مقالات وجدانية

عابر رصيف

هل أنت من الذين يطرأ في أذهانهم تساؤل: لماذا أبدو بالتبسّط الذي يجعل غريبًا يفشي لي سرًا؟ أنا فعلت.. مرارًا.

كان شيخًا من السودان الشقيق، يقف بمسافة عني بينما أنتظر السائق أن يصل إلى نقطة وقوفي، قال: أنا والله شهدت معنى دعاء المظلوم ليس بينه وبين الله حجاب.

نظرتُ إليه وعلى ملامحي تبدو علامة استفهام.. أكمل: تعرفين.. اسمك الكريم بالله عليكِ لأجل المخاطبة فقط.

ثم أكمل: تآمر عليّ مجموعة من باكستانيين مقيمين في عملي السابق، كنتُ أسمعهم بينما يُفرغون أكاذيبهم في آذان الجميع، لم يكن الأذى الذي لحق طردي من عملي نفسيًا فقط، طال استقرار عائلتي وتكاليف دراسة أولادي في جامعة الخرطوم.. كنت أصلي وأدعو عليهم تباعًا، كلنا نؤمن بعدالة المساءلة في الآخرة لكنني كنت أطمع بأن تشهد عيني عقابهم في الدنيا. تصدقين؟ الأول: أصيب بمرض تآكلت معه عظامه ويرقد حاليا في المستشفى.. أما الثاني فأكل الهم عقله، يُخبرني البعض بأنه صار موهومًا.. تعرفين معنى موهوم؟ يعني يتخيل أشياء غير موجودة وأحداث لم تحدث..

مرّت سيارة يقودها راكب أقرع الرأس، قمحي اللون.. برزت عينا محدثي وراح يهرول خلف السيارة ويلوح بيده القابضة على هاتفه المحمول علّ الراكب أن يراه.. ثم عاد إلى حيث المسافة الفاصلة بيننا وهو يلهث.. نظر باتجاه السيارة ثم رفع رأسه وابتسم مذهولا.. قال: هذا مسعود.. كان زميلي، لما يقارب ثلاثين شهرًا لم أسمع عنه ولم أره! ثم ألتقيه اليوم بينما أحكي لكِ قصتي معهم! الحياة هذه…

لم يكمل جملته، ردّ على هاتفه بسرعة وغيرت كلماته وجهتها إلى مسعود: أين شعرك يا مسعود؟ آه مبارك لك العُمرة والعقبى لنا.. كيف حال أكرم؟ لا حول ولا قوة إلا بالله، لماذا لا يعود إلى باكستان كي يموت بين أولاده؟ مال؟ ماذا يريد كهل تجاوز السبعين ومريض بمرض عضال  وأولاده كلهم أصحاب رؤوس أموال وبناته تزوجن بالمال؟

غاب صوته بينما ترجلتُ سيارتي.. فتحتً نافذتها ولوحتً له أن إلى اللقاء.. أجل من الممكن أن يكون إلى لقاءٍ.. ألم يلتقي هو بزميله بعد عامين وستة أشهر؟

مضت بي سيارتي إلى المنزل وأنا أقطع طرقاتها أفكر بهذا الشيخ الذي ما بردت نيران قهره حتى بعد أن شهد العقوبة بنفسه، كان يعتقد بأن العدالة نزلت كاملة، لكنه ما لبث أن أفصح عن حقده وهو متأكد بأن أكرم سيموت قريبًا.. كأن العدالة ستكتمل إذا مات أكرم.

وأي شكل من أشكال العقاب التي نحب أن تنزل على دماغ ظالمينا؟ في الحقيقة، لا أجد الموت عقابًا هو المصير المحقق، هل يعني بأن جميع الذي ماتوا معاقبون؟ بالتأكيد لا، لا طمأنينة تعادل طمأنينة الجسد المُسجّى في سكينة كأنه أخيرًا لمس الأرض التي خرج منها وتكون من ترابها وصار ثابتًا، كلما تفاقم شعوره بالجاذبية داخل تلك الحفرة العميقة المسماة قبر تفاقمت طمأنينة الروح، كأن الأرض بقطريها تحتضنه بدفء تاريخها في المجرة، كأنه أخيرًا يلقى ما أفنى سنينًا عجاف ينتظره ويتأهب لاستقباله، ثم أنه يعود إلى أصله، هذا العود الأبدي الذي نسي ميلان كونديرا أن يخبرنا عنه.

مقالات وجدانية

القلب يحب مرة

رائحة الحنين لا تنتشر عبثًا، تنفض الذكرى وشاحه وينشر رائحته.. هذا المساء كانت فيه شادية تشدو على إحدى القنوات.. وتُقر بشجن “دا القلب يحب مرة.. ما يحبش مرتين..” شادية رفيقتي في أول عام جامعي.. أقطع الطريق في سيارة مشتركة مع ابنة عمي وثلاث أخريات من تخصصات مختلفة صيّرنا الوقت صديقات جيدات.

أماني تجلس بجانب النافذة وتمسك هاتفها النقال”الكشاف” أمامها في انتظار مكالمة والدتها وتضع أوراق الملزمة على ركبتيها وتهز ظهرها أمام وخلف ثم تغمض جفنيها وترفع رأسها تختبر ذاكرتها الدراسية. أما أحلام تجلس في المقعد الخلفي وتقضي الطريق تتأمل السيارات من خلف زجاج سيارتنا المعتم.. سحر تنحاز للمنتصف.. بيني وبين أماني تغطي وجهها وتغط في نوم عميق فإذا مال رأسها جهة اليسار يسنده كتف أماني وإذا مال جهة اليمين كان له كتفي.. وابنة عمي التي كانت تستغل هذا الطريق في مراجعة الدروس.. تنقذني باسئلتها وأنقذها باسئلتي وندلف إلى القاعة سوية لنواجه نفس الاسئلة ونجيب بنفس الاجابات ونحصل على درجات متطابقة.

فاروق باكستاني الجنسية قائد مركبتنا، بهيئة مُهيبة لكنه بقلب هشّ اكتشفناه حين انهارت أماني باكية لأننا تأخرنا عن الوصول وقد يفوتها امتحان مادة الشِعر مع البروفيسورة نوال.. كنا نهز فؤاد أماني على ركبتيْ الأمل والحِلم كما تهز ملازمها.. وقتها كانت جامعة الأميرة نورة لا تزال كُليات الرياض للبنات وفي موقع جغرافي مزدحم، أذكر حين ضرب فاروق بقبضته على مقود السيارة وصاح: فاروق غبي! وسط دهشتنا جميعًا ضحكت سحر أكثرنا شغبًا وضحكت أماني ولحقناهما.. نضحك بصوت جهور ونُسرّ القلق!

كانت لنا نقطة تجمع تسبق وصول فاروق بدقيقتين أو خمس في أقصى مدة تأخير قد يصلها، إلا في ظهيرة أحد الأيام الحارة التي تعطلت فيها مركبتنا وأمرنا بأن نتوجه إلى سيارة “تاج” وهو سيتكفل بوصف منازلنا له، كانت سيارة تاج تمتلئ بالبنات وزدناهم خمسة.. يعتلينا الحرج وقد حشرنا أجسادنا في ثلاثة مقاعد، كانت البنات لا يتوانين من إظهار استيائهن أما نحن فقضينا المشوار نتحدث بالأعين فقط من باب يا غريب كن أديب! حتى كشفت سحر عن مشاعرها قائلة: الله يعينكم يا بنات زحمة، احنا بس خمس بنات. ما استفزهن للتعبير.

كان لمجمع ركا الكائن بطريق الملك عبد الله نصيب من أيامنا الوردية التي يكون بمقدورنا فيها أن نتشارك وجبة غداء من مطعم شهير، يقف فاروق بالسيارة بعيدًا عن المجمع حتى لا يتطفل أحد على سيارة تعج بالبنات.. يُحضر لنا ما نطلب ويكون له نصيب يشاركنا لذة الأكل.. نتقاسم الأكل حتى نتذوق أشكالًا مختلفة من الوجبات.. ما إن نفرغ من الأكل حتى نبدأ بلعبة الاسماء.. كل واحدة منا تأتي باسم يبدأ بما انتهى الاسم السابق من حرف..

الأيام جعلت أماني المتحفظة تضحك بصوت عالٍ حتى تدمع عينيها، وأحلام الشاردة تشاركنا أفكارًا ظريفة تنسج منها سحر نكتة.. صرن “بنات المشوار” الملجأ المناسب لحلّ الازمات المادية والمعنوية.. وترك الطريق في ذاكرتنا الوجدانية مواقفًا نحتفظ بها لأيام مثل هذه.. اسألهن: هل القلب يحب مرة فقط فعلا؟

وتجيب سحر بثقة تفتقر إلى التجربة: لا. أما أحلام فتُسهب بإجابات طويلة لا تنتهي بحسم واضح بل تتركك دائمًا بين احتمال الموافقة والرفض. كانت شادية ترافقني ساعة الصبح الأولى قبل أن يصل فاروق إلى دارنا فأرسل رسالة إلى ابنة عمي بأن فاروق وصلني فتترقب وصولنا. بالنسبة لامتحان مادة الشِعر.. كان من حُسن حظ أماني أن الازدحام عرقل برفيسورة نوال كذلك.

مقالات وجدانية

علاقة نسب

إن كان لك قريب مستيقظ في نقيض الحياة أي الموت فعليك أن تؤمن بأن بينك وبين الموت علاقة نسب يفترض بأنها جيدة، أي أن لا تُصاب بالذعر إذا ذُكر أمامك، أو في أبسط تقدير أن لا تستبعد زيارته لك.. إن أردت فاعمل على استقباله خير استقبال إذ سيكون من غير الجيد أن تذهب إلى هناك بكتاب فارغ من المحاسن! توصلتُ إلى هذه القناعة حين غادر عدد ليس بالهين على قلبي إلى الموت.. الأمر الذي جعلني أحاول أن أوطد علاقتي به بعد أن صار بيننا نسب وربطني به أحباب. في رحلة البحث الشيقة بتفاصيل تعطف على حزني على عكس ما يخزن دولابي الثقافي من مفاهيم مشوهة، أوقفني الهدف من البحث وسأعلك الجملة المستهلكة الآتية: “صفعني بحقيقة” أنني أرغب بأرض خصبة أعيش فيها مع الذين أحبهم.. لكن قائمة الذين أحبهم تتسع وتكبر.. وصلاتي الملحة دائمًا “للمؤمنين والمؤمنات” الذين أعرفهم والذين لا أعرفهم، المؤمنين بالله أيًا كان دينهم.. أنا أصلي لكل هؤلاء بأن ألتقيهم في الجنة، إن كنتُ أدعو لهم غيبًا فلم لا أحبهم الآن بينما أنعم بوجودهم؟ من الذي فرض التوتر علينا وقنن المحبة والابتسامة والسلام! من غير المنطقي أن أعبر من أمام إنسان يحتاج مساعدة دون أن أمد يدي له وأصلي بأن أجتمع معه في الجنة، لا أعتقد بأنه سيحبذ ملاقاة شخص مثلي في الجنة ومن البديهي أن يقول: عبء في الدنيا وعبء في الآخرة.. ما أتعسني!

لا أفعل شيء سوى محبة الساذج في الآخرين؛ البريء الذي تُغريه الضحكة وأذن تُصغي ما يقول، مخاطبة الصغير فيهم قبل أن ينبت الشرير بفعل عوامل الحياة التي مرت بهم ولا أعلم عنها وغالبًا لن تتاح لي الفرصة لمعرفتها. اليوم قلتُ لمراجعة تسألني عن مكانٍ ما بأن ابتسامتها عذبة. وسألتُ البائعة في محل زهور الريف عن أحوالها مما دعاها لأحاديث كثيرة اكتشفتُ معها روح الدعابة الذي تملكه وأخبرتها عن ذلك، وبعد أن خرجت كادت فتاة أن تُصيبني حين شرعت باب السيارة على حين غرة بينما كنت مقبلة نحوها، أطلت بعينيها المحاطة بخطوط الابتسامة الأمر الذي استجبتُ له فورًا وضحكنا سويًا حتى ما إن فرغنا اعتذرتْ هي وقبلتُ أنا ومضينا. كل الأشياء تدعو إلى الجمود.. المدنية تزيد دموية يوميًا، الأخبار تحصي أعداد ضحايا الكوارث، قتلى الإنسان الحضاري، وأثر المجاعات، وتعسف القوانين.. الخ كل هذا مدعاة إلى أن يتسع ظلك ويشمل ما استطاع إلى ذلك مساحةً، يتسع لإفشاء السلام.. لكي يشعر الآخر الذي تدعي له بالجنة بأنه مُرحّب في دنياك وسيُرحب به في أُخراك. أن يطمئن واحدنا للآخر قبل أن يُميت الفتور ما تبقى لدينا من ألفة، فمُحال أن يمشي أعزل في شارع مظلم دون أن يتصور بأن إنسانًا يشبهه على وشك أن يغدر به، هه! مؤشر خطير ينافي آمالنا وما نصلي من أجله.

الخلاصة: نحن الذين تدعو لهم بالجنة، اشملنا بإنسانيتك في الدنيا، لتكون بيننا وبينك علاقة أبدية جيدة إذا سبق واحدنا الآخر.

“كل هؤلاء المئات / الآلاف / الملايين من الأشخاص الذين تقع عيناك عليهم وقت ركوبك لوسائل المواصلات لثانية أو اثنتين ولا تراهم ثانيةً – إنهم بالتأكيد يفعلون أشياء أكثر أهمية من أن يكونوا مجرد كومبارسات يظهرون في حياتك !”  – أحمد صبري غباشي


مقالات عامة

كتبي خلال عام 2018

لطالما وددتُ أن أوثق حصيلة معرفتي من القراءة في مدونتي، أولًا كمرجع لذاكرتي الإنتقائية وثانيًا كوسيلة أسرع لكل الذين يغريهم الإطلاع على ذائقة غيرهم كما يفعل فضولي أحيانًا. هذا العام قررتُ أن أدونهم رغمًا عن عذري الشهير ما أكثر ما أود تدوينه وما أقصر الوقت. سأبدأ بذكرهم عشوائيًا، الترتيب لا يفيد الأفضلية.

رواية لا تقولي أنك خائفة – حاز من خلالها الكاتب الإيطالي جوزبه كاتو تسيلا على جوائز أدبية عديدة من بينها جائزة “كارلو ليفي” أهم جائزة للأدباء الشباب في إيطاليا. ترجمة عربية بواسطة معاوية عبد المجيد. الرواية مقتبسة من قصة العداءة الصومالية سامية عمر، مكتوبة على لسان بطلتها، تحكي قصة كفاحها في بلد متمسك بالأعراف الاجتماعية ويعتبر المرأة مواطن من الدرجة الثانية آنذاك فضلًا عن نشوء جماعات الأخوان والضغوط التي مورست على الجميع من قِبلهم، ثم تنتقل الرواية لتصف خمسة أشهر في ظروف قاسية ومجهولة وهجرة ولجوء وعبور البحر المتوسط، في توصيف حميم لمشاعر البطلة والتي بلا أدنى شك تشبه مشاعر كثيرين من المهاجرين اللاجئين المشهودين في أعوامنا المنصرمة.

تحذير مغري: لا تبحث عن البطلة في محركات البحث حتى لا تحترق الحبكة.. ولو أن هكذا تحذير تعيس بالنسبة لحياة حقيقية لكن وجب التنويه.

“لا تقولي إنك خائفة، أبدًا، وإلا فإن ما تخافينه، سيتعاظم حتى يهزمك.” 

رواية موت صغير للكاتب السعودي محمد حسن علوان، حاز من خلاله الكاتب على جائزة البوكر الدولية للةرواية العربية عام 2017، بصراحة أدهشني الكاتب في هذا العمل ونقل أسلوبه إلى مستوى عالي جدًا، تحكي الرواية عن الشيخ ابن عربي ورحلة بحثه عن أوتاده في أرجاء جزيرة العرب، لعل ما يميز العمل الطرح السلس العذب لحياة المتصوف والذي -شخصيًا- يدخل ضمن اهتماماتي وعلاقة رموز المذهب ببعض وتقاطع الأحداث والشخوص مع المحافظة على عنصر التشويق. من أكثر الروايات التي قرأتها هذا العام تشويقًا وحافظت على انتباهي حتى آخر صفحة.

“الحب.. موت صغير”

الحياة سياسة، كيف يغير بسطاء الناس الشرق الأوسط لعالم الاجتماع الإيراني آصف بيّات. لهذا الكتاب مكانة خاصة في نفسي رغم أنه ليس بالمستوى الذي أملته. الكتاب عبارة عن مقالات نظرية ووصفية للحركات الاجتماعية في الشرق الأوسط ونقد للنظريات الأوروبية باعتبار أن العالم الإسلامي يعيش وضع استاتيكي بخلاف الدول الأخرى ذات الوضع الديناميكي، المقالات مكتوبة منذ عام 2000 وتم التعديل على الكتاب لزيادة ثورة الربيع العربي والحركة الخضراء في إيران. كشخص متابع لآصف بيات لم أجد جديد في الكتاب عبارة عن تكرار لما كتبه سابقًا في الاسلام والديمقراطية وفي المقابلات التلفزيونية من التنظير حول ظهور المابعد اسلاموية وتعريفها، تراجع الخطاب الايدلوجي وفشل الاسلام السياسي. في حال قرأت لآصف بيات لا أجد أن هذا الكتاب يُضيف لما سبق. الكتاب يناسب المهتمين بعلم الاجتماع السياسي.

“ومن هنا نجد أن الشرطة والثوار كانوا يقاتلون من أجل الاستيلاء على على هذه الفضاءات الحضرية، كما لو كان مصير الثورة يعتمد على من يسبق إلى احتلالها.”


النظارة السوداء للكاتب المصري الشهير إحسان عبد القدوس من السهل توصيف رواية كُتبت بواسطة إحسان عبد القدوس كاتب المرأة، لكن من الصعب شرح كيف بلغ إحسان من الإحساس بالآخر ليكتب بسلاسة وكأنها يحمل فؤاد امرأة. الكتاب يحوي قصتين، الأولى: النظارة السوداء، قصة امرأة فولاذية لا تتحرك مشاعرها ولا تدري معنى الشعور بالأشياء، وحين تفعل تصل إلى حقيقة أن حياتها السابقة بلا شعور تُعد أكثر سِلمًا وسكينة منها وهي تتقد بالعواطف. القصة الثانية: راقصة في إجازة، يصف لك كم من المندهش أن نحب شخصًا يختلف عنا. في كلا القصتين ينتصر إحسان عبد القدوس لذكرويته ولتقاليد المجتمع، مهما تحذلق الكاتب ليضع نفسه في إطار المثقف الذي يساوي نصف المجتمع به إلا أنه يرضخ لعاداته وتقاليده ويوقع عقابه على بطلة القصة الخارجة عن العُرف. كقارئة لإحسان عبد القدوس ما وجدت في هذا الكتاب متعة كغيره.

“هذه المبادئ.. وهذه المثل العليا.. هل وضعت لتكون نظما مقررة، ترتب حياة كل إنسان وتحدد تصرفاته وتحكم قلبه وعقله؟ لا.. إنها وضعت لاستعمالها وقت الحاجة فقط، فإن لم نحتج إليها فلا نؤمن بها ولا نستعملها.. إنها العصا التي يستند إليها الضعيف، أما القوي فليس في حاجة إلى عصا ليستند عليها.. إننه يقف على قدميه متحديا، بلا مبادئ وبلا مثل عليا.”

من شرفة ابن رشد للكاتب المغربي عبد الفتاح كليطيو، يفتح منافذ على نصوص عالمية مشهورة ويعيد قراءتها، يسلط الضوء على مناطق جديدة في صياغة المحتوى ويحكي مختزلا صراع اللغة العربية مع بقية اللغات في صفحات لا تتجاوز 80 صفحة. ممتع جدًا.

“الترجمة هي غزو أرض أجنبية، وطرد ساكنيها وإخضاعهم، وامتلاك خيراتهم وكنوزهم.”

حيونة الإنسان لممدوح عدوان، لو مشروعًا لنا التصويت بمنهجة كتاب يُدرس لاخترت هذا الكتاب، لأنك في كل صفحة ستقرأها ستُسقطها لا محالة على كل ما يدور حولك، تتكشف لك إلى أي مدى سيئة النفس في حال حاضنها تيار معين أو تم توظيفها لتحقيق أهداف معينة، بكل بساطة تستجيب كأن بداخل كل إنسان وحش راقد ينتظر من يلكزه فقط ليستيقظ ويحل بغضبه وينشر نفوذه واستبداده، كيف من الممكن لإنسان أن يستخدم إنسان آخر ليتفنن في تعذيب ثالث! الخيط الرفيع الفاصل بين كونك الضحية وبين تحولك إلى نسخة من جلادك. في نهاية الكتاب ستتساءل عن هويتك، عن علاقتك بالآخرين، عن مدى الإنسانية فيك.. هل أنت فعلا إنسان حقيقي أم إنسان لم تتسنى له الفرصة ليمارس حيونته؟ طبعًا كلنا مسيطرين على أنفسنا (نظريًا) المحك في اختبار الحياة لنا حين تكون السلطة والقوة في أيدينا.

ملاحظة: الكاتب مُلحد لذلك الكتاب يحتوي بعض التجاوزات من خلال اقتباسه لآيات قرآنية وتعليقه عليها.

“تاريخ الانسان المقموع وهو الغالبية العظمي من البشر. هو تاريخ الإنسان المتحول إلي شئ آخر غير الإنسان. هو تاريخ تشويه الإنسان وتزويره.”

هكذا كانت الوحدة للكاتب خوان خوسيه ميّاس، لا يمكن أن أنسى الإحساس الذي غشاني مع انتهاء الكتاب، كأن نافذة كبيرة واسعة مُطلة على منظر طبيعي بديع في روحي! كان في نفسي كثيرًا لو أن البطلة إلينا أمامي لأعانقها بفرح كثيرًا.. زوجة وأم تجد نفسها وحيدة نتيجة للرتابة بعد أعوام أذابت الحُب بينها وبين زوجها، ينمو في داخلها ورم تعتقد بأنه يقتلها، فتقرر أن توظف محققًا ليراقب زوجها، لكن المآساة بدأت حين أسعدها تقرير المحقق بأن زوجها يخونها وكأنها تذكرة راحة لضميرها الذي ما انفك يؤنبها من أجل زوج خائن.. المشكلة لم تعد في الزوج المشكلة في ألين التي تعيش مع الورم يومًا بعد يوم. تنتهي الرواية نهاية كمن يشهق هواءً بعد أن قسرًا ظل رأسه تحت الماء لدقيقة.

“الوحدة كانت هذا: أن تجد نفسك فجأة في العالم كما لو أنك قد انتهيت لتوك من المجئ من كوكب آخر لا تعرف لماذا طردت منه”

رواية من الظل لنفس الكاتب أعلاه، خوان خوسيه مياس، على عكس إلينا التي تعيش الوحدة بتعاسة، على داميان البطل، الابن البار لأب غير مثالي وأخ طيّب لاخت متبناه من جنسية مختلفة.. بار بتهكم وسخرية يبسط عيوب أن تكون فردًا صالحًا في عائلة لكنك لست بالصلاح الذي يُظن فيك. الرواية تنهج الاستبطان النفسي؛ يعني الوعي بالأفكار وإدراكها، “من الظل” أي الوعي فينا، الأحاديث المشتهاة التي نقولها في داخلنا ولا نفصح بها، الأفكار الغريبة التي تدور في خلجنا ولا نجرؤ على الإفصاح عنها. يحدث لدميان موقف في بداية يومه يغير حياته العادية ليعيش وحيدًا في خزانة سيدة متزوجة وأم لبنت. يتحدث إلينا من منصته الجديدة “الخزانة” وحيدًا يتخيل حوارًا يدور بينه وبين مذيع برنامج شهير في محطة مهمة.

“وما من حرية أكبر من غياب الخوف”

كتاب مذكراتي في سجن النساء للكاتبة الثوروية اليسارية نوال سعداوي، بغض النظر عن توجه الكاتبة الفكري أحبها وأحب كل مناضلات جيلها لذلك قد يكون حكمي على الكتاب يخالطه شيء من الذاتية، الكتاب يرصد أحداث اعتقال الكاتبة مع 13 كاتبة أخريات من مختلف التيارات الفكرية، تدون الكاتبة بعض من الأحداث والمواقف التي جرت عليهن في سجن القناطر الخيرية عام 81، الكتاب لا يشبه أدب السجون المتعود عليه في السجينة والقوقعة وتذكرة ذهاب وإياب… الخ بل بالعكس المشاكل والعقبات وأساليب التعذيب تعد رفاهية بالنسبة للمعتقلات. شخصيًا استمتعت جدًا بالكتاب خصوصا بالمواقف بين المعتقلات كأني أتعرف على شخصيات لا أعرف عنهن سوى سطرين في ويكبديا.. متعة!.

“لن نموت، وإذا متنا لن نموت ساكتات، لن نمضي في الليل دون ضجة، لابد أن نغضب ونغضب، نضرب الأرض ونرج الأرض، لن نموت دون ثورة.”

وبهذا أكون قد رصدت أهم حصيلتي من الكتب في عام 2018م واستثنيت إدراج كتب الخواطر الوجدانية والنصوص القصيرة لرأي يخصني بشأن قيمتها الأدبية لا تقييما لمحتواها. وإن شاء الله الكتب القادمة أرصدها أولًا بأول. إن كنت قد بلغت سطري هذا فشكرًا جزيلًا لثقتك واهتمامك.. وأرجو لك عام حافل بالقراءات الماتعة.

مقالات وجدانية

هدنة جبرية

هل يمكن أن يموت المرء مختنقًا بنفسه؟ أن يحبس أنفاسه ليبكي وتمضي الدقائق عند باب العين.. الحشد يتدافع والعين أصغر من أن تسمح لهم بالعبور مرة واحدة..

تمضي دقيقة..

ودقيقة..

ودقيقة..

ثم يشخص بصره بدلًا من أن يلين بدمعة! 

مثار للشفقة أن تحيا تُكابر على حاجاتك.. تكظم بكاؤك.. وتدس ذهنك في أنف المسؤولية.. ثم تموت مقيدًا بكل ذلك.. تموت دون أن يعلم أحد أنك كابدت. سيقول المقربون منك بأنك عشتَ قويًا باسلًا، أنك ما خضتَ معركةً إلا انتصرتَ فيها تاركًا للآخر لملمة الغنائم مع بقايا عزة نفسه؛ فنفسك أعز من أن تخرج بشيء كان في حوزة غيرها يومًا، لن يحكي أحدهم أنك انهزمت ألف مرة في الخفاء قبل أن تنتصر، أن دمعك المذروف أثناء ضحكك ما كان سوى يائس أراد أن يخرج حتى لو لم يكن الباب مناسبًا. 

وبالحديث عن المعارك، أعلم والعلم عند الله وحده أن أشد معاركنا ضراوة حين تكون الجبهة المقابلة ما تخزنه ذاكرتنا من مواقف مرّت السنون ولم تمرّ؛ حرب مُعلقة بهدنة جبرية لم يكن لك فيها يد، لك منها كل الأشياء التي شهدتها، الأشخاص.. المكان.. الشارع.. التوقيت.. هندامك.. وشعورك! ضراوتها في شعور الكرامة المسحولة على حين غرة منك.. أن تكون صاحب حق فيها وتخرج منها مغصوب حق المطالبة.. أن ترنو عينيك في اللاشيء رغم أن الشمس ساطعة لكن تبدو الحياة مُبهمة.. تتخدر مشاعرك، صوتك، ورغباتك. تعقد هدنة خلال الهدنة المفروضة عليك مع توقعاتك فتنخفض إلى مستوى قدميك، وفي كل معركة تتساءل مع فارسك الأخير قبل أن يخر صريعًا: ألم يأن آوان إشهار سيـ…؟ وقبل أن تكمل سؤالك يخر الفارس صريعًا ويُسبى حصانه.

وفي لحظة، لحظة لا تدري متى أوانها ولا ظروفها، في لحظة تكون فيها على شفا هاوية لا تنتهي إلى شيء.. ستعبر بك ذاكرتك إلى ذاك اليوم.. إلى الشارع القديم وإلى صورتك القديمة، إلى الذين شهدوا خيبتك، وستتأرجح قدميك الحاضرة بين التعب المعتّق وبين الخوف من المسقبل المتكوّم في الدقيقة التالية، تقف طويلًا تحسب عُمرك الإفتراضي في ثوانٍ برصد كل الخسائر المتوقعة وعلى نفس الغفلة يستيقظ فيك ما تم تخديره ويقطع بحدته الهدنة يواجه الذاكرة القديمة وينتصر! 

ينتصر.. لكنه يفرّ بعد انتصاره بعيدًا فيسقط مهزومًا أمام نفسه منتصرًا لضعفه ويبكي.. أخيرًا يبكي.

مقالات وجدانية

دواعٍ كثيرة

مزعج الشعور الذي لا أجد له مبرر، الضجيج الذي يُربك هدأة قلبي على غفلة من نهاري العادي، ما الشيء الذي أفلت من ذاكرتي القديمة وأحدث هذه الفوضى..؟ أحاول أن أُعنونهم تباعًا علّي أمنح كل واحد منهم كفايته ليأخذ دورته كاملة في نفسي.. ثم يغادر تاركًا خطوط المستقبل في قاع فنجانه. ذاكرتنا القديمة؟ هممم مصطلح أدبي يُعطي شكلًا بلاغيًا للنص أكثر من ندوب مثلًا.. على اعتبار أن الندوب قد تعطي صاحبها صفة العطب بينما الذاكرة القديمة إيحاء للتخطي باختيار حين رُكنت! حسنًا لن أخوض كثيرًا في المصطلح الأنسب الذي يجمع دهشتنا من أنفسنا حين عشنا أكثر مما خمّنا أثناء مرورها وبين آثارها المتبقية في أزقة الروح الضيقة حيث غياب الضوء بصورة متقطعة، مشاكل ضواحيها أقوى من الصوت.. وأكثر تعقيدًا من البوح.. تحوي صورنا الحقيقية وتحفظ صدى اعترافاتنا المقموعة.. المبررات التي نكره من خلالها أولئك الذي يدعون محبتنا وندّعي تصديقهم، تحتفظ أيضًا بمحاولاتنا التي باءت بالفشل وعجز اللغة أمام بركان الوصف، تذكرتنا بجهلنا بذواتنا في لحظات الصفاء لكنها أيضًا اليدين التي تصفق لنا بحرارة مع كل إنجاز.. هه تُضيء ساعةً دون أن يلتمس كهربها! 

على فرض أن في العقل قبو يدفن فيه المرء انفعالاته.. رغباته وأفكاره التي إن نطق بها سيحكم عليه المجتمع بالنبذ حتى وإن كان المجتمع يتفق معها لكنها موجودة لتُضمر.. وفرض أن في الروح دهاليز وأزقة مُظلمة يطوي فيها المرء صوته وهزائمه وتُخفي عتمتها ما خطه الزمن على جدرانها، مَن هي الأنا الحقيقية؟ ومتى تظهر؟ إن لم تكن نتاج كل هذا؟ تبدو المفارقة مزعجة في العطوب التي تجعل من الفرد صالحًا رغم أنها خربته! يعني أن الخراب يُصلح اعوجاج ما! الفكرة لا تعجبني وتعجبني في نفس الوقت، لا تعجبني في أن الصلاح مُكلف وتعجبني في أن الخراب ليس سيئ بالضرورة.

في عامٍ من الأعوام لا أذكر متى بالضبط اكتشفتُ نوعًا جديدًا من العجز المُسبب للبكاء.. عجز لا يصدقه المُتلقي وحدك تشعر به.. وسأعترف دون ادعاء للتواضع أنني لا أدري سبب العجز فأحيانًا أُلصق التهمة بالوحدة وباتساق المرء مع ذاته ما يجعل الكلام عن أشياء تكدست أمر غير مجدي لأنه لو كان كذلك فلم اعتناق الصمت منذ البدء؟ لأن لا آوان لها؛ هي أشياء حدثت ولن يعلم عنها أحد نوع من أنواع الأقدار لن تفلح نظريات علم النفس التي تنادي بالكتابة وبالكلام معها.. حتى أنه يخيل إلي بأن فعل أي مما سبق قد يزيد العقدة كفتاة تحاول فك عقد سلسلتها الذهبية بينما ينتظرها الجميع في السيارة فصار لزامًا عليها أن تتنازل؛ إما أن تتخلى عن جزء من زينتها وتتركها وإما أن ترتديها بعقدتها على أمل أن لا يلحظها أحد وإما أن تفقد صوابها فتقطعها إلى نصفين لتكسب معركةً في حرب الندم المؤجل لحين عودتها إلى المنزل. آه كنت أكتب عن اكتشافي لنوع عجز جديد أو سأسميه دافع للبكاء! حين تنوي أن تُفصح.. أن تخبر أحدهم عن  كل الحياة الأخرى التي لا يعلم عنها أحد.. ستتفوه بما لا يقوى على أحد الشعور به، وحدك تفعل.. تفتح فاهك فتندفع الحروف مرة واحدة وبطريقة لا تعلمها تتبعثر وتصطف على هيئة غيرهيأتها الحقيقية وتقول أشياء ثانوية لا تشبه ما بداخلك في شيء والأدهى من ذلك أنك ببداهة تُبرر للكلمات المشوهة فتأخذ طابعًا حقيقيًا.. لكنه ينتهي بالبكاء! بكاء فحواه ليس هذا ما أردتُ قوله. وتجفف دمعك على مناديل مواساتهم التي تهز رأسك لها باستسلام!

في اعترافٍ غير مهم ولكنه غير مُسبق أيضًا.. رغم ثرثرتي وكتاباتي وعُلو صوتي واندفاعه.. رغم الأعوام التي سمعتُ فيها صديقاتي وتحدثتُ فيها مع طالباتي لم أقل يومًا عبارة: أعرفك.. غريب صحيح؟ أو ربما لا.. لكنني لم أفعل لا بالصدفة وإنما بقصدٍ محض، لا أجرؤ على أن أتفوه بكلمة كهذه، أتخيل صاحبها يسخر مني حين أقولها باختزال مبتذل لتاريخ الفرد الماثل أمامي أو لصوته الذي عبرته المواقف لتتشكل نبرته على هذا النحو الذي أسمعه، ورغم ذلك أزعم بأنها أكثر عبارة قيلت لي وأجزم بأنها ستقال كثيرًا ولأصدقكم الشعور، يعجبني سماعها.. تضعني في منطقة آمنة؛ منطقة مريحة لا أخشى فيها محاولات اقتحام دوائري، سيكون من دواعي سروري أن يعرفني الجميع كما أحب وأريد.. وسأكون دائمًا أرى فيهم ما يدعو للاكتشاف وللتأمل!

 

مقالات وجدانية

عنفوان الصحة

تأتيني الفرص على طبقٍ من نحاس -درءًا للكذب- وأفوّتها خشية أن أفقد أمانيّ الحقيقية تباعًا، تأتيني وتعبر من أمامي لا من خلالي وأبقى أتأملها في منطقة اللاشعور، لا أنا السعيدة ولا البائسة، لا النادمة ولا المطمئنة، لكن قلبي ينقبض في مرورها وتلاشيها وأتساءل أأمانيّ تخونني إذا نظرتُ في غيرها، أم تُشفِّع فيني نُبل غايتي؟

أن تُشارف على الثلاثين وصُرَّة أحلامك الكبيرة فارغة، تُكيَّف الحُلم حسب الظرف الراهن فإذا بالظرف الراهن يستبّد ويفرض سُلطةً تبتر وريد الحياة وتمضي سنونك بجانبك تتأملها في رحيلها الأبدي تحمل معها رقمًا محسوب عليك لا لك..!

تمد لك الأشجار ظلالها الوارفة فتخشى أن تمكث طويلًا وصفصافك على ضفة النهر تذبل انتظارًا! لكنك على أية وسواس تمكث اقتناعًا بنظرية المحطات إذ لابد أن تأخذك محطة ما إلى حيث تصبو، لكن هل ستصل إليه في الموعد إذ أن آخر ما تودّه تأخيرأكثر مما أنت عليه الآن! في هذه المحطات ترى وجوه كثيرة تُشبهك باختلاف الوسيلة التي قادتهم إلى هنا، تتحدث إلى أفواه بيضاء ناشفة مُتشققة تُخبرك عن لذة الإستسلام المُرة، عن لونه الباهت، عن رائحته الصمّاء وعن حراشِف قشرته! بعد هذا الوصف المُميت يناصحوك لتستسلم: آن الأوان لكتفيك بأن يرتخيا.

آه سؤال جيّد: هل من المفترض أن ترتخي أكتافنا بعد ثباتها؟

نختنق بالتفاصيل التي لا نملك من أنفسنا حق البوح بها، الحقوق المدهوسة بفضل أشياء لا تستطيع معها بتغيير، لكنها الحالة العامة المفروضة ولأنها مفروضة فلا سبيل لك معها سوى التسليم، ما الفرق الآن بين الاستسلام والتسليم؟ التسليم أن تعيش في حدود الممنوح مذعنًا لقوانين غير منطقية، أما الإستسلام يعني أن تعيش في حدود الممنوح مذعن لقوانين غير منطقية. 

الإذعان معضلتنا التي نحاول عبثا أن نتأقلم معها، في أيام الصفو نُصفق للتكيُّف ولقوانا المُبهرة التي أثبتت صلابة مفاصلها ولم تركع خنوعًا وحين تقترب عجلة الامتحان، وتطأ جزءًا منا.. نعيش مُدنفين تحت سياط عقارب الوقت الحادة، ونشعر بالعجلة تسحق ما بين أضلاعنا فلا نحن الذين تقيأنا الوجع بالصراخ ولا نحن الذين احتملنا مرور الهواء ليكهرب ضيق الحيز المتبقي وبالكاد يصل الرئتين.

تقول صديقتي: الزواج هو الحل، دوامة الزوج والطفل لا عقل معها.

يعني أن الزواج اختيار وارد في بناء الذات عن طريق هدمها أو تذويبها في شخصيات أخرى ثم تستبدل كتابك المفضل أبدًا بكتاب الرجال من المريخ والنساء من الزهرة”، لكنك لستِ من الزهرة أنتِ لم تعودي موجودة على الخارطة الإفتراضية في تحقيق النفس” وتعزيز الطموح، ثم تُعيدين دورة حياتك المُفرغة إلا من ماضي المحاولات غير المكتملة في كائن جديد لا ذنب له سوى أن والدته أرهقها النحت في صخر المستقبل فأنجبته! طرأ لي الآن أن أسميها دورة مجتمع غير صحي!

  • أنتِ تُفاقمين الأمر بفرط التفكير.

أضحك وأتذكر سِرًا مقالة صافيناز كاظم التي لم تنشر أبدًا: “تفسير أحوال عدم القدرة على الكتابة بعرض عينة بينة” حين سمّت التمحيص في الأمور بمرض عنفوان الصحة. فعلًا أنا مصابة بعنفوان الصحة ولا أخجل من تشخيصي بهذا المرض ولو أن الإمتناع عن الشفاء منه مُكلف كثيرًا لكنني سأحرص أن أورثه لأولادي أيضًا.  يتعبنا الجهل، هل نحن مسلمين راضين، أم مُدعين نُمنّي النفس بانقضاء مرحلة هي الحياة. أنا التي تُداوي الأيام بدندنة: مالي.. وأنا مالي وأنا مالي؟ (أضحك) من لي إن لم تكن أنا؟

مقالات وجدانية

ثالثنا أرق

اختفى بغير الطريقة التي جاء بها!

انبلج الصُبح يُحْييني بعد أن أسكر نفسي بلذّتهِ وأذاب بقدومه حواجزها وألغى وعودها وأيمانها! وتسللتْ الشمس إلى الداخل مُستغلَّةً غياب ستائر النوافذ قبل أن ترتفع وتعانق هامات المنازل الإسمنتية! 

قبل قدومه بيومين فقط، جلستُ مع نفسي وثالثنا أرق، يتودد إليها فتأبى، يقترب منها فترتعد هلعًا وتضم يديها فوق صدرها خشية أن يقتحم قلبها وينفض مخاوفها فلها قلبٌ تعْقِل به وتودعه أصول أعوام ابتلعتها وحيدة ولم تكشف منها ورقة واحدة  آثرت العقوبة على الفصح.. فالأولى تبدأ باتهام وتنتهي بندبة لكنها تنتهي على الأقل، أما الثانية فإن بانت جردتها أعين الناس وسجلتها ذاكرتهم بعُريها البريء! 

أُخبرها بجدوى الأرق كرفيقٍ مناسب في حضرة سكون الوحدة، مادام النوم قد غادرها أيام دون أن يُكلِّف نفسه ببضع غفواتٍ تسدُّ بها رمقها. أليس ظُلمًا أن يدفع الطرف المُلتزم ثمن تصرفات الآخر الطائشة؟ ثم هو من بدأ ونكث الميثاق فالأرق في هذه الحالة حاجة وليس تطفلًا في علاقةٍ بائسة بين اثنين! وأخيرًا، بعد جهودٍ حثيثة وافقت على مضض أن تحتويه كرفيق ربما أقل لكن قطعًا ليس أكثر. بعد أن أنهيتُ حمامي الدافئ ليل البارحة، وجئتُ بقدح الشاي ووريقات النعناع حتى يسترخي الأرق بينما يفضح أمامها الفِكر والنوايا دون أن ينقطع نفسه أو يفقد أعصابه نتيجة عنادها.

 أقبل!

أقبل على غير هيأته؛ بلا بِزَّة نظيفة وأنيقة، بلا رائحة العطر الزكية، بلا تسريحة الشعر التي توحي بأنه قضى وقتًا يرتبه خصلةً خصلة! جاء يسحب قدميه بإعياء، كتفيه ضامريْن ووجهه شاحب وتبدو على جسده مشقَّة الخطيئة، لم يكن يزفر كان يتنهد، جاء فوثبتْ إليه تعانقه قبل أن يسألها العفو! هه.. لابد أنها تحتفظ له مع بقية أوراقها التي خافت عليها بصك غفران بلا شروط ولا تاريخ انتهاء! عانقته بعينيها ليسكُن إليها ويُسكنها، ولفرط الإشتياق والتعب لم يُقحم وساوسها بينهما كحُلم. عاد إليها بلهفة المرةِ الأولى!

واختفى الأرق بغير الطريقة التي جاء بها!

صحيح! الأمر الأهم.. من قرن الخير بالتحايا؟ 

مقالات وجدانية

خيرة

الخيرة هي الطريق الوحيد المتاح، وهي الغنائم المُتبقية من معركة لم نخضها بعد، ونتائج خسائر المكاسب التي استثمرناها.

الخيرة هي الفرج في مأزق مواساة مكروب، وهي اللقمة الناشفة في فم الذي ترك في منامه مائدة.

الخيرة عكاز كتفين هبطا بعد عِزة، ولبِنة أولى على أرض نوالها بعيد، والخيط المتبقي من حبلِ مشدود

 الخيرة هي الجواب المفقود لكل الأسئلة، والذنب المغفور، وهي غفوة الفرح الطارئة وصفعة اليد المبسوطة على ذهنٍ شارد

تُقبل مبادهة فتمنع الحنق وتُمسك الرضا! إن أنت اعترضتْ كفرت، وإن قبِلتْ جثم جيش الهزيمة على صدرك وأطاح بدمعك، إن أنت بكيتْ فرّطت بهدايا التجلد، فيتحول الدمع غصة عالقة تُعيق الهاء عن الخروج، الآن وقد طحنت جيوشها داخلك وأوصدت عساكرها منافذ  التعبير وأحبطت محاولات التنهيد للهروب وتكدّس النصب والوصب الذي لو ثار لملأ حُلوق الأرض وأغرق حياضها صراخًا وماءً، تتحول منافقًا باطنه عارِض وظاهره قانع.

 في وسط الحيرة، أبحث عنها.. عن بوصلة تُشير إلى قِبلة المآل المنشود، أيهما سكن وأيهما محطة، أيهما طريق لا نهاية له وأيهما خط عودة، أيهما تعريف مُكمّل للهوية وأيهما أُحجية مُضللة. 

أبحث عن الخيرة لتكون فيصلًا فلا أهتدي إليها، كأنها اختنقت بسموم ثائرٍ قرر أن يكفر ويرفع راية سخطه.

مقالات وجدانية

ثرثرة (4)

مكتبي

الكبرياء لا ينزع من العمر بهاءه فقط، ولا يكتفي بمنع استمرارية العلاقات العذبة، الكبرياء ليس حِكرًا على عدم التفوه بكلمة شكرا وآسف حين تجب، بل تمنع المرء من تلقي المعارف كما يجب! حينها نلجأ للدروس العملية، بعد أن تلْقى الطرق النظرية حتفها.

أطرقُ الباب وأقف بحزم، أتأمل فيهن بينما تُخرجن الكتب، أضع كتبي وأقلامي على الطاولة، أرفع كشف الأسماء، أختار واحدًا عشوائيًا.. اسأل سؤالا وبعد برهة من الانتظار تخرج من فمي ببرود وباللغة الانجليزية كلمة: صِفر!

ثم يهبط قلمي على الورقة بشكل عامودي راسمًا الصفر بدون أي مجهود.

كان هاجس العشر دقائق الأولى من كل محاضرة لي معهن ينمو ويتفاقم تدريجيا، أما أنا فأطلق عليه الهاجس الصحي.

وزعتُ عليهن أوراق الاختبار القصير بعد أن أنهيتُ تصحيحه، جاءتني خولة كما توقعتُ، سألتني عن خطأها الذي أضاع عليها نصف درجة، وحين علمتْ أن كتابة اسمها باللغة العربية في صف اللغة الانجليزية هو خطأها الوحيد رفعت صوتها بكلمة: حرام.

أجبتها بتوضيح وبنبرة هادئة تستفز اندفاعهن أحيانًا: الحرام قضاء وقت لتعلّم لغة ثم يأتي الاسم بلغة أخرى، وأظنها لم تفهم ما قلتُ من فرط قهرها.

عادت لمقعدها وانخرطت في البكاء بينما بدأتُ الدرس كمن لا يسمع ولا يرى…

في آخر يوم لهن معي، وقرابة الساعة الثالثة عصرا، طرقت خولة باب مكتبي وبلهجة مسقط رأسها سألتني عن النصف درجة بخجل..

ابتسمتُ بوداعة وقلتُ: درجتك المرصودة كاملة..

  • يعني أن المكتوب في الورقة غير حقيقي؟
  • أجل..

اتسعت عينيها ثم قالت بفرح مفرط: أقسم بأنني حفظتُ اسمي بالانجليزية ورقمي الجامعي تحسبًا لأي سؤال منكِ!

احتاج الأمر فصلًا دراسيًا كاملًا لتدرك فيه بأنني لا أمارس السُلطة لأُنزل عليها ما هوت نفسي المضطربة من عقاب بل أحببتُ أن تخرج من هذه المرحلة بأكبر قدر من الإلتزام ولو بدا لها الأمر تافهًا.

أظن -وقد يكون ظنًا خائبًا كظنون كثيرة أودعناها شخوص فشخصت ولم تُصب هدفًا قطّ- بأننا نطمئن إلى المسافات التي تفصلنا عمن نثق بهم لأننا لا نثق بأنفسنا ولم يقترب منا أحد إلا وأضرم نارًا تأكل أطراف القيمة التي نتشبث بها حتى تصبح رقيقة تُقطع من الشدّة الأولى والرجاء الأخير.

طُرق باب مكتبي، المكتب الذي تصفه حصة طالبتي المشاكسة: مِس مكتبك المفروض مكتب العميد.

أطلت أماني بملامحها الوديعة ونظراتها المتوجسة، التوجّس الذي يحملانه كتفيها علامة مميزة. أعرف أن طالبةً لم أعد أدرسها تأتي إلي بدوافع أخرى لا تشبهها حين أمتلك سُلطة “الدرجات”، دافع أكثر حساسية وإنسانية.

في منتصف الحديث المكتظ بالتعب أسيت لحالها الدموع فواستها بمشاركة لم تلبث طويلًا، حاولت أن تتماسك وتبتسم، لكنها الظروف تُحاصر زوايا ابتسامتها فتقوسها، بعد أن أنهت حديثها وأفرغت شيئًا مما تشعر، طُرق الباب ثانية.

خرجت أماني تجرّ وداعتها وكتفيها، ودخلت خولة، خولة التي بكت بسببي مرتين حين كنت أدرسهم!

  • مِس أبيك شوي.

دخلت تفرك يديها وتجول بنظرها في أركان المكتب لكنها لا تستقر إلى شيء.

سألتها السؤال القصير، أسهل الأسئلة في اللغة وأصعبها في النفس سألتها ماذا بها؟ حجم السؤال أصغر من أن تلتقطه أفئدتنا وتدفنه دون أن يلحظ أحد فوضى (ما بنا)، لكنها الحياة إن تراكمت في الفؤاد استعمرته ومنعت عنه أيادي الصادقين البيضاء.

انهار جسدها الصغير على الكرسي القريب منه، وتدافعت الشهقات في حنجرتها، لم تكن قادرة على منع البكاء، كان أقوى منها بكثير.

  • ابكي، خُذي راحتك.

بينما في الواقع كان يفصلني عن اختبار طالباتي عشر دقائق فقط.

الحيرة والوحدة شيطانيْن رجيميْن يسكنان في قلب لم يبلغ عامه العشرين بعد، الحيرة من المستقبل والشك في القدرة على المواصلة مضاف إليهما شعور بالوحدة إذ أن الغربة علقمٌ يصعب ابتلاعه مرةً وهي تبتلعه في كل دقيقة منذ عام ومضافٌ آخر لكنه ثقيل نوعًا ما، إن أقبل تمكّن وإن أدبر فروحك قد صعدت أخيرًا وتلاشى عرشه كوميض نجمة، الشوق، السيّد الذي يسكننا جميعًا باختلاف ليس له أربعين، يفتك بقلبها المغترب المحتار الشوق لوالدتها التي توفيت منذ شهر فقط.

شهر وتجلس على مقعدها الدراسي تُدوّن المحاضرات وبصرها شاخصٌ نحو فاه يتحدث دون تعب مدة ساعتين!

إن كنت تظن بأنك تعرف أحدًا فأنت لا تعرف شيئًا!!! في داخلهم مقبرة تُخفي أكثر مما تدعي معرفته في جملة مبتذلة يظن قائلها بنفسه عُمقًا وفراسةً: “في عيونك كلام”. وفي عينيك فراغ.

قضيتُ بقية يومي عاجزة عن محاصرة تساؤلاتي: ما هي الحاجة التي تدفع شخصًا أن يختار نفس الذي أبكاه يومًا ليبكي له دون أن يخجل من ضعفه؟