
لطالما وددتُ أن أوثق حصيلة معرفتي من القراءة في مدونتي، أولًا كمرجع لذاكرتي الإنتقائية وثانيًا كوسيلة أسرع لكل الذين يغريهم الإطلاع على ذائقة غيرهم كما يفعل فضولي أحيانًا. هذا العام قررتُ أن أدونهم رغمًا عن عذري الشهير ما أكثر ما أود تدوينه وما أقصر الوقت. سأبدأ بذكرهم عشوائيًا، الترتيب لا يفيد الأفضلية.

رواية لا تقولي أنك خائفة – حاز من خلالها الكاتب الإيطالي جوزبه كاتو تسيلا على جوائز أدبية عديدة من بينها جائزة “كارلو ليفي” أهم جائزة للأدباء الشباب في إيطاليا. ترجمة عربية بواسطة معاوية عبد المجيد. الرواية مقتبسة من قصة العداءة الصومالية سامية عمر، مكتوبة على لسان بطلتها، تحكي قصة كفاحها في بلد متمسك بالأعراف الاجتماعية ويعتبر المرأة مواطن من الدرجة الثانية آنذاك فضلًا عن نشوء جماعات الأخوان والضغوط التي مورست على الجميع من قِبلهم، ثم تنتقل الرواية لتصف خمسة أشهر في ظروف قاسية ومجهولة وهجرة ولجوء وعبور البحر المتوسط، في توصيف حميم لمشاعر البطلة والتي بلا أدنى شك تشبه مشاعر كثيرين من المهاجرين اللاجئين المشهودين في أعوامنا المنصرمة.
تحذير مغري: لا تبحث عن البطلة في محركات البحث حتى لا تحترق الحبكة.. ولو أن هكذا تحذير تعيس بالنسبة لحياة حقيقية لكن وجب التنويه.
“لا تقولي إنك خائفة، أبدًا، وإلا فإن ما تخافينه، سيتعاظم حتى يهزمك.”

رواية موت صغير للكاتب السعودي محمد حسن علوان، حاز من خلاله الكاتب على جائزة البوكر الدولية للةرواية العربية عام 2017، بصراحة أدهشني الكاتب في هذا العمل ونقل أسلوبه إلى مستوى عالي جدًا، تحكي الرواية عن الشيخ ابن عربي ورحلة بحثه عن أوتاده في أرجاء جزيرة العرب، لعل ما يميز العمل الطرح السلس العذب لحياة المتصوف والذي -شخصيًا- يدخل ضمن اهتماماتي وعلاقة رموز المذهب ببعض وتقاطع الأحداث والشخوص مع المحافظة على عنصر التشويق. من أكثر الروايات التي قرأتها هذا العام تشويقًا وحافظت على انتباهي حتى آخر صفحة.
“الحب.. موت صغير”

الحياة سياسة، كيف يغير بسطاء الناس الشرق الأوسط لعالم الاجتماع الإيراني آصف بيّات. لهذا الكتاب مكانة خاصة في نفسي رغم أنه ليس بالمستوى الذي أملته. الكتاب عبارة عن مقالات نظرية ووصفية للحركات الاجتماعية في الشرق الأوسط ونقد للنظريات الأوروبية باعتبار أن العالم الإسلامي يعيش وضع استاتيكي بخلاف الدول الأخرى ذات الوضع الديناميكي، المقالات مكتوبة منذ عام 2000 وتم التعديل على الكتاب لزيادة ثورة الربيع العربي والحركة الخضراء في إيران. كشخص متابع لآصف بيات لم أجد جديد في الكتاب عبارة عن تكرار لما كتبه سابقًا في الاسلام والديمقراطية وفي المقابلات التلفزيونية من التنظير حول ظهور المابعد اسلاموية وتعريفها، تراجع الخطاب الايدلوجي وفشل الاسلام السياسي. في حال قرأت لآصف بيات لا أجد أن هذا الكتاب يُضيف لما سبق. الكتاب يناسب المهتمين بعلم الاجتماع السياسي.
“ومن هنا نجد أن الشرطة والثوار كانوا يقاتلون من أجل الاستيلاء على على هذه الفضاءات الحضرية، كما لو كان مصير الثورة يعتمد على من يسبق إلى احتلالها.”

النظارة السوداء للكاتب المصري الشهير إحسان عبد القدوس من السهل توصيف رواية كُتبت بواسطة إحسان عبد القدوس كاتب المرأة، لكن من الصعب شرح كيف بلغ إحسان من الإحساس بالآخر ليكتب بسلاسة وكأنها يحمل فؤاد امرأة. الكتاب يحوي قصتين، الأولى: النظارة السوداء، قصة امرأة فولاذية لا تتحرك مشاعرها ولا تدري معنى الشعور بالأشياء، وحين تفعل تصل إلى حقيقة أن حياتها السابقة بلا شعور تُعد أكثر سِلمًا وسكينة منها وهي تتقد بالعواطف. القصة الثانية: راقصة في إجازة، يصف لك كم من المندهش أن نحب شخصًا يختلف عنا. في كلا القصتين ينتصر إحسان عبد القدوس لذكرويته ولتقاليد المجتمع، مهما تحذلق الكاتب ليضع نفسه في إطار المثقف الذي يساوي نصف المجتمع به إلا أنه يرضخ لعاداته وتقاليده ويوقع عقابه على بطلة القصة الخارجة عن العُرف. كقارئة لإحسان عبد القدوس ما وجدت في هذا الكتاب متعة كغيره.
“هذه المبادئ.. وهذه المثل العليا.. هل وضعت لتكون نظما مقررة، ترتب حياة كل إنسان وتحدد تصرفاته وتحكم قلبه وعقله؟ لا.. إنها وضعت لاستعمالها وقت الحاجة فقط، فإن لم نحتج إليها فلا نؤمن بها ولا نستعملها.. إنها العصا التي يستند إليها الضعيف، أما القوي فليس في حاجة إلى عصا ليستند عليها.. إننه يقف على قدميه متحديا، بلا مبادئ وبلا مثل عليا.”

من شرفة ابن رشد للكاتب المغربي عبد الفتاح كليطيو، يفتح منافذ على نصوص عالمية مشهورة ويعيد قراءتها، يسلط الضوء على مناطق جديدة في صياغة المحتوى ويحكي مختزلا صراع اللغة العربية مع بقية اللغات في صفحات لا تتجاوز 80 صفحة. ممتع جدًا.
“الترجمة هي غزو أرض أجنبية، وطرد ساكنيها وإخضاعهم، وامتلاك خيراتهم وكنوزهم.”

حيونة الإنسان لممدوح عدوان، لو مشروعًا لنا التصويت بمنهجة كتاب يُدرس لاخترت هذا الكتاب، لأنك في كل صفحة ستقرأها ستُسقطها لا محالة على كل ما يدور حولك، تتكشف لك إلى أي مدى سيئة النفس في حال حاضنها تيار معين أو تم توظيفها لتحقيق أهداف معينة، بكل بساطة تستجيب كأن بداخل كل إنسان وحش راقد ينتظر من يلكزه فقط ليستيقظ ويحل بغضبه وينشر نفوذه واستبداده، كيف من الممكن لإنسان أن يستخدم إنسان آخر ليتفنن في تعذيب ثالث! الخيط الرفيع الفاصل بين كونك الضحية وبين تحولك إلى نسخة من جلادك. في نهاية الكتاب ستتساءل عن هويتك، عن علاقتك بالآخرين، عن مدى الإنسانية فيك.. هل أنت فعلا إنسان حقيقي أم إنسان لم تتسنى له الفرصة ليمارس حيونته؟ طبعًا كلنا مسيطرين على أنفسنا (نظريًا) المحك في اختبار الحياة لنا حين تكون السلطة والقوة في أيدينا.
ملاحظة: الكاتب مُلحد لذلك الكتاب يحتوي بعض التجاوزات من خلال اقتباسه لآيات قرآنية وتعليقه عليها.
“تاريخ الانسان المقموع وهو الغالبية العظمي من البشر. هو تاريخ الإنسان المتحول إلي شئ آخر غير الإنسان. هو تاريخ تشويه الإنسان وتزويره.”

هكذا كانت الوحدة للكاتب خوان خوسيه ميّاس، لا يمكن أن أنسى الإحساس الذي غشاني مع انتهاء الكتاب، كأن نافذة كبيرة واسعة مُطلة على منظر طبيعي بديع في روحي! كان في نفسي كثيرًا لو أن البطلة إلينا أمامي لأعانقها بفرح كثيرًا.. زوجة وأم تجد نفسها وحيدة نتيجة للرتابة بعد أعوام أذابت الحُب بينها وبين زوجها، ينمو في داخلها ورم تعتقد بأنه يقتلها، فتقرر أن توظف محققًا ليراقب زوجها، لكن المآساة بدأت حين أسعدها تقرير المحقق بأن زوجها يخونها وكأنها تذكرة راحة لضميرها الذي ما انفك يؤنبها من أجل زوج خائن.. المشكلة لم تعد في الزوج المشكلة في ألين التي تعيش مع الورم يومًا بعد يوم. تنتهي الرواية نهاية كمن يشهق هواءً بعد أن قسرًا ظل رأسه تحت الماء لدقيقة.
“الوحدة كانت هذا: أن تجد نفسك فجأة في العالم كما لو أنك قد انتهيت لتوك من المجئ من كوكب آخر لا تعرف لماذا طردت منه”

رواية من الظل لنفس الكاتب أعلاه، خوان خوسيه مياس، على عكس إلينا التي تعيش الوحدة بتعاسة، على داميان البطل، الابن البار لأب غير مثالي وأخ طيّب لاخت متبناه من جنسية مختلفة.. بار بتهكم وسخرية يبسط عيوب أن تكون فردًا صالحًا في عائلة لكنك لست بالصلاح الذي يُظن فيك. الرواية تنهج الاستبطان النفسي؛ يعني الوعي بالأفكار وإدراكها، “من الظل” أي الوعي فينا، الأحاديث المشتهاة التي نقولها في داخلنا ولا نفصح بها، الأفكار الغريبة التي تدور في خلجنا ولا نجرؤ على الإفصاح عنها. يحدث لدميان موقف في بداية يومه يغير حياته العادية ليعيش وحيدًا في خزانة سيدة متزوجة وأم لبنت. يتحدث إلينا من منصته الجديدة “الخزانة” وحيدًا يتخيل حوارًا يدور بينه وبين مذيع برنامج شهير في محطة مهمة.
“وما من حرية أكبر من غياب الخوف”

كتاب مذكراتي في سجن النساء للكاتبة الثوروية اليسارية نوال سعداوي، بغض النظر عن توجه الكاتبة الفكري أحبها وأحب كل مناضلات جيلها لذلك قد يكون حكمي على الكتاب يخالطه شيء من الذاتية، الكتاب يرصد أحداث اعتقال الكاتبة مع 13 كاتبة أخريات من مختلف التيارات الفكرية، تدون الكاتبة بعض من الأحداث والمواقف التي جرت عليهن في سجن القناطر الخيرية عام 81، الكتاب لا يشبه أدب السجون المتعود عليه في السجينة والقوقعة وتذكرة ذهاب وإياب… الخ بل بالعكس المشاكل والعقبات وأساليب التعذيب تعد رفاهية بالنسبة للمعتقلات. شخصيًا استمتعت جدًا بالكتاب خصوصا بالمواقف بين المعتقلات كأني أتعرف على شخصيات لا أعرف عنهن سوى سطرين في ويكبديا.. متعة!.
“لن نموت، وإذا متنا لن نموت ساكتات، لن نمضي في الليل دون ضجة، لابد أن نغضب ونغضب، نضرب الأرض ونرج الأرض، لن نموت دون ثورة.”
وبهذا أكون قد رصدت أهم حصيلتي من الكتب في عام 2018م واستثنيت إدراج كتب الخواطر الوجدانية والنصوص القصيرة لرأي يخصني بشأن قيمتها الأدبية لا تقييما لمحتواها. وإن شاء الله الكتب القادمة أرصدها أولًا بأول. إن كنت قد بلغت سطري هذا فشكرًا جزيلًا لثقتك واهتمامك.. وأرجو لك عام حافل بالقراءات الماتعة.