مقالات عامة

حين خضتُ الاكتئاب عامًا

إفصاح: لكل حكاية نتيجتها ونهايتها، قد تفتح حكايات نافذة أمل لآخر لكنها نافذة مُحتملة فقط، المهم أن نحاول أن ننقذ أرواحنا من منعطفات الطريق الكثيرة، ونقاوم….

بدأت الحكاية في عام 2020م كأن العام ينقصه انتفاضة فرد فوق انتفاضاته الكثيرة، وباء عالمي، والسُكان يتساقطون في موتٍ جمعي و2020 تضعف مناعتها في شعورٍ بأنه غير مرحب بها، ومناعاتنا يخترقها فايروس، لا أنكر – بطبيعة التحول الذي سيطر على العام وكأننا نزلنا من منزلق حاد في لعبة “قطار الموت” وقضينا العام في صعود بطيء لمرفأ البداية والنهاية- أنه أصابني يأس في أيامٍ كثيرة مما يجري، وأنني استيقظت من نومي ليالٍ كثيرة أتفقد صوت تنفسي. وإضافةً إلى أنني شخصية تتجنب لمس الأشياء في الأماكن العامة، زاد الحرص أضعاف وفي تعبير من صديقة: “هيا في قمة سعادتها، كأنها ما صدقت علشان محد يقول إنها موسوسة” وقد صدقتْ فيما قالت، لكنها نسيت أن يمارس المرء مخاوفه في وسط جو آمن ليس كمن يمارس مخاوفه في جو يهدد بالموت من عدو لا يُرى، أن تتجنب ما لا تراه وتسخر من نفسك في خفاء: ماذا لو كان الفايروس يستريح على ملابسك وأن تظنه على مقبض باب السيارة. يبدو الاكتئاب وقتها جمعيًا، الجو باعث على الكآبة، والأفئدة ضيقة في كل مكان، الجو العام يخلو من الطموحات، والناس بدأت تسخر من قوائم أهدافها السنوية، الأفراح تأجلت والأفواه لا تلوك سوى التحذيرات. وقتذاك كان مستحيلًا أن يشعر المرء بالاكتئاب ويقول بأنه اكتئاب، ضاعت هويته وسط كل ذاك الزخم من الهم.

في آخر العام، ومع كل أهازيج الفرج، الأحضان بين أولئك الذين انقطع بينهم الوصل ووصلوا، الأفراح التي جاءت كثيرة من بعد أشهر من الظمأ، الإنجازات التي يُحتفى بولادتها من خاصرة الأزمة العالمية، كان يشغلني سؤال واحد فقط: لماذا كل هذا الحزن؟ بلغ الأمر أن أبكي كلما قضيتُ الليلة وحيدة، لم يكن بكاءً مُرفّهًا، كنت أشعر بأن ألمًا في صدري ضعيف البنية ويجهل نسبه، ألم تائه بلا سبب يُمكنني من احتوائه، كأنني أراه ولا أملك خيار التعامل معه، بعيد جدًا. كل القصص التي أسمعها تُثير قنواتي الدمعية رغم أنني من الأشخاص عصيي الدمع! الموسيقى، الدراما التلفزيونية والدراما الواقعية، مواقع التواصل الاجتماعي مكان عملي، كلها أشياء تثير رغبتي في الانطواء. بدأ الماضي يسيطر على حاضري، ولأول مرة في حياتي أشعر بأنني وحيدة! وضاعف الشعور دعوات اللقاء من الأصدقاء والمعارف، فكان البكاء على شعور الوحدة وعلى إدراك أنني لستُ وحيدة! أذكر أنني مرةً في بكاء قضى على طاقتي سألت نفسي: “ليش أحس أني وحيدة وأنا مو وحيدة؟” لم يكن كل هذا الألم مرئيا أو واضحًا، فكنتُ أحتفل مع المقربين بإنجازاتهم وأدير ظهري في نفس اللحظة في حزن معتم كأن أحدهم قابض على قلبي كل تلك الفترة. وبدأت تراودني أفكار معتمة عمن أحبهم، وأختلق أسبابًا لاطمأن عليهم دون أن يكون هذا الوهم همًا مضافًا لما يعانوه إثر الجائحة، وحين التقيتُ بصديقات وكنت أقصّ عليهن كيف تحولتُ لشخصية حساسة يثير بكاءها ما يثير البكاء وما لا يفعل، قالت صديقة: “عين!” في تعبير بسيط أن كل ما قصصته لا يشبه شخصيتي. جاء العام الجديد 2021م، دخول العام كان حدثًا مُرهقًا كزائر يأتي على غفلة، حملتُ هاتفي والتقطتُ صورة لمكاني الذي ما برحته وقتًا في بكاء مرير، ونويتُ أن أتطفل على الماضي في المستقبل، وتمنيت أن أكون وقتها قد تخلصتُ من أحزاني، وعرفتُ أسباب كآبتي، ولأصل لهذه النتيجة اتخذت قرارًا أن أنهي هذا البؤس، وإن كان لابد منه فسأضع له حدًا، هذا البكاء المتكرر بدأ يجهدني، والحزن يتغذى علي إلى درجة أني فكرت في أن أترك عملي.

سجلت في تطبيق “أمريكي الجنسية” للاستشارات النفسية، كان مهما بالنسبة لي ألا أتواصل مع من يتحدثون لغتي، ألا يخبرني أحدهم عن الوازع الديني وألا يكون اسمي في ذاكرته لأي سبب، كان هذا التطبيق (رغم أنه مكلف ماديا) سخيًا معي، حيث يمنح المستخدم مجالا لتغيير الطبيب إذا ما انسجمت أفكارنا، أذكر أنني قضيت أسبوعًا أبدّل الأطباء تباعًا، رغم أني كنت صادقة في كل ما قصصته لكن سؤالًا واحدًا (تافهًا في نظري) لم يستطع أحدهم من الإجابة عليه: why do I feel sorrow? كانت تأتيني الإجابة نفسها: هذا السؤال “وحدك يمكن الإجابة عليه”. وفي كل مرة أُحبط من ظهور هذه العبارة على شاشتي: لو كنت أعلم أسباب تعاستي لما تكبدت البحث للوصول إلى هنا.

وحين كانت معاناتي وأحزاني عصية على أمريكا، فكرتُ فيما لو كانت المشكلة أنني لا أعرف كيف أتعامل مع الحياة بعد كل هذه الأعوام، وكان الحل “مدرب حياة” وتكبدت مبلغا ماليًا آخر لحجز موعد مع مدربة حياة وهذه المرة كانت محلية، لأسمع ما تقترحه علي، أنا التي ما آمنت أن للحياة مدرب، أخذني الحزن المحيّر إلى هناك، لا أنسى تعبيرها عن سعادتها بمعرفتها لشخصي المكتئب وقتها وقالت آخر الجلسة: “هيا ودي أصير صديقتك، أنتِ من الأشخاص النادرين.” خرجتُ أجتر الحزن والإحباط مجددًا، وأبكي، ليس لحاجة، لأن الطريق في السيارة بات وقتًا أملأه بالبكاء، سجلتُ في دورات تدريبية عن الحياة، عن الفرح، عن تنمية الذات، تكدس سجل قوقل الخاص بي بدورات تدريبية أحضرها لأسخر من محتواها، تحولت إلى فيلسوفة وجودية، واعتزلت الخوض في الكلام مع أحد وحساباتي في مواقع التواصل الاجتماعي، أصبحتُ أخاف من أتفوه بفكرة يتبناها من يجهل دوافع أفكاري وقتذاك، خسرتُ وزنًا كلفني أيمان كثيرة بأنني لا أتبع نظامًا غذائيًا، وفي وسط كل هذا الشتات قررت ألا أخسر جسدي ونفسيتي معًا، ليخرج أحدهما سليمًا من هذه المعارك الباردة، أن أعيش العمر بانتصار واحد على الأقل إن كان لابد من الحياة.

قالت طبيبة الأسرة الطيبة: تعالي بكرة يا هيا تكون التحاليل طلعت.

وجاء بي الغد إلى باب العيادة، وفتحت حاسوبها تكتب بخفة حروف اسمي، ثم اتسعت عينيها ونظرت باتجاهي: هيا! أنتِ عارفة أن فيتامين دال منخفض انخفاض حاد جدًا عندك!!!

جاءت عبارتها بردا وسلامًا، بددت بكلماتها ظُلمات كثيرة، أسفرت عن سعادة كنتُ أتشوق أن أضمها بين أضلعي منذ ما يقارب العام: الحمد لله!!!

بعد أن أخبرتها عن سبب سعادتي بما قالته، أجبرتني على تحاليل أخرى تبين من خلالها أن فيتامين ب12 منخفض مما قد يتسبب بأفكار سوداوية للفرد، ويكثر الشرود، والكسل، وفقدان الشهية… الخ.

خانتني صحتي، وتدهورت في ظروف استثنائية واختلط الواقع العام بالشخصي، فصار جُل تفكيري في أثر الازمة على العالم ونسيتُ بأنني جزء من هذا العالم وبأن الجائحة ليست سبب كل شيء لو كانت الأسوأ.

بالنسبة لعرض مدربة الحياة بأن نكون صديقات، لم أفعل. خشيتُ على رأيها فيْ من شخصيتي بعد أن يتجاوز جسدي أوهانه.

أضف تعليق