مقالات وجدانية

ثالثنا أرق

اختفى بغير الطريقة التي جاء بها!

انبلج الصُبح يُحْييني بعد أن أسكر نفسي بلذّتهِ وأذاب بقدومه حواجزها وألغى وعودها وأيمانها! وتسللتْ الشمس إلى الداخل مُستغلَّةً غياب ستائر النوافذ قبل أن ترتفع وتعانق هامات المنازل الإسمنتية! 

قبل قدومه بيومين فقط، جلستُ مع نفسي وثالثنا أرق، يتودد إليها فتأبى، يقترب منها فترتعد هلعًا وتضم يديها فوق صدرها خشية أن يقتحم قلبها وينفض مخاوفها فلها قلبٌ تعْقِل به وتودعه أصول أعوام ابتلعتها وحيدة ولم تكشف منها ورقة واحدة  آثرت العقوبة على الفصح.. فالأولى تبدأ باتهام وتنتهي بندبة لكنها تنتهي على الأقل، أما الثانية فإن بانت جردتها أعين الناس وسجلتها ذاكرتهم بعُريها البريء! 

أُخبرها بجدوى الأرق كرفيقٍ مناسب في حضرة سكون الوحدة، مادام النوم قد غادرها أيام دون أن يُكلِّف نفسه ببضع غفواتٍ تسدُّ بها رمقها. أليس ظُلمًا أن يدفع الطرف المُلتزم ثمن تصرفات الآخر الطائشة؟ ثم هو من بدأ ونكث الميثاق فالأرق في هذه الحالة حاجة وليس تطفلًا في علاقةٍ بائسة بين اثنين! وأخيرًا، بعد جهودٍ حثيثة وافقت على مضض أن تحتويه كرفيق ربما أقل لكن قطعًا ليس أكثر. بعد أن أنهيتُ حمامي الدافئ ليل البارحة، وجئتُ بقدح الشاي ووريقات النعناع حتى يسترخي الأرق بينما يفضح أمامها الفِكر والنوايا دون أن ينقطع نفسه أو يفقد أعصابه نتيجة عنادها.

 أقبل!

أقبل على غير هيأته؛ بلا بِزَّة نظيفة وأنيقة، بلا رائحة العطر الزكية، بلا تسريحة الشعر التي توحي بأنه قضى وقتًا يرتبه خصلةً خصلة! جاء يسحب قدميه بإعياء، كتفيه ضامريْن ووجهه شاحب وتبدو على جسده مشقَّة الخطيئة، لم يكن يزفر كان يتنهد، جاء فوثبتْ إليه تعانقه قبل أن يسألها العفو! هه.. لابد أنها تحتفظ له مع بقية أوراقها التي خافت عليها بصك غفران بلا شروط ولا تاريخ انتهاء! عانقته بعينيها ليسكُن إليها ويُسكنها، ولفرط الإشتياق والتعب لم يُقحم وساوسها بينهما كحُلم. عاد إليها بلهفة المرةِ الأولى!

واختفى الأرق بغير الطريقة التي جاء بها!

صحيح! الأمر الأهم.. من قرن الخير بالتحايا؟ 

رأي واحد حول “ثالثنا أرق”

أضف تعليق