
أذكر كيف مضت الشهور الثلاث الأولى في الوظيفة بدءا من أغسطس 2015، كأن نفسي تضيع مني في الساعات الثمانية التي أقضيها مع الطالبات والموظفات. كان غريغور رفيقي الدائم في كل صباح على مكتبي يقرع ذهني على هيئة سؤال: ستتحولين إلى حشرة!
سأتحول إلى مسخ كافكا قريبًا هذا ما اعتقدته لأنني وللمرة الثانية يتم قبولي في وظيفة كمعلمة رغم إصراري على السُلم الإداري إلا أن الوعود تسبق رفضي لتوقيع العقود: جربي فقط.
السابعة صباحًا أجلس على المكتب المخصص لي في غرفة تجمع ثلاثة عشر مكتبًا قبل أن يتم افتتاح المبنى الجديد لأحظى بمكتب يجمعني مع زميلة واحدة فقط. على يساري مشرفة القسم، سيدة كبيرة، من جنسية عربية، هادئة وصوتها بالكاد يُسمع، تلتزم الصمت أغلب الوقت، تمتلك هاتفًا نقالا قديم الاصدار وله نغمة تصدح بمبالغة، يرن هاتفها في ظهيرة كل يوم فيثير انزعاجنا وإذا ما قررت إحدانا خفض صوته يتوقف من تلقاء نفسه، بطيئة الحركة وتأخذ وقتًا للاجابة على الاسئلة، تُفضّل تجنب الأشياء الجديدة، شخصيتها مُقادة إلا على من تُشبهنها في الريبة!
بينما أرتشف قهوتي وأقرأ صحيفة الرياض المحلية كانت هي تقضم خيارةً وتأكل خبزا محشو بالجبنة أو اللبنة كالعادة.
على يمين المشرفة مكتب زميلة -كانت صديقتي كثيرًا قبل أن ينفرط عقد لؤلؤ صداقتنا ونتناثر كلٌ في بقعة ينأى بها عن الآخر- تكون وقتها تضع مكياجًا لأنها استغلت الطريق للعمل بالاستغراق في النوم.
- وزير الصحة الإيراني يُصرح بأن حادث التدافع كان أمرًا خارجًا عن الإرادة ونسلم لمشيئة الله وقدره.
تُطل زميلتي برأسها من فوق حاجز المكتب القصير بعين مغمضة وعين مفتوحة وبيدها قلم كحل أسود: النذل يتبرأ من قتل الحجاج!
تغمغم المشرفة بلهجتها الشامية: “الله لا يسلم فيه شيء”.
أتبادل مع زميلتي نظرات الذهول بالمداخلة غير المتوقعة ونصمت!
الساعة الثامنة من كل يوم اثنين يجمعني بطالبات المستوى الثاني، تعتقد الطالبة وقتها أنها ألمّت بكل اللوائح الأكاديمية والقوانين الصفية حتى اكتساب سمة الفراسة ومعرفة المعلم من المحاضرة الأولى لمجرد أنها اجتازت المستوى الأول!
كان من نصيبي الصف الأكبر، مكتظ بخمس وأربعين شخصية وأنا السادسة والأربعين! كنتُ أدخل عليهن بحماسةٍ وأخرج بعدهن منهكة بطاقة شبه معدومة وخِلق ضيّق. امتاز هذا الصف بإلقاء التُهم بتحذلُق لا مثيل له! حين ترمي الواحدة بشرر، ترفع الأخريات حاجبًا كنايةً عن المُساندة.
في كسر لرتابة المحاضرات وللتخفيف من وطأة الملل، سألتهن عن مشاهير وسائل التواصل الاجتماعي، أبدينَ حماسة للسؤال وانطلقت الأفواه بأسماء أعرف بعضها وأجهل الكثير منها، وأعلق على كل اسم وأدع مجالًا للتعليق، قلتُ: بذكر لجين الهذلول، أتؤيدن قيادة المرأة للسيارة؟
وتفاوتت الاجابات بشكل لم أتوقعه، وفي محاولة لإدارة الحوار، جعلتُ لكل فريق فرصة للإسهاب، كنتُ أستمتع بمحاولاتهن في التحدث بالانكليزية وخيانة المفردات لهن في ذروة حماسهن، جلست على طرف الطاولة المخصصة للمعلمة وأرهفت السمع لأرائهن. هذه البضع دقائق تعمل كمنشط لأذهان الطالبات، عادت دفّة الحديث إلي، كنتُ مستغرقة في شرح قواعد القراءة وأجزاء الكلمة الانكليزية، استمتع بأداء الواجب وإن كان رفع الصوت إحدى عيوب المهنة الواضحة.
رن هاتف لينا بأغنية في مطلعها كلمة أحبك…
ارتبكتْ وخفضتْ الصوت بينما انطلقت ضحكات زميلاتها وإيحاءات الاعجاب بما حدث التي يعتقدن بأنني لا أراها.
بعد خمس دقائق ربما أقل، رن هاتفها مجددًا ….
لفت نظري صورة المسجد الأقصى وقبة الصخرة والحديث جميل ولطيف