في يوليو 2018م كتبت على منصة تويتر عن تسمية منهج منتسوري بهذا الاسم، عن دوافع المنهج وأهدافه. أترككم مع التغريدات.
الأغلبية سمع عن أسلوب “منتسوري” في التدريس لأن المدارس بدأت عندنا بتطبيقه في الأعوام القليلة المنصرمة لكن للأسف يندر تجد مدرسة تُطبق النظام بحرفية وأمانة بعيدًا عن الجانب التجاري التسويقي والمحتوى روضة أطفال عادية مع معلمات لا يجيدون استخدام وسائل منتسوري.🌹
أولا: سبب تسميته منتسوري؟ نسبةً لماريا منتسوي المولودة في سبعينيات القرن التاسع عشر في إيطاليا، ذاك الوقت كان الأوروبيين يؤمنون بأن المرأة لا يصح أن تتعلم وتعمل، بل تتزوج وتُنجب وتُدير منزلها. (مثلنا قبل كم سنة يعني) التحقت ماريا بالمدرسة الإبتدائية في روما وعمرها خمسة أعوام، كانت معظم المدارس قذرة وتُقدم طريقة تعليم باردة وغير محفزة، يعني المعلمة تقف أمام الأطفال وتُحاضر عليهم. وكانوا يركزون على إعداد ربات بيوت محترفات بتعليم البنات إتقان الأعمال المنزلية، لكن ماريا كانت طموحة وواثقة إن عقلها يستوعب أكثر مما تتعلّم بالإضافة لشغفها بالعلوم والرياضيات وعندها تصوّر للإنسان .الذي تحب أن تكونه في المستقبل؛ سابقة أوانها

بعدما كبرت، قررت تلتحق بالكلية التقنية علشان تدرس العلوم لكن الكُلية ما تقبل إلا البنين. كانت قوية وواثقة من نفسها وصارحت أبوها بعدم رغبتها بالعمل كمعلمة مثلما يطمح لها ويأمل لأنها تطمح بأن تكون مهندسة، لكن والدها عارضها بشدة وقال: معلمة يعني معلمة.

حققت ماريا البالغة٢٠عام درجات عالية في الكلية التقنية فضمنت مقعد في كلية الطب في جامعة روما وكانت نقطة تحول في تاريخ المرأة الإيطالية بشكل خاص والأوروبية بشكل عام وقتذاك؛قليلات اللاتي التحقن بالكلية وما كان متاح لهن سوى العلوم الإنسانية، اللغة الإنجليزية والتاريخ ويتخرجن معلمات. عانت ماريا من البيئة المعادية لها في الجامعة من طلاب ودكاترة، فكان البروفيسور منهم يُشدد في محاضراته على أن الإناث ذوات عقول صغيرة يستحيل عليهن التفوق في المجالات العلمية. كانت تذهب للجامعة برفقة والدها على الرغم من تحفظه حيث كان من غير اللائق لامرأة أن تسير وحدها في الشارع، بالإضافة إلى أنه غير مسموح لها بالدخول لقاعة المحاضرات إلا بعد أن يتخذ كل زملاءها الذكور مقاعدهم في الصف، وما كانوا يفوتون أي فرصة لإظهار إزدراؤهم وتحقيرهم لها علانية؛ يشغلون المقاعد علشان تظل واقفة، يضربون مقعدها من الخلف وهي جالسة ..الخ. كانت تحضر المحاضرات النظرية فقط، حيث تم منعها من صف التشريح لأنه من غير المناسب لأنثى تشريح أجزاء جسم الإنسان. فكانت تعلّم نفسها بنفسها في ساعات إضافية. في يوم بينما كانت تشرّح تقول: كنت محبطة جدا وأنا أنظر في الهيكل العظمي وأجزاء الجسم، شعرت بأن ما أحبه ليس في هذا المكان.💔
نقطة التحول: مرّة وهي طالعة من الكُلية وتفكر أنها تترك الدراسة، مرّت بحمّالين حقائب ومن بينهم لفت انتباهها طفل صغير بملابس متسخة وممزقة وبلا حذاء ورغم الفقر الذي يعيشه كان مندمج بقطعة ورق أحمر في يده وكأنه في عالم آخر غير آبه لعوزه وفقره! هذا المشهد البسيط أثار اسئلة في عقل ماريا ما كانت تجد تفسير لقدرة الطفل على التركيز رغم سوء الحال، هل هي رغبة مكبوتة في الطفل للتعلم؟ لكنها أدركت بأننا كبشر مُناطين بمهام وهي اللي تحركنا هذا الموقف ولّد دافع قوي بداخلها ورجعت للدراسة قوية، وصارت ما تتجاهل الذكور الوقحين بل ترد عليهم: كلما نبذتوني أكثر كلما أصريت على البقاء. في ١٨٩٦ تخرجت ماريا كأول طبيبة من جامعة روما، وواحدة من أوائل الطبيبات في إيطاليا❤️ بعد فترة حوّلت ماريا نشاطها وحماستها لأمر جديد وصارت مهتمة (بحقوق المرأة) حول أوروبا وتطالب بحقوقهن في الإقتراع والتصويت وعدم معاملتهن كمواطنين درجة ثانية. وعقد الإتحاد الوطني للمرأة عدة مؤتمرات في عواصم أوروبية مختلفة حيث دُعيَت النساء الرائدات للتحدث وكان من بينهم ماريا البالغة من العمر ٢٦ عاما. بعدها صارت ماريا مُحاضرة في جامعة روما وأثارت الجدل بسبب تثقيفها للنساء عن الصحة الجنسية. كما أصبحت نائب سكرتيرة لمجموعة ناشطة باسم حقوق المرأة، ودُعيت لإلقاء خطاب في مؤتمر عُقد في برلين، وكان خطاب ناجح تحدثت فيه عن حق المرأة العاملة في مساواة أجرها بأجر الرجل.كانت معروفة بطلاقة لسانها وفصاحتها وتلقائيتها في الحديث، كانت مهتمة بنفسها بجانب نشاطها في حقوق المرأة كانت أنيقة ويهمها مظهرها الخارجي. المهم صارت الصحف تتكلم عنها وعن نشاطها في سبيل المرأة، وبعدها أدركت أنها ابتعدت كثير عن مجالها وشغفها، وكتبت رسالة لأبوها: “رأيت صوري في الصحف وقرأت ما كتبوه عني، لكنني أعدك أن لا ترى صوري في الصحف بعد اليوم ولن أدع لهم مجالًا للكتابة عني وسأركز على تخصصي وعملي” عادت ماريا للعمل في عيادة الطب النفسي بجامعة روما، وكان جزء من عملها زيارة المصحات العقلية. كانت المصحات العقلية تضج بأطفال يعانون من صعوبات تعلم لكن تم تشخيصهم بالتخلف العقلي وحُكم عليهم بحياة بائسة داخل المصحات. انصعقت ماريا مما رأت:“من الضروري أن تعود هذه الكائنات البائسة إلى المجتمع الإنساني لتتخذ مكانها في العالم المتحضر وتكون مستقلة عن المتحكمين بكرامة الإنسان”💜
بدأت تكثف قراءتها عن ذوي الاحتياجات الخاصة والتعليم في محاولة لمعرفة سبب تأخر استيعاب الأطفال وبالتالي توجيه قُدراتهم بما يناسبها إيمانا منها بأن الأطفال يمتلكون أدوات نجاح. اجتمعت بنائب مدير مدرسة أطفال يُدعى مونتيسانا يراقبون ويتفاعلون مع الأطفال من الصباح للمساء. كانت تروح للنجارين وتصمم ألعاب خاصة تجذب بها حواس الأطفال وملاحظة إذا ما كان العمل المستمر المُكثّف على المُدخلات الحسية (النظر، السمع، اللمس، الشم، التذوق والتوازن) قد يغير طريقة عمل الدماغ أو على الأقل يساعد الدماغ في العمل بطريقة أفضل. هذا الأسلوب أو المنهج الجديد أحدث نتائجًا درامية، وقد تفوق الأطفال وأحرزوا تقدمًا أكثر من المتوقع منهم، بل أن ماريا شاركت ببعض الطلاب في الاختبارات الوطنية ونجحوا دون أن تُصرح بأن الأطفال كانوا في مصحات عقلية.

كانت الصاعقة الكبرى التي واجهتها بأن الأطفال لم يكونوا من ذوي الإحتياجات الخاصة،بالعكس أطفال رهيبين! كانت تفكر:إذا الأطفال اللي اشتغلت معهم ما يمتلكون(كل)القدرات التي يمتلكها الطفل السليم ومع ذلك استطاعوا فعل ما يفعله إذن ما الذي يحدث في تعليم الأطفال؟ في عام ١٩٠١ وهي تبلغ من العمر ٣٠ قررت تترك المدرسة التي عملت بها وتتفرغ لمسألة تعليم الأطفال في إيطاليا. وانكبّت على عملها ودراستها، حصلت على الدكتوراه في علم الإنسان خلال ٣ أعوام، ودرست مراحل نمو الطفل. ١٩٠٦ جاءتها فرصة لعرض نظرياتها في التعليم للإختبار. حصلت ماريا على فرصة انضمام لمشروع اجتماعي لإعادة بناء مساكن الفقراء في أحد الأحياء الفقيرة في سان لورينزو في روما، والذي تسبب الأطفال المشردين بتشويهه؛ مثل العشوائيات يعني أطفال ضائعين يباتون في أي منزل مهجور.
المهم تولّت ماريا أمر الأطفال وأشرفت على المشروع وأطلقت عليه اسم “منزل الأطفال” وباشرت بتطبيق نظرياتها التي بدأتها مع أطفال المصحات العقلية، وتطورت بشكل أكبر بفضل الملاحظة والدراسة. صممت ماريا المدرسة بشكل مختلف ((تماما)) عن المدارس العادية في روما، ولاحظت إن الأطفال يتعلمون بطريقة مختلفة وهي التلقائية في فضول الإكتشاف والمعرفة، الطفل نفسه يبحث عن السبيل للمعرفة 👏🏼 واستنتجت أن أنجع وسيلة لتعليم الطفل إعطاءه الفرصة لتركيز انتباهه على الشيء بدلًا من تلقينه.


لاحظت ماريا أيضًا -وكانت تلاحظ وتدوّن- أن الأطفال المشاغبين كثيري الحركة ازدهر تعليمهم الذي يعتمد على مبدأ العمل من أجل العمل (ما في بالهم يتعلمون مع ذلك اكتسبوا المعرفة) وكانوا ينخرطون في مهامهم بالكامل. مرة وهي جالسة مع الأطفال لاحظت طفلة مندمجة في نشاط حاولت أنها تشتت انتباهها ما قدرت، طلبت من الأطفال يرفعون أصواتهم ما نفع، قررت تحمل الطفلة من على الكرسي لكن الطفلة ظلّت تقاوم بالعمل وماريا تبعدها! أيضا لاحظت أن الأطفال عندهم حب فطري لترتيب المجسمات:من الأصغر للأكبر، الأطول للأقصر..الخ فخرجت بنتيجة أن الطفل إذا تعوّد على مكان الأشياء سيُعيد كل غرض إلى مكانه؛ يعني الطفل مفطور على الترتيب إلا إذا كانوا أهله فوضويين وأماكن الأشياء تتغير بشكل مستمر في بيتهم.
فكرة منتسوري قائمة على تطبيع الطفل. أي تعليم الطفل قوانين المكان مثل: خلع الحذاء أولا ثم الجورب، رفع الحذاء إلى دولاب الأحذية (لحذاء طفلك مكان محدد هو يختاره) ثم وضع الجورب في سلة الغسيل. ممنوع يقدم خطوة أو يأخر خطوة كل شيء بحاذفيره. التطبيع يستلزم قيام أفراد الأسرة كافة بنفس الترتيب، في المدارس التي تستخدم نظام منتسوري مثلا يعلمون الطفل كيف يلف سُجاد اللعب (سُجاد صغير يُمثل الحيّز المسموح للطفل باللعب فيه) ويعلمونه كيف يفرشها وكيف يشيلها، بنفس هالطريقة بالضبط بكل حركة. أيضا لاحظت أن الأطفال عندهم حس عالٍ بالمسؤولية اتجاه المجتمع، كان كل طفل ينتهي من نشاط يُعيده إلى مكانه بالضبط. علّمتهم ماريا خطوات بسيطة في النظافة الشخصية مثل: كيف يستخدمون المنديل لتنظيف الأنف. يجلس الطفل أمامها وببُطء تسحب منديل إلى فقرة رمي المنديل في القمامة. من الأشياء التي لاحظتها أيضًا، أن الشعور بالكرامة مرتفع لدى الأطفال لذلك منعت استخدام الكلمات السلبية: خطأ، لا، ما تعرف.. الخ. كان الطفل إذا أخطأ في النشاط تجلس بجانبه وتقول: ما رأيك أن أُريَك النشاط مرة أخرى؟ ثم تقوم هي بالنشاط والطفل يراقبها بصمت.
فيه يوم حدث أمر أذهل ماريا منتسوري، وهو أن الأطفال كانوا يحاولوا يقرأون بدون أي تدخل منها، فأدركت أنه عمر مناسب لتعليمهم الأصوات واخترعت حروف الصنفرة، Sand Paper Letters


هذا صندوق بناء الكلمات الحروف صغيرة لأن الطفل يتعلم الأصوات وليس حروف اللغة. بعد ما يتقن كل الأصوات يبدأ يبني كلمات بهذا الصندوق. دائما المرة الأولى للمعلمة وبصمت بس الطفل يلاحظ. حققت مدرسة بيت الأطفال نجاح باهر وذاع صيتها، صار يجيها زوار أباء ومعلمين ودكاترة لاكتشاب المعجزة بأنفسهم. في ١٩٠٩ نشرت ماريا منتسوري كتاب منهج منتسوري وافتتحت مركز تدريب معلمات منتسوري. وصارت ماريا حديث العالم الأكاديمي مرة ثانية وكانت بداية ثورة تعليمية جديدة

أسست لها حياة مع ابنها ماريو وسخرت وقتها لمنهج المنتسوري،كان عمرها ٤٢، تتنقل بين عواصم أوروبا تنشر منهجها تمت ترجمة كتابها للغة الانجليزية في نفس العام ١٩١٢ الهند واليابان كانوا يرسلون معلمين لأكادميتها في إيطاليا يتدربون. ١٩١٣ اُفتتحت عدة مدارس منتسوري في أرجاء الولايات المتحدة واحدة من المدارس أُسست في البيت الأبيض من أجل ابنة الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون. ١٩١٤ اندلعت الحرب العالمية الأولى، ورغم ذلك ما أثرت على انتشار منهج المنتسوري وتطوره. بالعكس كانت مصرة بأن هناك صلة بين التعليم والسِلم. “يا رفاقي، آن الأوان لنعمل من أجل السلام والإنسانية في خضم أكثر الحروب اللا إنسانية، لنُوجِّه أبصارنا نحو الطفل الصغير ففي المستقبل فقط يكمن الأمل” استجاب العالم لنداءها حول القارات، أُقيمت المدارس في فرنسا وبلجيكا بالرغم من الصراعات السياسية.

حتى ماريا منتسوري تجاهلت الحرب وسافرت إلى هولندا وأسبانيا والولايات المتحدة تُحاضر عن أهمية تعليم الطفل في بناء مجتمع يرفض العنف والحرب. تم الإشادة بها والثناء عليها من قبل مؤثرين مثل: توماس أديسون: مخترع ورجل أعمال أمريكي بيرتراند راسل: عالم منطق ومؤرخ وناقد اجتماعي بريطاني. وسيغموند فرويد: مؤسس علم النفس التحليلي. الذي قال عنها عام ١٩١٧: كشخص يتعامل مع الأبحاث والدراسات النفسية للطفل أُعرب عن عميق تعاطفي مع جهودك المبذولة في تحسين أساليب تعليم الأطفال والتي تشي في نفس الوقت بشغف واضح لفهم الإنسان. مع نهاية الحرب العالمية الأولى عادت ماريا منتسوري لإيطاليا للسير في طريق أكثر رجال إيطاليا طموحًا وقتها، زعيم الحزب الفاشي الإيطالي موسوليني، كان سياسيا شعبيًا طموحًا. تقلد منصب رئيس الوزراء عام ١٩٢٢ فطلب تقارير عاجلة عن مدارس المونتسوري، رأى معجزة القراءة بواسطة أطفال تمهيدي. كان منبهر بانضباط الطُلاب وبراعتهم في مختلف المجالات، فوضع رؤية وطنية تعتمد عليهم. – تم صرف منح مالية لمدارس المنتسوري. – إنشاء دورة تدريبية سنوية لإعداد معلمات منتسوري. – خصص مصنع لإنتاج المواد اللازمة للمدارس. مع تأييد ماريا منتسوري ازدهرت حركة منتسوري في أرجاء إيطاليا.
في عام ١٩٣١ كانت منتسوري في زيارة إلى لندن لتقديمها إلى البلاط الملكي في قصر باكنغهام،واكتشفت بالصدفة أن غاندي زعيم استقلال الهند هناك أيضًا وتقابلا حياها: نحن ننتمي إلى نفس العائلة. ردت: أحمل لك معي تحايا الأطفال من كل مكان. منهج غاندي في الحياة يتفق مع هدف منتسوري في التعليم من حيث الوحدة المجتمعية والعمل على الأطفال في كل الثقافات. أُعجب غاندي بمنهج منتسوري ورأى فيه نافذة لتعليم الأطفال الفقراء في الهند كما تبرع بإلقاء خطاب في إحدى المدارس بلندن إذ قال: “… إن من أعظم دروس التواضع في الحياة استخلاص العلم لا من الكبار المتعلمين إنما من الأطفال الجاهلين” خطابه ألهم وحفّز منتسوري التي كانت مستقرة في امستردام وقتذاك.
نختم المقالة بمقولة منتسوري: “لقد أنفقت عُمري كاملًا أبحث عن الحقيقة من خلال دراسة الأطفال والطبيعة البشرية في أصلها في الغرب والشرق، اليوم أكمل ٤٠ عامًا منذ بدأت ذلك ولا يزال الأطفال مصدرًا للأمل لا ينضب، كما كشفت لي الطفولة أن البشرية واحدة“


