مقالات وجدانية

دواعٍ كثيرة

مزعج الشعور الذي لا أجد له مبرر، الضجيج الذي يُربك هدأة قلبي على غفلة من نهاري العادي، ما الشيء الذي أفلت من ذاكرتي القديمة وأحدث هذه الفوضى..؟ أحاول أن أُعنونهم تباعًا علّي أمنح كل واحد منهم كفايته ليأخذ دورته كاملة في نفسي.. ثم يغادر تاركًا خطوط المستقبل في قاع فنجانه. ذاكرتنا القديمة؟ هممم مصطلح أدبي يُعطي شكلًا بلاغيًا للنص أكثر من ندوب مثلًا.. على اعتبار أن الندوب قد تعطي صاحبها صفة العطب بينما الذاكرة القديمة إيحاء للتخطي باختيار حين رُكنت! حسنًا لن أخوض كثيرًا في المصطلح الأنسب الذي يجمع دهشتنا من أنفسنا حين عشنا أكثر مما خمّنا أثناء مرورها وبين آثارها المتبقية في أزقة الروح الضيقة حيث غياب الضوء بصورة متقطعة، مشاكل ضواحيها أقوى من الصوت.. وأكثر تعقيدًا من البوح.. تحوي صورنا الحقيقية وتحفظ صدى اعترافاتنا المقموعة.. المبررات التي نكره من خلالها أولئك الذي يدعون محبتنا وندّعي تصديقهم، تحتفظ أيضًا بمحاولاتنا التي باءت بالفشل وعجز اللغة أمام بركان الوصف، تذكرتنا بجهلنا بذواتنا في لحظات الصفاء لكنها أيضًا اليدين التي تصفق لنا بحرارة مع كل إنجاز.. هه تُضيء ساعةً دون أن يلتمس كهربها! 

على فرض أن في العقل قبو يدفن فيه المرء انفعالاته.. رغباته وأفكاره التي إن نطق بها سيحكم عليه المجتمع بالنبذ حتى وإن كان المجتمع يتفق معها لكنها موجودة لتُضمر.. وفرض أن في الروح دهاليز وأزقة مُظلمة يطوي فيها المرء صوته وهزائمه وتُخفي عتمتها ما خطه الزمن على جدرانها، مَن هي الأنا الحقيقية؟ ومتى تظهر؟ إن لم تكن نتاج كل هذا؟ تبدو المفارقة مزعجة في العطوب التي تجعل من الفرد صالحًا رغم أنها خربته! يعني أن الخراب يُصلح اعوجاج ما! الفكرة لا تعجبني وتعجبني في نفس الوقت، لا تعجبني في أن الصلاح مُكلف وتعجبني في أن الخراب ليس سيئ بالضرورة.

في عامٍ من الأعوام لا أذكر متى بالضبط اكتشفتُ نوعًا جديدًا من العجز المُسبب للبكاء.. عجز لا يصدقه المُتلقي وحدك تشعر به.. وسأعترف دون ادعاء للتواضع أنني لا أدري سبب العجز فأحيانًا أُلصق التهمة بالوحدة وباتساق المرء مع ذاته ما يجعل الكلام عن أشياء تكدست أمر غير مجدي لأنه لو كان كذلك فلم اعتناق الصمت منذ البدء؟ لأن لا آوان لها؛ هي أشياء حدثت ولن يعلم عنها أحد نوع من أنواع الأقدار لن تفلح نظريات علم النفس التي تنادي بالكتابة وبالكلام معها.. حتى أنه يخيل إلي بأن فعل أي مما سبق قد يزيد العقدة كفتاة تحاول فك عقد سلسلتها الذهبية بينما ينتظرها الجميع في السيارة فصار لزامًا عليها أن تتنازل؛ إما أن تتخلى عن جزء من زينتها وتتركها وإما أن ترتديها بعقدتها على أمل أن لا يلحظها أحد وإما أن تفقد صوابها فتقطعها إلى نصفين لتكسب معركةً في حرب الندم المؤجل لحين عودتها إلى المنزل. آه كنت أكتب عن اكتشافي لنوع عجز جديد أو سأسميه دافع للبكاء! حين تنوي أن تُفصح.. أن تخبر أحدهم عن  كل الحياة الأخرى التي لا يعلم عنها أحد.. ستتفوه بما لا يقوى على أحد الشعور به، وحدك تفعل.. تفتح فاهك فتندفع الحروف مرة واحدة وبطريقة لا تعلمها تتبعثر وتصطف على هيئة غيرهيأتها الحقيقية وتقول أشياء ثانوية لا تشبه ما بداخلك في شيء والأدهى من ذلك أنك ببداهة تُبرر للكلمات المشوهة فتأخذ طابعًا حقيقيًا.. لكنه ينتهي بالبكاء! بكاء فحواه ليس هذا ما أردتُ قوله. وتجفف دمعك على مناديل مواساتهم التي تهز رأسك لها باستسلام!

في اعترافٍ غير مهم ولكنه غير مُسبق أيضًا.. رغم ثرثرتي وكتاباتي وعُلو صوتي واندفاعه.. رغم الأعوام التي سمعتُ فيها صديقاتي وتحدثتُ فيها مع طالباتي لم أقل يومًا عبارة: أعرفك.. غريب صحيح؟ أو ربما لا.. لكنني لم أفعل لا بالصدفة وإنما بقصدٍ محض، لا أجرؤ على أن أتفوه بكلمة كهذه، أتخيل صاحبها يسخر مني حين أقولها باختزال مبتذل لتاريخ الفرد الماثل أمامي أو لصوته الذي عبرته المواقف لتتشكل نبرته على هذا النحو الذي أسمعه، ورغم ذلك أزعم بأنها أكثر عبارة قيلت لي وأجزم بأنها ستقال كثيرًا ولأصدقكم الشعور، يعجبني سماعها.. تضعني في منطقة آمنة؛ منطقة مريحة لا أخشى فيها محاولات اقتحام دوائري، سيكون من دواعي سروري أن يعرفني الجميع كما أحب وأريد.. وسأكون دائمًا أرى فيهم ما يدعو للاكتشاف وللتأمل!

 

أضف تعليق