مقالات وجدانية

أضجرتها

“أضجرتُ نفسي”.

أضجرتها لفرط ما ركنتُها جانبًا وهمستُ في أذنها: سيحينُ دورك، فقط ليس الآن.

وكنتُ حين أحتاج مساعدةً لأغفر مثقال ذنب أحدثهُ صديقٌ ما، اسألها: هلّا أعرتني غُفرانًا من لدنك..؟ بارك الله فيكِ سيغفر الله لك.

– يغفر لي ماذا؟

– ممم قصدتُ إن أذنبتِ..

– وهل تتيح لي فرصة أن أقترف ذنبًا.

– ليس الآن، ليس الآن.

أضجرتها وهي تقف مُسندةً ظهرها على حائط الانتظار، يُزين كتفيها وشاح أبيض، تحاول استراق دقيقة تضحك فيها، لأنها تريد أن تضحك!

أسحب طرف وشاحها: اضحكي..

تتساءل بدهشة: لِمَ أضحك؟

– لأن صديقي مستاء ويجب أن أخفف عنه.

– ما المضحك؟

– لا أدري، فقط افعلي ما تؤمري..

ضحكت، وضحك صديقي..

بارك الله فيك، ستعود إليك هذه الضحكة ضِعفًا، فقط ليس الآن.

أضجرتها، يوم تراكمت المواقف، ووضعتها مجتمعةً في صندوق واحد، وأجبرتها على حمله!

– لكنه ثقيل.

– لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.

– لكنك لستَ الله، وقد كلفتني ما لا أُطِق!

– سأُخلصك من حمله، لكن ليس الآن.

أضجرتها بجملي المتكررة:

– ما يحدث طبيعي جدًا، لا يوجد ما يستحق أن تبكيه.

تدافع عبراتها:- لكنني أشعر بالرغبة في البكاء!

– ليس الآن، تماسكي من فضلك.

تُمسك طرف وشاحها وتدعك عينيها، في محاولة سريعة لأن تبكي ما استطاعت في بضع ثوانٍ!

أضجرتها يوم ألزمتها بأن تُحاكي مشاعر الآخرين أو حتى تُربت عليها؛أن تضحك حين يضحكون، وتُضحكهم حين يبكون، وتحزن حين يحزنون، أن تلتزم الصمت في غضبهم، وأن تلتمس سبعين عذرا وواحد.

أضجرتها في كل مرة تأتيني بشعور، وأُكذبها أو تطرق باب أفكاري بحدس ما، وأنهرها.

حتى وهن جسدها، ومال ظهرها، صار رأسها مطأطئا دائما، واستحال وشاحها الأبيض، أسودًا!

– نفد عفوي وغفراني، لم يعد هناك متسع لاقتراف ذنبٍ ما، صرتُ أنا الذنب!

اهترأت أسناني، لم تعد ضحكتي مغرية كما في السابق، رغم أني لم أضحك بعد!

لغتي التي تُسعف المحزونين، باتت ركيكة تزيد المرء تعاسةً.

عشتُ نظيرةً لأقرانك، أن أشعر كما يشعرون فقط!

أجلتني كثيرًا، لزمن غير معلوم، قامت ساعتي، وزمنكَ لم يحن!

هه! الله أعدلُ من أن يحملني ما لا أُطق، أن يمنعني من الحياة!

ثم تقوقعت على نفسها.. تراها من بعيد فتحسبها نقطة سوداء تشوّه المنظر العام!

أضف تعليق