
كارتباط شَرطي؛ التقدم في العمر واستيعاب ما كان غير قابل للفهم. حدث قبل قليل وأنا أتناول شريحة توست بجبنة وزعتر وفي كل مرة أتذوق الزعتر أتساءل هل هو فعلا الزعتر الفلسطيني أو عبارة تسويقية فقط ولازال في الحياة زعترا ألذ وكوب شاي تفوح من بخاره رائحة أوراق النعناع وبيدي الأخرى أقلب صفحات “التكتوك” حتى بلغتُ مقطعا يقول صانعه أن والده كان يخبره أنه إن نجح فنفع النجاح من نصيبه وحده، وإن فشل فضرر فشله يقع عليه وحده. وكان على ذاكرتي أن تعود فورًا إلى الماضي لأن إلحاح والدي على نجاحي ما كان عاديا لتتخطاه ذاكرتي دون نقش، كان في وقت صفوه يحدثني عن أهمية العلم والشهادة بلغة حنونة وفي غضبه كانت كل أوامره أن أنصرف للدراسة والمذاكرة، وفي كل الأحوال كان يجد صمتي وامتثالي البارديْن ردًا على حرصه غير المبرر بالنسبة لابنته وقتها، حتى أني كنتُ أقارنه بأباء آخرين يتركون لبناتهم حرية اختيار ما يفعلن وقت فراغهن. لم يخبرني أبي أن نجاحي لنفسي رغم أن هذا ما حدث، كان يُصر ألا أفشل مع أنه يعلم يقينا أن فشلي على نفسي كما هو الحال مع النجاح، لكنه يحمي ما استطاع ابنته من احتمال الفشل وانعدام الخيارات، أذكر لما جاء قبولي الجامعي في التخصص الذي اخترته منذ طفولتي، عمل على إيجاد مقعد دراسي لي في تخصص وجامعة معروفيْن بسمعتهم الجيدة أيامها، وقابل تمسكي المستميت بتخصصي ورفضي للفرصة بتفهم أُدرك الآن كم كظم في نفسه من مخاوف عن المستقبل لخاطر “التربية الإيجابية”. ما أصعبها الأبوة حين تختار أن تزج براحتك في كيانات أخرى يفرحك ما يفرحها ويحزنك ما يحزنها ويهمك ما لا تبالي به حتى، كأنك تشد حبلا يعبرون من خلاله من فوق وادي لا يرى عتمة عمقه سواك وتراهم يتأرجحون من فوقه دون مبالاة بالوقوع، تشهدهم عينيك يخطون بأقدامهم الضعيفة تارة، ويعبرونه بأيديهم الرقيقة تارة، ويضربون عن المشي ثانين ركبهم حول الحبل ورؤسهم تتدلى إلى جوف الوادي تارة.. ويمضي العمر بينما تقف متفرجًا على أكثر مشاهد حياتك رعبًا.
يا لسوء حظ الأباء الجيدين حين يُرزَقون بأولاد لا يبصرون الحُب في ثنايا القلق.