
الكبرياء لا ينزع من العمر بهاءه فقط، ولا يكتفي بمنع استمرارية العلاقات العذبة، الكبرياء ليس حِكرًا على عدم التفوه بكلمة شكرا وآسف حين تجب، بل تمنع المرء من تلقي المعارف كما يجب! حينها نلجأ للدروس العملية، بعد أن تلْقى الطرق النظرية حتفها.
أطرقُ الباب وأقف بحزم، أتأمل فيهن بينما تُخرجن الكتب، أضع كتبي وأقلامي على الطاولة، أرفع كشف الأسماء، أختار واحدًا عشوائيًا.. اسأل سؤالا وبعد برهة من الانتظار تخرج من فمي ببرود وباللغة الانجليزية كلمة: صِفر!
ثم يهبط قلمي على الورقة بشكل عامودي راسمًا الصفر بدون أي مجهود.
كان هاجس العشر دقائق الأولى من كل محاضرة لي معهن ينمو ويتفاقم تدريجيا، أما أنا فأطلق عليه الهاجس الصحي.
وزعتُ عليهن أوراق الاختبار القصير بعد أن أنهيتُ تصحيحه، جاءتني خولة كما توقعتُ، سألتني عن خطأها الذي أضاع عليها نصف درجة، وحين علمتْ أن كتابة اسمها باللغة العربية في صف اللغة الانجليزية هو خطأها الوحيد رفعت صوتها بكلمة: حرام.
أجبتها بتوضيح وبنبرة هادئة تستفز اندفاعهن أحيانًا: الحرام قضاء وقت لتعلّم لغة ثم يأتي الاسم بلغة أخرى، وأظنها لم تفهم ما قلتُ من فرط قهرها.
عادت لمقعدها وانخرطت في البكاء بينما بدأتُ الدرس كمن لا يسمع ولا يرى…
في آخر يوم لهن معي، وقرابة الساعة الثالثة عصرا، طرقت خولة باب مكتبي وبلهجة مسقط رأسها سألتني عن النصف درجة بخجل..
ابتسمتُ بوداعة وقلتُ: درجتك المرصودة كاملة..
- يعني أن المكتوب في الورقة غير حقيقي؟
- أجل..
اتسعت عينيها ثم قالت بفرح مفرط: أقسم بأنني حفظتُ اسمي بالانجليزية ورقمي الجامعي تحسبًا لأي سؤال منكِ!
احتاج الأمر فصلًا دراسيًا كاملًا لتدرك فيه بأنني لا أمارس السُلطة لأُنزل عليها ما هوت نفسي المضطربة من عقاب بل أحببتُ أن تخرج من هذه المرحلة بأكبر قدر من الإلتزام ولو بدا لها الأمر تافهًا.
أظن -وقد يكون ظنًا خائبًا كظنون كثيرة أودعناها شخوص فشخصت ولم تُصب هدفًا قطّ- بأننا نطمئن إلى المسافات التي تفصلنا عمن نثق بهم لأننا لا نثق بأنفسنا ولم يقترب منا أحد إلا وأضرم نارًا تأكل أطراف القيمة التي نتشبث بها حتى تصبح رقيقة تُقطع من الشدّة الأولى والرجاء الأخير.
طُرق باب مكتبي، المكتب الذي تصفه حصة طالبتي المشاكسة: مِس مكتبك المفروض مكتب العميد.
أطلت أماني بملامحها الوديعة ونظراتها المتوجسة، التوجّس الذي يحملانه كتفيها علامة مميزة. أعرف أن طالبةً لم أعد أدرسها تأتي إلي بدوافع أخرى لا تشبهها حين أمتلك سُلطة “الدرجات”، دافع أكثر حساسية وإنسانية.
في منتصف الحديث المكتظ بالتعب أسيت لحالها الدموع فواستها بمشاركة لم تلبث طويلًا، حاولت أن تتماسك وتبتسم، لكنها الظروف تُحاصر زوايا ابتسامتها فتقوسها، بعد أن أنهت حديثها وأفرغت شيئًا مما تشعر، طُرق الباب ثانية.
خرجت أماني تجرّ وداعتها وكتفيها، ودخلت خولة، خولة التي بكت بسببي مرتين حين كنت أدرسهم!
- مِس أبيك شوي.
دخلت تفرك يديها وتجول بنظرها في أركان المكتب لكنها لا تستقر إلى شيء.
سألتها السؤال القصير، أسهل الأسئلة في اللغة وأصعبها في النفس سألتها ماذا بها؟ حجم السؤال أصغر من أن تلتقطه أفئدتنا وتدفنه دون أن يلحظ أحد فوضى (ما بنا)، لكنها الحياة إن تراكمت في الفؤاد استعمرته ومنعت عنه أيادي الصادقين البيضاء.
انهار جسدها الصغير على الكرسي القريب منه، وتدافعت الشهقات في حنجرتها، لم تكن قادرة على منع البكاء، كان أقوى منها بكثير.
- ابكي، خُذي راحتك.
بينما في الواقع كان يفصلني عن اختبار طالباتي عشر دقائق فقط.
الحيرة والوحدة شيطانيْن رجيميْن يسكنان في قلب لم يبلغ عامه العشرين بعد، الحيرة من المستقبل والشك في القدرة على المواصلة مضاف إليهما شعور بالوحدة إذ أن الغربة علقمٌ يصعب ابتلاعه مرةً وهي تبتلعه في كل دقيقة منذ عام ومضافٌ آخر لكنه ثقيل نوعًا ما، إن أقبل تمكّن وإن أدبر فروحك قد صعدت أخيرًا وتلاشى عرشه كوميض نجمة، الشوق، السيّد الذي يسكننا جميعًا باختلاف ليس له أربعين، يفتك بقلبها المغترب المحتار الشوق لوالدتها التي توفيت منذ شهر فقط.
شهر وتجلس على مقعدها الدراسي تُدوّن المحاضرات وبصرها شاخصٌ نحو فاه يتحدث دون تعب مدة ساعتين!
إن كنت تظن بأنك تعرف أحدًا فأنت لا تعرف شيئًا!!! في داخلهم مقبرة تُخفي أكثر مما تدعي معرفته في جملة مبتذلة يظن قائلها بنفسه عُمقًا وفراسةً: “في عيونك كلام”. وفي عينيك فراغ.
قضيتُ بقية يومي عاجزة عن محاصرة تساؤلاتي: ما هي الحاجة التي تدفع شخصًا أن يختار نفس الذي أبكاه يومًا ليبكي له دون أن يخجل من ضعفه؟
إن كنت تظن بأنك تعرف أحدا فأنت لا تعرف شيئا! في داخلهم مقبرة تخفي أكثر مما تدعي معرفته في جملة مبتذلة يظن قائلها بنفسه عمقا وفراسة :في عيونك كلام. وفي عينيك فراغ.
يالله عالتعبير يالله
شكرا هيا ع كل هاد وع تصرفك وعلى حسن الكلام
الله يسعدك عُلا ويجبر بخاطرك ويبهج قلبك، شكرًا جزيلا بإمتنان 💓