أثناء شرح مشهد هروب أوفيليا في مسرحية هاملت، توقفت دكتورة المادة وسألت: واي آر يو ذات هابي هيا؟ وأجبت من بين ثنايا ابتساماتي التي وزعتها خلال المحاضرة: آم أولويز هابي! ولعل إجابتي أصابت في طياتها دكتورة المادة بالعدوى فضحكت وقالت: قولي الحمد لله. كان العام وقتها 2009 لكنه لم يكن مشهدًا عابرًا يحدث في عام فتتركه في ذاك العام وتكبر أنت وأبطاله ويصغر هو، لا، كان مشهدًا حيْ في طيْ مشهد يوضح دوافع ما كتبه شكسبير في القرن السابع عشر من الميلاد. هل مرّك برطمان زجاج صغير يحوي مجموعة إضاءات صغيرة يضيء في العتمة بطريقة لطيفة تبعث على الابتسامة، لا هو المتكلف ولا هو الذي منع العتمة لكنه يشع أينما نظرت من خلال تلك العتمة، هذه الذكرى أشبه بهذا البرطمان المضيء في ذاكرتي خلال الأعوام وأرجو أن يحتفظ بضيائه بقدر ما كافحت صداقتي بـ”منى” رفيقة مقاعد الجامعة التي فضحت بضحكاتها سخريتنا المخبأة فيما نظن عن أبطال المسرحية لو كانوا بيننا وقتذاك – بصرف النظر عن الزمن الذي عضّ طرف ثوبه وعجّل حتى خرجت أوفيليا من مشهد مسرحية في القرن السابع عشر لشوارع القرن الواحد والعشرين-.
أتذكر المشهد من محاضرة المسرحية لأنه تحول إلى طوق نجاة في الأيام الضبابية، رغم أن ردي على معلمة المادة ما كان سوى عبارة اعتباطية أداري بها شغبي إلا أنها مع الوقت تحولت إلى نسيج يقي وجداني من زمهرير مُر الحياة إلى أن تعود مواسم الربيع..
حين يمضي عام، نعرف ذلك بتواريخ اجتهد السابقون في وضعها لنؤرشف بين درفاتها أعمارنا، فتعرف أن عامًا مضى عند كل رأس سنة، وتعرف أن عامًا مضى حين يرى الراؤون هلال العيد، وتعرفه أيضا مع كل تاريخ يرتبط بحدث لا تتجاوزه عاطفتك، وتعرف أن عامًا جديدًا بدأ في ذكرى يوم ميلادك حين قررتْ أول مرة أن تجازف بحياتك وتختنق بأكسجين الحياة.. ثم تبكي! حيث كان بكاؤك الأول هو أعذب البكاءات وأكثرها ترقبًا، أما بقية أحزانك اللاحقة لهذا البكاء ستقابلها عبارات كثيرة مثل: “خلاص كبرت”، كأنك تبكي أول مرة ثم تراقب مراحل رفض بكائك إلا أن تختصه لنفسك.
جئتُ هنا لأوثق ابتساماتي التي وزعتها اليوم، تشبه ابتساماتي تلك التي كتبت عنها أعلى المنشور، حين اقترب منتصف الليل الذي يُشير إلى خط نهاية وبداية يوم -تخيل رقم فيْصل بين يومين أحدهم يأخذ منك فرصة وآخر يمنحك إياها- تحركت ستائر الحجرة تدفعها نسمة ليل باردة وهادئة، وعلى غير عادتي في كل عيد ميلاد أشعر بهدوء وأقرر أن أقضي أول ساعتين في تأمل السماء حالكة السواد في الخارج ووضاءة في روحي بينما أستمتع بمشروب ساخن- ضحكت رغم أن لا شيء مُطلقا يحرض على الضحك لكنها دهشتي بأفكار كثيرة تتدافع عند بوابة الشعور ومشاهدًا بالكاد تتذكرها كأنها صور من ألبوم قديم حين كنت تقاوم وتحاول أن تبلغ بأطراف أناملك أطراف النجاة، لم يطرأ في تصورك على الإطلاق شكلًا آخر لشكلك القديم.. وحين كبرت وتمددت أجزاؤك وغطت التجربة هيكل دواخلك الهزيل.. ظلّت الصورة عالقة وبقي الجزء الهش مصاحبًا لكل ذكرى ميلاد كأنها لوحة يرسمها الزمن وهو كل جماهير اللوحة.
أمنياتي كثيرة وأخجل أن أطلب الله لفرط كرمه معي، ولكنني مملؤءة برجاء دائم أن يعاملني برحمته لا باجتهادي.. يا رب أعوام من الحفظ والقوة والغِنى والعطاء والحُب.. أعوام مليئة بالطمأنينة والرضا والفخر.. أعوام يصاحبني فيها اليقين وتقترن بي القوة والرحمة والسلام.

