونك الضحية وبين تحولك إلى نسخة من جلادك. في نهاية الكتاب ستتساءل عن هويتك، عن علاقتك بالآخرين، عن مدى الإنسانية فيك.. هل أنت فعلا إنسان حقيقي أم إنسان لم تتسنى له الفرصة ليمارس حيونته؟ طبعًا كلنا مسيطرين على أنفسنا (نظريًا) المحك في اختبار الحياة لنا حين تكون السلطة والقوة في أيدينا.

ملاحظة: الكاتب مُلحد لذلك الكتاب يحتوي بعض التجاوزات من خلال اقتباسه لآيات قرآنية وتعليقه عليها.

“تاريخ الانسان المقموع وهو الغالبية العظمي من البشر. هو تاريخ الإنسان المتحول إلي شئ آخر غير الإنسان. هو تاريخ تشويه الإنسان وتزويره.”

هكذا كانت الوحدة للكاتب خوان خوسيه ميّاس، لا يمكن أن أنسى الإحساس الذي غشاني مع انتهاء الكتاب، كأن نافذة كبيرة واسعة مُطلة على منظر طبيعي بديع في روحي! كان في نفسي كثيرًا لو أن البطلة إلينا أمامي لأعانقها بفرح كثيرًا.. زوجة وأم تجد نفسها وحيدة نتيجة للرتابة بعد أعوام أذابت الحُب بينها وبين زوجها، ينمو في داخلها ورم تعتقد بأنه يقتلها، فتقرر أن توظف محققًا ليراقب زوجها، لكن المآساة بدأت حين أسعدها تقرير المحقق بأن زوجها يخونها وكأنها تذكرة راحة لضميرها الذي ما انفك يؤنبها من أجل زوج خائن.. المشكلة لم تعد في الزوج المشكلة في ألين التي تعيش مع الورم يومًا بعد يوم. تنتهي الرواية نهاية كمن يشهق هواءً بعد أن قسرًا ظل رأسه تحت الماء لدقيقة.

“الوحدة كانت هذا: أن تجد نفسك فجأة في العالم كما لو أنك قد انتهيت لتوك من المجئ من كوكب آخر لا تعرف لماذا طردت منه”

رواية من الظل لنفس الكاتب أعلاه، خوان خوسيه مياس، على عكس إلينا التي تعيش الوحدة بتعاسة، على داميان البطل، الابن البار لأب غير مثالي وأخ طيّب لاخت متبناه من جنسية مختلفة.. بار بتهكم وسخرية يبسط عيوب أن تكون فردًا صالحًا في عائلة لكنك لست بالصلاح الذي يُظن فيك. الرواية تنهج الاستبطان النفسي؛ يعني الوعي بالأفكار وإدراكها، “من الظل” أي الوعي فينا، الأحاديث المشتهاة التي نقولها في داخلنا ولا نفصح بها، الأفكار الغريبة التي تدور في خلجنا ولا نجرؤ على الإفصاح عنها. يحدث لدميان موقف في بداية يومه يغير حياته العادية ليعيش وحيدًا في خزانة سيدة متزوجة وأم لبنت. يتحدث إلينا من منصته الجديدة “الخزانة” وحيدًا يتخيل حوارًا يدور بينه وبين مذيع برنامج شهير في محطة مهمة.

“وما من حرية أكبر من غياب الخوف”

كتاب مذكراتي في سجن النساء للكاتبة الثوروية اليسارية نوال سعداوي، بغض النظر عن توجه الكاتبة الفكري أحبها وأحب كل مناضلات جيلها لذلك قد يكون حكمي على الكتاب يخالطه شيء من الذاتية، الكتاب يرصد أحداث اعتقال الكاتبة مع 13 كاتبة أخريات من مختلف التيارات الفكرية، تدون الكاتبة بعض من الأحداث والمواقف التي جرت عليهن في سجن القناطر الخيرية عام 81، الكتاب لا يشبه أدب السجون المتعود عليه في السجينة والقوقعة وتذكرة ذهاب وإياب… الخ بل بالعكس المشاكل والعقبات وأساليب التعذيب تعد رفاهية بالنسبة للمعتقلات. شخصيًا استمتعت جدًا بالكتاب خصوصا بالمواقف بين المعتقلات كأني أتعرف على شخصيات لا أعرف عنهن سوى سطرين في ويكبديا.. متعة!.

“لن نموت، وإذا متنا لن نموت ساكتات، لن نمضي في الليل دون ضجة، لابد أن نغضب ونغضب، نضرب الأرض ونرج الأرض، لن نموت دون ثورة.”

وبهذا أكون قد رصدت أهم حصيلتي من الكتب في عام 2018م واستثنيت إدراج كتب الخواطر الوجدانية والنصوص القصيرة لرأي يخصني بشأن قيمتها الأدبية لا تقييما لمحتواها. وإن شاء الله الكتب القادمة أرصدها أولًا بأول. إن كنت قد بلغت سطري هذا فشكرًا جزيلًا لثقتك واهتمامك.. وأرجو لك عام حافل بالقراءات الماتعة.

مقالات عامة

النقد المعاصر.

تقول نظريات النقد الحديثة أن الإنسان يمُجد الماضي بصورة مغلوطة , وأن الحاضر ليس أسوأ من الماضي

أنما هو السيء امتد منذ قرون حتى شملنا بسوئهِ , أجل صحيح تمامًا.

ولأن النظريات تمتد لتشمل الإنسان كفرد , فمدرسة القرن الحديث القائمة على مقالات الكاتب الأمريكي إليوت , تُحذّر من استخدام ماضي الفرد لتقييم كتاباته أو سلوكه.

ماضي الفرد الذي ما إن يُفصح عنه حتى يتسابق المجتمع في تقييمه بناءًا على وقائع أكل منها الدهر وشرِب.

وماذا أن يحظى الواحد منا بتاريخ يصقلهُ ويتربى في ذاكرته ويتغنى به!

وماذا عن أحداث أيامهِ المشاكسة  .. التي تُبكيه وتَبكيه!

المجتمع الناقِد كبر ونمى نفوذهِ فصار يُقيّمنا وفقًا لسقطات لا نتذكر تفاصيلها حتى.

بل ويبني صغائر سلوكياتنا السيئة على مشاكلنا التافهة.

ولأننا نخشى تقييم المجتمع المستمر لنا , باتت حياتنا الخاصة وأفكارنا مركونة في أبعد زاوية , نُخفيها بحذر شديد ونُبقيها صماء وخرساء , ترانا بعين ماضينا الذي كبرنا من خلاله وتُرثي حالنا.

حتى النصوص المكتوبة لم تسلم منا , نُفتش في تفاصيل كاتبها , ونربط الأحداث المكتوبة بالوقائع التي يعيشها الكاتب.

ماذا لو كانت الكتابة مجرد موهبة , لا فضفضة؟

ماذا لو قرأنا النص في أنفسنا؟

في محيط العمل يحدث أن تتفوه الواحدة منا بعذر منعها من الحضور أو تأدية واجباتها , عُذرها لا يموت أبدًا.

يطاردها حتى يتحول شبحًا تلعن بسببهِ ساعة الحديث عنه!

لن أنتقد كثيرًا هذهِ الفئة , فلعلي كنتُ داخل الدائرة يومًا ولم أنتبه.

سأختم حديثي بأن الماضي البعيد وحتى القريب , وأن المشاكل اليومية ماهي إلا وقائع لا ترتبط بنا في شيء , هي لها صفتها ونحنُ لنا أوصافنا , نستحق أن نعامل بما نُظهر دون وضع نقاط وصل بيننا وبين ما يحدث وما بين النقطتين تعليلات وتبريرات.

إن أخطأنا , فالخطأ منّا كأفراد لا علاقةَ له بما حدث لنا , وإن أحسنّا فهو إحسانٌ منا , لا من ماضينا.

صحيح تمامًا , دراسة الأدب أعمق من كلامي هذا وأكثر منطقية , لأنه الإنسان في هيئة نصوص مكتوبة.