هل يمكن أن يموت المرء مختنقًا بنفسه؟ أن يحبس أنفاسه ليبكي وتمضي الدقائق عند باب العين.. الحشد يتدافع والعين أصغر من أن تسمح لهم بالعبور مرة واحدة..
تمضي دقيقة..
ودقيقة..
ودقيقة..
ثم يشخص بصره بدلًا من أن يلين بدمعة!
مثار للشفقة أن تحيا تُكابر على حاجاتك.. تكظم بكاؤك.. وتدس ذهنك في أنف المسؤولية.. ثم تموت مقيدًا بكل ذلك.. تموت دون أن يعلم أحد أنك كابدت. سيقول المقربون منك بأنك عشتَ قويًا باسلًا، أنك ما خضتَ معركةً إلا انتصرتَ فيها تاركًا للآخر لملمة الغنائم مع بقايا عزة نفسه؛ فنفسك أعز من أن تخرج بشيء كان في حوزة غيرها يومًا، لن يحكي أحدهم أنك انهزمت ألف مرة في الخفاء قبل أن تنتصر، أن دمعك المذروف أثناء ضحكك ما كان سوى يائس أراد أن يخرج حتى لو لم يكن الباب مناسبًا.
وبالحديث عن المعارك، أعلم والعلم عند الله وحده أن أشد معاركنا ضراوة حين تكون الجبهة المقابلة ما تخزنه ذاكرتنا من مواقف مرّت السنون ولم تمرّ؛ حرب مُعلقة بهدنة جبرية لم يكن لك فيها يد، لك منها كل الأشياء التي شهدتها، الأشخاص.. المكان.. الشارع.. التوقيت.. هندامك.. وشعورك! ضراوتها في شعور الكرامة المسحولة على حين غرة منك.. أن تكون صاحب حق فيها وتخرج منها مغصوب حق المطالبة.. أن ترنو عينيك في اللاشيء رغم أن الشمس ساطعة لكن تبدو الحياة مُبهمة.. تتخدر مشاعرك، صوتك، ورغباتك. تعقد هدنة خلال الهدنة المفروضة عليك مع توقعاتك فتنخفض إلى مستوى قدميك، وفي كل معركة تتساءل مع فارسك الأخير قبل أن يخر صريعًا: ألم يأن آوان إشهار سيـ…؟ وقبل أن تكمل سؤالك يخر الفارس صريعًا ويُسبى حصانه.
وفي لحظة، لحظة لا تدري متى أوانها ولا ظروفها، في لحظة تكون فيها على شفا هاوية لا تنتهي إلى شيء.. ستعبر بك ذاكرتك إلى ذاك اليوم.. إلى الشارع القديم وإلى صورتك القديمة، إلى الذين شهدوا خيبتك، وستتأرجح قدميك الحاضرة بين التعب المعتّق وبين الخوف من المسقبل المتكوّم في الدقيقة التالية، تقف طويلًا تحسب عُمرك الإفتراضي في ثوانٍ برصد كل الخسائر المتوقعة وعلى نفس الغفلة يستيقظ فيك ما تم تخديره ويقطع بحدته الهدنة يواجه الذاكرة القديمة وينتصر!
ينتصر.. لكنه يفرّ بعد انتصاره بعيدًا فيسقط مهزومًا أمام نفسه منتصرًا لضعفه ويبكي.. أخيرًا يبكي.