رائحة الحنين لا تنتشر عبثًا، تنفض الذكرى وشاحه وينشر رائحته.. هذا المساء كانت فيه شادية تشدو على إحدى القنوات.. وتُقر بشجن “دا القلب يحب مرة.. ما يحبش مرتين..” شادية رفيقتي في أول عام جامعي.. أقطع الطريق في سيارة مشتركة مع ابنة عمي وثلاث أخريات من تخصصات مختلفة صيّرنا الوقت صديقات جيدات.
أماني تجلس بجانب النافذة وتمسك هاتفها النقال”الكشاف” أمامها في انتظار مكالمة والدتها وتضع أوراق الملزمة على ركبتيها وتهز ظهرها أمام وخلف ثم تغمض جفنيها وترفع رأسها تختبر ذاكرتها الدراسية. أما أحلام تجلس في المقعد الخلفي وتقضي الطريق تتأمل السيارات من خلف زجاج سيارتنا المعتم.. سحر تنحاز للمنتصف.. بيني وبين أماني تغطي وجهها وتغط في نوم عميق فإذا مال رأسها جهة اليسار يسنده كتف أماني وإذا مال جهة اليمين كان له كتفي.. وابنة عمي التي كانت تستغل هذا الطريق في مراجعة الدروس.. تنقذني باسئلتها وأنقذها باسئلتي وندلف إلى القاعة سوية لنواجه نفس الاسئلة ونجيب بنفس الاجابات ونحصل على درجات متطابقة.
فاروق باكستاني الجنسية قائد مركبتنا، بهيئة مُهيبة لكنه بقلب هشّ اكتشفناه حين انهارت أماني باكية لأننا تأخرنا عن الوصول وقد يفوتها امتحان مادة الشِعر مع البروفيسورة نوال.. كنا نهز فؤاد أماني على ركبتيْ الأمل والحِلم كما تهز ملازمها.. وقتها كانت جامعة الأميرة نورة لا تزال كُليات الرياض للبنات وفي موقع جغرافي مزدحم، أذكر حين ضرب فاروق بقبضته على مقود السيارة وصاح: فاروق غبي! وسط دهشتنا جميعًا ضحكت سحر أكثرنا شغبًا وضحكت أماني ولحقناهما.. نضحك بصوت جهور ونُسرّ القلق!
كانت لنا نقطة تجمع تسبق وصول فاروق بدقيقتين أو خمس في أقصى مدة تأخير قد يصلها، إلا في ظهيرة أحد الأيام الحارة التي تعطلت فيها مركبتنا وأمرنا بأن نتوجه إلى سيارة “تاج” وهو سيتكفل بوصف منازلنا له، كانت سيارة تاج تمتلئ بالبنات وزدناهم خمسة.. يعتلينا الحرج وقد حشرنا أجسادنا في ثلاثة مقاعد، كانت البنات لا يتوانين من إظهار استيائهن أما نحن فقضينا المشوار نتحدث بالأعين فقط من باب يا غريب كن أديب! حتى كشفت سحر عن مشاعرها قائلة: الله يعينكم يا بنات زحمة، احنا بس خمس بنات. ما استفزهن للتعبير.
كان لمجمع ركا الكائن بطريق الملك عبد الله نصيب من أيامنا الوردية التي يكون بمقدورنا فيها أن نتشارك وجبة غداء من مطعم شهير، يقف فاروق بالسيارة بعيدًا عن المجمع حتى لا يتطفل أحد على سيارة تعج بالبنات.. يُحضر لنا ما نطلب ويكون له نصيب يشاركنا لذة الأكل.. نتقاسم الأكل حتى نتذوق أشكالًا مختلفة من الوجبات.. ما إن نفرغ من الأكل حتى نبدأ بلعبة الاسماء.. كل واحدة منا تأتي باسم يبدأ بما انتهى الاسم السابق من حرف..
الأيام جعلت أماني المتحفظة تضحك بصوت عالٍ حتى تدمع عينيها، وأحلام الشاردة تشاركنا أفكارًا ظريفة تنسج منها سحر نكتة.. صرن “بنات المشوار” الملجأ المناسب لحلّ الازمات المادية والمعنوية.. وترك الطريق في ذاكرتنا الوجدانية مواقفًا نحتفظ بها لأيام مثل هذه.. اسألهن: هل القلب يحب مرة فقط فعلا؟
وتجيب سحر بثقة تفتقر إلى التجربة: لا. أما أحلام فتُسهب بإجابات طويلة لا تنتهي بحسم واضح بل تتركك دائمًا بين احتمال الموافقة والرفض. كانت شادية ترافقني ساعة الصبح الأولى قبل أن يصل فاروق إلى دارنا فأرسل رسالة إلى ابنة عمي بأن فاروق وصلني فتترقب وصولنا. بالنسبة لامتحان مادة الشِعر.. كان من حُسن حظ أماني أن الازدحام عرقل برفيسورة نوال كذلك.
استمتعت 💛