مقالات وجدانية

عابر رصيف

هل أنت من الذين يطرأ في أذهانهم تساؤل: لماذا أبدو بالتبسّط الذي يجعل غريبًا يفشي لي سرًا؟ أنا فعلت.. مرارًا.

كان شيخًا من السودان الشقيق، يقف بمسافة عني بينما أنتظر السائق أن يصل إلى نقطة وقوفي، قال: أنا والله شهدت معنى دعاء المظلوم ليس بينه وبين الله حجاب.

نظرتُ إليه وعلى ملامحي تبدو علامة استفهام.. أكمل: تعرفين.. اسمك الكريم بالله عليكِ لأجل المخاطبة فقط.

ثم أكمل: تآمر عليّ مجموعة من باكستانيين مقيمين في عملي السابق، كنتُ أسمعهم بينما يُفرغون أكاذيبهم في آذان الجميع، لم يكن الأذى الذي لحق طردي من عملي نفسيًا فقط، طال استقرار عائلتي وتكاليف دراسة أولادي في جامعة الخرطوم.. كنت أصلي وأدعو عليهم تباعًا، كلنا نؤمن بعدالة المساءلة في الآخرة لكنني كنت أطمع بأن تشهد عيني عقابهم في الدنيا. تصدقين؟ الأول: أصيب بمرض تآكلت معه عظامه ويرقد حاليا في المستشفى.. أما الثاني فأكل الهم عقله، يُخبرني البعض بأنه صار موهومًا.. تعرفين معنى موهوم؟ يعني يتخيل أشياء غير موجودة وأحداث لم تحدث..

مرّت سيارة يقودها راكب أقرع الرأس، قمحي اللون.. برزت عينا محدثي وراح يهرول خلف السيارة ويلوح بيده القابضة على هاتفه المحمول علّ الراكب أن يراه.. ثم عاد إلى حيث المسافة الفاصلة بيننا وهو يلهث.. نظر باتجاه السيارة ثم رفع رأسه وابتسم مذهولا.. قال: هذا مسعود.. كان زميلي، لما يقارب ثلاثين شهرًا لم أسمع عنه ولم أره! ثم ألتقيه اليوم بينما أحكي لكِ قصتي معهم! الحياة هذه…

لم يكمل جملته، ردّ على هاتفه بسرعة وغيرت كلماته وجهتها إلى مسعود: أين شعرك يا مسعود؟ آه مبارك لك العُمرة والعقبى لنا.. كيف حال أكرم؟ لا حول ولا قوة إلا بالله، لماذا لا يعود إلى باكستان كي يموت بين أولاده؟ مال؟ ماذا يريد كهل تجاوز السبعين ومريض بمرض عضال  وأولاده كلهم أصحاب رؤوس أموال وبناته تزوجن بالمال؟

غاب صوته بينما ترجلتُ سيارتي.. فتحتً نافذتها ولوحتً له أن إلى اللقاء.. أجل من الممكن أن يكون إلى لقاءٍ.. ألم يلتقي هو بزميله بعد عامين وستة أشهر؟

مضت بي سيارتي إلى المنزل وأنا أقطع طرقاتها أفكر بهذا الشيخ الذي ما بردت نيران قهره حتى بعد أن شهد العقوبة بنفسه، كان يعتقد بأن العدالة نزلت كاملة، لكنه ما لبث أن أفصح عن حقده وهو متأكد بأن أكرم سيموت قريبًا.. كأن العدالة ستكتمل إذا مات أكرم.

وأي شكل من أشكال العقاب التي نحب أن تنزل على دماغ ظالمينا؟ في الحقيقة، لا أجد الموت عقابًا هو المصير المحقق، هل يعني بأن جميع الذي ماتوا معاقبون؟ بالتأكيد لا، لا طمأنينة تعادل طمأنينة الجسد المُسجّى في سكينة كأنه أخيرًا لمس الأرض التي خرج منها وتكون من ترابها وصار ثابتًا، كلما تفاقم شعوره بالجاذبية داخل تلك الحفرة العميقة المسماة قبر تفاقمت طمأنينة الروح، كأن الأرض بقطريها تحتضنه بدفء تاريخها في المجرة، كأنه أخيرًا يلقى ما أفنى سنينًا عجاف ينتظره ويتأهب لاستقباله، ثم أنه يعود إلى أصله، هذا العود الأبدي الذي نسي ميلان كونديرا أن يخبرنا عنه.

رأي واحد حول “عابر رصيف”

أضف تعليق