مقالات وجدانية

1

إنها منذ مدة تختبر ما وصفه محمود درويش في قصيدته “حفيف”: “أَسبح خارج ذاتي في ضوء بلا شمس بعد غفوة تشبه الصحوة، أو بعد صحوة تشبه الغفوة”

كانت تطمح لكتابة مقالة تشرح فيها كل هذا الزحام غير المنظم في داخلها، أن تُخبر بكل الذين بدأت تعترف بهم كشخصيات اعتبارية تعيش بداخلها، حتى أن رئيستها بالعمل سألتها مرةً عمن تُشير في عبارتها: جئنا! وأجابت: أنا ومشاعري وأفكاري، أتحبين أن أعرفك على مشاعري الحاضرين معي الآن؟ شجن وعاطف وأمل وحائر ونضال أما أفكاري فشخصيات سرية يتعذّر الإفصاح عن هوياتهم. لكنها في نفس الوقت تتجنب كشف حقيقة ما تشعر به، كأنها تحمي شعورها من أي حكم قليل التقدير مما سيفاقم الخط الفاصل افتراضيا بينها وبين الآخرين والذي تجاهد منذ أعوام لأن تجعله خفيا كجرّاح تجميل ماهر يُخفف من أثر قطب جُرح في جسد مريض لكنها مرة أخرى من آلاف المرات التي خشت أن تلحق بها الأحكام إن استخدمت الضمير المنفصل “أنا” قررت أن تستريح في ظل ضمير الغائب “هي” كما يحلو لها دائما وهذا الأمر يثير الضحك لأنها ستكتب في هذه المقالة عن خوفها من أن تدركها الحياة بينما في الواقع لا تفعل شيء عدا أن تستظل بضمير الغائب.

كانت قد قرأت قبل مدة للكاتب الألماني “إيريك ريمارك” عن أن ذاكرة الإنسان تشوه القصص التي حدثت له بالفعل فمثلا تضيف على القصة دورًا بطوليا أو تمنح الشخص دور الضحية، لذا، اختار أن يحكي قصته ليحتفظ الآخر بالنسخة الصحيحة من القصة عن النسخة المُحسنة في ذاكرة الكاتب ووصف عجز الذاكرة البشرية في جملة: “ذكرياتنا ليست تحفة عاجية معروضة في متحف محكم ضد الغبار. بل حيوان يعيش ويلتهم ويهضم.. إنها كالتنين في الأساطير، تلتهم نفسها لأنها الطريق الوحيد الذي تستطيع من خلاله الاستمرار.” وهذا ما دفعها للكتابة، خوفها من أن تصبح بعد كل هذا نسخة غير واقعية من ذاتها الحقيقية أو أن يتساقط كل الذين تركوا بداخلها شعورا ويظل وجدانها يسترجع أطياف الوجع كلما هبّ نسيم أو انتشر عطر أو أرهفت مسمعها إلى صوت ثم تأبى ذاكرتها على تفسير الشعور وفي أسوأ سيناريو أن تحكي قصتها وتضطر لتلطيفها حتى لا يصفها أحد بالمبالغة أو شديدة الحساسية.

هي، تتذكر الموتى بشكل دائم، كأنهم حين غادروا الحياة دُفنوا في ذاكرتها بدلًا من المقابر، تذكرهم في صفو مزاجها وتذكرهم وسط المحافل لكنها لن تخبرك أبدًا بذلك لأنهم في ذاكرتها أحياء أكثر مما كانوا أبدا وتخشى أن تبتذلهم شفقة ولا تستطيع معها منعا. حين تسمع رأيها عن الموت تشعر بأنها أكثر الذين آمنوا بالقضاء والقدر وقد يستفزك أسلوبها حين تتكلم بمنطقية عن أكثر الأمور المبهمة في الكون، لكن قوتها مؤخرًا تتداعى بشكل متقطع كأن مشاعرها تأذن بالانهيار وكأن دفاعاتها النفسية سدّ من حضارة قديمة، فقد تصف لك بأسلوب أدبي شكل الألم الذي تشعر به حتى يتهيأ لك بأنه تجذر فيها ونمت له أفرع في صدور المنصتين لحديثها ثم تختم حديثها ساخرة كأنها تنتزع الألم من جذوره كما ينتزع فلّاح من أرضه الفاسد من النباتات المغروسة.

يتبع…

أضف تعليق