مقالات وجدانية

اربعمائة وخمسين يومًا من الحُب.

أربعمائة وخمسين يومًا من العطاء المعنوي والحصاد المُجزي.

أكتب مُودعةً وظيفتي التي ماكنتُ يومًا أطمح إليها, وامتهنتها في محض صدفة؛ من عاطلة لمدة ثلاث أسابيع تتناول وجبة إفطارها في ساعة مبكرة إلى اتصال هاتفي أنهى وجبة الافطار وإذا بي معلمةللصف الخامس في العاشرة من ذات الصباح!

مجتمع المدرسة الذي عشتُ أمقته في حديث المعلمات, وظيفة تُشبه مقاعد الحرير المريحة والكثير من تفاهات الفتيات بمختلف مراحلهن!

أما المحيطين بي فهتفت أصواتهم بالتهاني والتبريكات وجُملة: لحسن  حظك, وظيفة سهلة وإجازات لا تُعد ولا تحصى!

في شهوري الثلاث الأولى والتي توافق الفصل الدراسي الثاني, كانت الأصعب والأكثر إرهاقًا.. لم يعد بعدها التدريس شيئًا سهل الممارسة وعاديًا, ولا المعلمات نساء محظوظات, انكشف غطاء الهيكلالمدرسي ولم يعد في نفس الصورة النمطية المتداولة عند الآخرين.

ثلاثة أشهر حاولتُ فيها أن أجدني ما بين الفتاة الطائشة والمعلمة القدوة حتى ضعتُ في أوامر المشرفة وتعليمات الوكيلة وسجلات المتابعة والتحاضير اليومية وخطط الضعف وجدولة المنهج وتصحيح كُتب, دفاتر, أوراق عمل وأوراق اختبار.

حتى شخصيتي ما عادت تشبهني وصرتُ أُوجس خيفةً من المرشدة الطلابية لكثرة تكدس خطابات الشكوى من الأهل!

تغيرتُ أنا الانسانة البسيطة ولم أتغير كمعلمة, كنتُ أتجاهل التعليقات التي لا تعجبني كأنني أعاقب الآخرين على حساب المرشدة المغلوب على أمرها.

وفي الجانب الآخر, ذبتُ في أول رسالة لُفت بعناية شديدة وخُطَّ في أولها كلمة: أحبك.

كان لي النصيب الوافر من ثرثرة الطالبات ومن تلويحهن في الأسياب حتى صارت جُملة: “أتوق لتكوني معلمتي” من أكثر الُجمل ترديدًا على مسمعي.

وأسأل نفسي في كل مرة إن ماكنتُ حقًا معلمة جيدة، أم أن طالباتي فُقنني خُلقًا وتجاوزن عن سيئاتي في أحاديثهن!

أربعمائة وخمسين يومًا ولا أعلم ما سر صفاء النفس الذي يغشاني بينهن، في صف رُصت مقاعده بترتيب واستحالت فوضوية بفضلهن.

ستٌ وستين شخصية تنوعت مابين الهادئة والمشاكسة، الضحوك والمتذمرة، المجتهدة والمهملة وشخصيات كثيرة لا أعرف لها مصطلحًا.

اربعمائة وخمسين يومًا كنتُ فيها أختًا لهن، لم أكن أمًا لأنني لستُ بالقدر الذي يجعلني أنزل هذه المنزلة المُقدسة.

ولأن الحاجة للأخت ذو أهمية بالغة فقد حطّت في صدري مشاعرهن السلبية والايجابية وأسرارهن البسيطة والمعقدة حتى لم أعد أطيق تعليقًا سلبيًا في حقهن.

خضتُ نقاشات جدية مع الزميلات في سبيل الدفاع عن شغبهن، ودخلت في مشاجرة مع أخريات من أجل رضاهنّ.

بذلتُ كمًا من الشعور في غير تفكير، كان المنطق يستحيل لمعادلة لا فائد ولا عائد منها في حضورهن.

صار طريق المدرسة ممهدًا بأسمائهن، ومع كل اسم موقف يبعث عالابتهاج.

اربعمائة وخمسين يومًا عشتها في كنف الحب.. أُغدقت بكمية اهتمام ومفردات ركيكة من الغزل.

ليان السديس وتسريحة شعري التي جعلتها يومًا تنطق معبرة أخيرًا: الله شكلك مرة حلو اليوم.

وصوت شادن تهتف من آخر الممر: مٍس هياء.. سلامتك.

ونوف تُخبر زميلتها التي سألتني أي الألوان أُحب فأجابت: مس هياء تحب اللون الأصفر.

اربعمائة وخمسين يومًا اسألني فيها: أي صلاة من أجلي أُجيبت على هيأتهن

ّ

!

اربعمائة وخمسين يومًا اختصرتها عيني إحداهنّ اليوم، ولازلتُ أستجديها في رأسي أن لا تبكي يا صغيرة فما أنا إلا مغلوبٌ دعا ربه فكنتِ

أصلح الله القلوب الصغيرة التي جعلت مني أكثر مرونة وتقبّلا, وملأها بحُبه وذكره.

هو وحده يعلم أني أحببتها  حتى وإن أخفقت في التعبير أو العمل بذلك الشعور.

وهو أيضًا يعلم أنني وجدتُ الحب لأول مرة في أعينهن.

رافقهن التوفيق وبارك تخرجهن من الصف السادس.

“إن أصبت فمن الله وأن أخطأت فمني والشيطان”

رأي واحد حول “اربعمائة وخمسين يومًا من الحُب.”

أضف تعليق