كنتُ أعلم جيدًا أنه سيحدثُ، غير أنني لم أتوقع حدوثه بهذه السرعة!
لأول مرة أضع فيها يدي على زجاج النافذة العريضة ولا أجده دافئا، دقائق الوقت التي تمشي على مهل كانت تركض في مارثون الستين ثانية لتقطعها في أقل جزء ممكن!
أجمع الذكريات مع كل جُسيم أدفنه داخل الصندوق، وباب مكتبي موارب أسترق من المارة ابتسامات تصنع معنى مما تبقى من الزمن!
أستجدي ذاكرتي التصويرية لتخزّن حبًا ما استطاعت إلى ذلك سبيلا؛ ملامح تعيش أزمنةً داخل رأسي المكتظ بألف فكرة!
بدايةً رغم أنني اجتزتُ البداية بسطور، إن كنتَ تقرأني في الصباح؛ فصباح الخير والياسمين ارتباطًا بياسمين الطالبة التي لم أنل شرف تدريسها لكنها ما انفكت يومًا بإلقاء التحية علي مع صديقتها سامية.
تُذكَرني بأخرى في مستوى متقدم نسيَت هاتفها النقال في القاعة التي أُلقي بها محاضرتي، ونشأت بيننا علاقة لم تتجاوز الأسبوعين طرقت فيها باب مكتبي يومًا وسألت بصدق: كيف حالك؟
الصدق؛ العهد المُستتر الذي يُبرم بين المعلم والطالب في أول اختبار إنساني يُخضِع أحدهما الآخر فيه. كتبَتْ ثلاثُ ورقات في تعبيرها عن نفسها ودسّت اعترافًا بين السطور ظنًا منها أنني لن أقرأ لأننا تعلمنا أن المعلم لا يقرأ سوى كتب الوزارة الدراسية!
كتبَتْ: أحبُ جميع معلماتي في الكُلية، ماعدا المعلمة الجديدة لأنها تكرهني!
أذكر أن الساعة تجاوزت منتصف الليل قد دبّ خلالها الإرهاق في كل خلايا جسدي، لكن اعترافها أوقف الزمن وجمّد التعب!
قلبتُ الصفحة وكتبتُ لها تعبيرًا آخر عنها وذيّلتُه بعبارة “أنا أحبكِ أكثر من معلماتكِ التي تحبينهن، ثم ابتعدي عن مشروبات الطاقة أرجوكِ.” يستحيل أن أنسى دهشتهن وقت المحاضرة وهنّ يقلبن واجباتهن بين أيديهن ويتبادلن الأوراق بالخفاء حتى لا أراهن، خاصةً دهشة سارة! سارة التي قلتُ لها: سأتحدى بكِ نفسك، وستحصلين على العلامات الكاملة في مادتي! وفعلت!
عدتُ إلى مكتبي بعد محاضرة طحنّا فيها جيوش الجهل وحرّرنا ما أمكن من آفاق واسعة، وجدتُ على مكتبي كوب قهوة وقطعة كعك ورسالة مُوقعة بأسماء قريبة جدًا إلى الروح.
وضحى ومها…..