تقول نظريات النقد الحديثة أن الإنسان يمُجد الماضي بصورة مغلوطة , وأن الحاضر ليس أسوأ من الماضي
أنما هو السيء امتد منذ قرون حتى شملنا بسوئهِ , أجل صحيح تمامًا.
ولأن النظريات تمتد لتشمل الإنسان كفرد , فمدرسة القرن الحديث القائمة على مقالات الكاتب الأمريكي إليوت , تُحذّر من استخدام ماضي الفرد لتقييم كتاباته أو سلوكه.
ماضي الفرد الذي ما إن يُفصح عنه حتى يتسابق المجتمع في تقييمه بناءًا على وقائع أكل منها الدهر وشرِب.
وماذا أن يحظى الواحد منا بتاريخ يصقلهُ ويتربى في ذاكرته ويتغنى به!
وماذا عن أحداث أيامهِ المشاكسة .. التي تُبكيه وتَبكيه!
المجتمع الناقِد كبر ونمى نفوذهِ فصار يُقيّمنا وفقًا لسقطات لا نتذكر تفاصيلها حتى.
بل ويبني صغائر سلوكياتنا السيئة على مشاكلنا التافهة.
ولأننا نخشى تقييم المجتمع المستمر لنا , باتت حياتنا الخاصة وأفكارنا مركونة في أبعد زاوية , نُخفيها بحذر شديد ونُبقيها صماء وخرساء , ترانا بعين ماضينا الذي كبرنا من خلاله وتُرثي حالنا.
حتى النصوص المكتوبة لم تسلم منا , نُفتش في تفاصيل كاتبها , ونربط الأحداث المكتوبة بالوقائع التي يعيشها الكاتب.
ماذا لو كانت الكتابة مجرد موهبة , لا فضفضة؟
ماذا لو قرأنا النص في أنفسنا؟
في محيط العمل يحدث أن تتفوه الواحدة منا بعذر منعها من الحضور أو تأدية واجباتها , عُذرها لا يموت أبدًا.
يطاردها حتى يتحول شبحًا تلعن بسببهِ ساعة الحديث عنه!
لن أنتقد كثيرًا هذهِ الفئة , فلعلي كنتُ داخل الدائرة يومًا ولم أنتبه.
سأختم حديثي بأن الماضي البعيد وحتى القريب , وأن المشاكل اليومية ماهي إلا وقائع لا ترتبط بنا في شيء , هي لها صفتها ونحنُ لنا أوصافنا , نستحق أن نعامل بما نُظهر دون وضع نقاط وصل بيننا وبين ما يحدث وما بين النقطتين تعليلات وتبريرات.
إن أخطأنا , فالخطأ منّا كأفراد لا علاقةَ له بما حدث لنا , وإن أحسنّا فهو إحسانٌ منا , لا من ماضينا.
صحيح تمامًا , دراسة الأدب أعمق من كلامي هذا وأكثر منطقية , لأنه الإنسان في هيئة نصوص مكتوبة.