
راودتني فكرة أن أكتب تقرير عن هذه الأيام التي تعبر الزمن بينما نحن محتجزين في منازلنا، منازلنا التي ولأول مرة نختبر الشبه بيننا وبينها، ولأول مرة نشعر أن أجسادنا عالقة على أرائك لا تناسبها! كنتُ أحاول أن أنتهي من كتابة تقرير الأسبوع الرابع من العمل عن بُعد وأتساءل إن كنا قادرين على إنجاز كل هذا وأطراف المعنيين مترامية فعلام تغص مدينتنا الترابية بمبانٍ خرسانية أكثر مما تفعل شجرة.
حظيتُ بأسبوع عمل ميداني وشهدتُ مدينتي المكتظة دائمًا وهي تودع أولادها تدريجيًا، تذكرتُ فكرةً ألقيتها قبل عامين في أذن فنانة تشكيلية، فكرة كانت تراود خاطري وتؤلمه بشكل غامض، بأن ترسم المدينة خالية، أن ترسم لوحات الدكاكين ومواقفها برمادية، وأن تترك لوحة صفراء لدكان قديم صغير، صار هذا الدكان القديم أغلى ثمنًا من أغلى علامة تجارية وبات الشعور الغامض واضحًا، يرسم بخناجره على سور محبتك لأرضك، ولا يكتفي بحدود مدينتك، يسحب على بساط الخوف شُرفتك التي وقفتَ بها طويلًا في مدينة أخرى من مدن أرضك، وتتذكر سواحلها التي يغطيها البحر مدًا وجزرًا كأنما يمتد إلى فؤادك ويصيب بملوحته شؤونًا داخلية.
انتهي اسبوعي بقرار جمعتُ فيه كل أوراقي وملفاتي التي لا تزال تحت الاجراء، كان باب مكتب مديرتي مفتوحًا، لوحتُ له مودعة وسألتُ إن ما كانت تحتاج لأي شيء، لكنها أجابت: الله يعين! من الغريب أن نُجبر على فعل كهذا وتراودنا رغبة في عدم التنفيذ كنوع من إنكار الحدث أو تفاؤل.. ربما! وأنا التي قبل فرض الحظر كنتُ أنوي التقديم على إجازة سنوية! ما أن اشتكت أرضي ألمًا حتى صار التوقف عن العمل فيها مؤلمًا! كأن تربتها التي فينا اشتكت وتألمت! كنتُ أتأمل بهو الخروج خاوٍ على عروشهِ، نحن الوباء الذي يجب أن ينحسر حتى لا تفقد الأرض كل إمكانيات العيش فيها، نحن الوباء الذي حمل حقائبه واختفى من على السطح!
تحكي لي زميلتي عن شكل الحياة في سن التقاعد، وأخبرها عن شكل الحياة الحقيقي الذي نفر منه صباحًا إلى العمل ومساءً بالنوم، وأعلم بيقين عن أشكال كثيرة للحياة تراود رؤسًا أخرى متأملة، غابت الظروف التي غيّبت معظمنا عن أهله ليكتشف بأنهم أغراب من البداية وعليه أن يألف العيش معهم كأنه ما أمضى أعوامًا يفعل ذلك بطريقة آلية. مؤسف، أن تضطر لمواجهة واقعك الذي جاملتَ فيه عمرك القصير، وإن فكرتَ للهرب منه سيقتلك ميكروب لا يُرى. لا يمكن أن تختار هذه المواجهة لو لم يجبرك عليه جُرح ينزف في أرضك، شفاؤه في أن تضمد جراح حياتك التي ما انفكت تنزف بعد كل مرة تُنكأ من مكان تخثرها!
أستريح في غرفتي التي أحبها وأشرع نوافذها المُطلة على فناء السطح لتستريح نسائم الليل الكئيب بالداخل، أحسبُ ميزانية مشروع، أكتب تقرير، وأتصفح البريد الالكتروني، أرسل رسائلًا تخص العمل في وقت متأخر من اليوم أو مبكر، لكنه وقت يقع بين شدة الوقوع في النوم وبين اقتراب ساعة العمل، واتساءل عن التوقيت السيئ! وأتذكر كلامًا قرأته على إحدى منصات التواصل الاجتماعي عن زوجين قطعا أميالًا لأسبوعين عسل، ووقعا في الحظر ليكتشفا بعضهما كَرهًا! أنعتبره أسوأ توقيت لأن المعرفة جاءت في غير مكانها، أم يُعد توقيت جيد يختصر أعوام التجاهل التي يعيش تحت وطأة زوالها آخرين! ثم نقول عن ميكروب بأنه وباء! يبدو أننا مصنع أوبئة خاملة تفاعلت مع بعضها حين أعلنت الأرض أنها ما عادت قادرة على حضانة كل هذه الميكروبات.